التراث العالمي

تريستان – غوتفريد الستراسبورغيّ

Tristan - Gottfried von Strassburg, with the surviving fragments of the Tristran of Thomas

“الحب شيءٌ مُبهجٌ جدًا، مسعى مباركٌ جدًا، ومن دون التأدّب به فليس للمرء قَدْرٌ ولا صيت.” تريستان

كأنَّ كمال الحبّ ألا يكتمل، وجماله في ألا ينتهي جميلا، ولعلَّ أسطوريّة الحبّ في مأساته ونقصه، فالعاشق المحزون كثيرُ الشكوى والنجوى واللهفة والشوق، والعاشق السعيد ضائع في ملذّات محبوبته ليس لديه ما يقوله سوى السكوت عن ملكوت سعادته.

لا تكاد تخلو أمة من الأمم من قصص الحبِّ أو لا تروي أخبار العشّاق وتتوارثها جيلا بعد جيل للاستئناس أو الاعتبار. من بين هذه القصص في أوروبا قصة تريستان وإزولد (تريستران، إزولت أو يزولت)، وترجع أصولها إلى الأساطير السلتيّة التي تمثّل الصيغة المبكّرة من الحكاية وحبكتها وأحداثها. كانت في خطّين سرديين الأول عن رحلة تريستان إلى بلدٍ مجهول لمعالجة جرح مسموم، والآخر عن التجائه إلى غابة ليعيش مع محبوبته. ثم شرعت الأفواه والأقلام تضيف على الحكاية محسّنة ومغيّرة، فكان أول ما أضيف شراب الحبّ، وهنا الصيغة المشهورة من الحكاية وخلاصتها. يقصد تريستان أيرلندا لخطبة إزولد لخاله مارك، وفي طريق الإياب تسقيهما وصيفة إزولد من غير قصد شراب الحب، كانت أم أزولد قد أعدّته للعروسين، ليلفي الاثنين نفسيهما في حبٍّ محظور لا يستطيعان منه انفكاكا، ويبقيان على تلك الحال حتى يموتا معا في آخر المطاف. وآخر صيغة من الحكاية أُسقطت منها الحياة في الغابة واستبدلها خبر عيشهما في كهف العشّاق، وأُدرجَ فيها أخبار أبوي تريستان، وحلقات في الافتراق ولم الشمل، ونفي تريستان من بلاط خاله وعودته، ثم زواجه بامرأة تُدعى إزولد بيضاء اليدين، ثم وفاته مع إزولد الحسناء1. اختار الشاعر الألمانيّ غوتفريد الستراسبورغيّ الصيغة الأخيرة من الحكاية فروى نسخته من الحكاية في رومانسه2 ذائع الصيت غير الكامل. واعتمد فيما كتبَ على نسخة الشاعر توماس البريطانيّ Thomas of Britain؛ عاش هذا الشاعر في القرن الثاني عشر وكتبَ قصيدته باللغة الفرنسية القديمة، ولم يبقَ منها سوى نحو 3300 بيتٍ. غير أنّ الطريف، أو لعلّ العجيب، في هذا أنّ حيث توقّف غوتفريد في رومانسه يبدأ المتبقيّ تقريبا من قصيدة توماس، في موضع حديث النفس لتريستان وحيرته وصراعه في شأن زواجه بإزولد بيضاء اليدين، ومسعاه لإيجاد حلّ يرضيه ولا يخون حبّه لإزولد الحسناء. هذا ما ربط بين العملين وجعلهما كتابا واحدا تقريبا بنسبة ⅙ أجزاء لصالح رومانس غوتفريد أو أكثر بقليل. يشير غوتفريد في غير موضوع من رومانسه إلى اعتماده على توماس فيقول “حين أقول إنّهم لم يرووا الحكاية على وجهها الصحيح فهذا مرادي من الأمر. ما سطّرت أقلامهم ما سطّروه اعتمادا على النسخة الأصل كما رواها توماس البريطانيّ، من كان مُعلّما في الرومانس وقد قرأ في كتب البريطانيين حيواتِ هؤلاء الأمراء وأشاع خبرها بيننا”، ويقول “انكببت باحثا في كتب الرومانس واللاتين عن النسخة الأصل من حكاية تريستان كما رواها توماس، وبذلت قصارى جهدي في المضي بالقصيدة على الدرب الصحيح الذي أرشدنا إليه. على هذا انصبَّ بحثي مرارا وتكرارا حتى بلغت في آخر المطاف كتابا قال فيه ما جرى من خبر القصة. وإنيّ الساعة لأقدم بين يديّ ثمرة قراءتي في حكاية الحب هذه وأهديها إلى القلوب النبيلة لأسليهم بها”. ذاع صيت قصيدة توماس ووجد المتبقي منها في ثماني مخطوطات. لم يُعرف عن توماس شيءٌ سوى ما بقي من قصيدته، وكتبها على نهج الأدب الفرنسي في البلاطات الأنجويّة Angevin courts (ما بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر) مع سمات من الأدب الأنجلو-سكسونيّ3. ويرجّح المترجم والعلّامة آ. ت. هاتو أنّ قصيدته كُتبت نحو عام 1160، ويذهب آخرون أنه أتمّها في سنة 1165، وأنه أهدى القصيدة إلى إلينور دوقة أقطانية (1124-1202)، حين كانت ملكة إنجلترا وزوجة الملك هنري الثاني (1154-1189). يشير آخرون إلى علاقة ما بين هنري وإلينور حين كانت الأخيرة زوجة لويس ملك فرنسا (1137-1152)، أي أمر شبيه بعلاقة تريستان بإزولد زوجة خاله الملك مارك، ومن دوافع توماس في كتابتها وإهدائها إلى الملكة. يرى رودغر كروهن في دراسته عن أسطورة تريستان إلى أن قصيدة توماس قد اشتهرت على نطاق واسع فضلا عن أنها صارت مصدر عمل غوتفريد.

لحقت نسخة توماس نسخة الشاعر الألماني إلهارت الأوبرغيّ Eilhart von Oberge ما بين سني 1170-1175 باللغة الجرمانية العليا الوسطى، وهو أقدم عملٍ بقي كاملا من القصة في كلّ اللغات. ثم ظهرت بعد ذلك نسخة الشاعر النورمانيّ بيرول Béroul نحو سنة 1200 وبقي منها 4500 بيتٍ في مخطوطة من القرن الثالث عشر باللغة النورمانيّة. اعتمد بيرول في شطر من عمله على رواية إلهارت ومعالجته للقصة لا سيما في النصف الأول من عمله. نُظرَ حتى وقتٍ قريب إلى عملي إلهارت وبيرول أنهما النسخة الشعبيّة من قصة تريستان وإزولد، وأنهما كما يذكر هاتو قد يكونا أقدم نسخة من قصة تريستران (أصول نسخة توماس). وعُدَّ عمل توماس أنّه أول نسخة بلاط من القصّة. يقول هاتو إنّ الأخير غيّر فيها كثيرا وعلى نحو جذريّ لتناسب ذوق البلاط الأنجويّ. ثم جاءت نسخّة البلاط المحسّنة على يد غوتفريد في بواكير القرن الثالث عشر نحو عام 1210، النسخة الكلاسيكيّة من رومانس تريستان. يذهب هاتو مادحا عمل غوتفريد قائلا “قلّة هي القصائد الأوروبية ذات الحجم المعتبر [على غرار رومانس تريستان لغوتفريد] منذ عصر فرجيل إلى يوم الناس هذا ذاتُ براعة فنيّة جليّة وسردٍ نقيّ صافٍ”4. يردّ رودغر كروهن على هذا التصنيف التقليديّ بأنه ذو حكم جماليّ وما عاد مقبولا لدى الدارسين المعاصرين أمثال دانيلي بوشنغر، إذ صنّف عمل إلهارت ضمن تقليد أدب البلاط the tradition of the adaptation courtoise.5

ظهرت في العصر الحديث نسخ من الحكاية من بينها عمل الفرنسي جوزيف بيدي، اعتمد في روايتها على المصادر الفرنسية وأقرّها المجمع الفرنسي. وحولها الموسيقار فاغنر إلى مقطوعة موسيقية. أُخرجت الحكاية أيضا في أعمال سينمائية.

غوتفريد ورومانس تريستان 

لم يعرف شيء عن الشاعر غوتفريد الستراسبورغيّ، فما من أثر ولا دليل ولا وثيقة تاريخية عن وجوده6، وما من شيء معلوم عنه سوى القصيدة التي خلّفها ناقصة. يرجع تاريخ عمله إلى نحو سنة 1210 (أو ما بعد 1212 بحسب آخرين)، وهو التاريخ المقدّر لوفاته. لكن قراءة رومانس غوتفريد قراءة متفحّصة تكشف عن شاعرٍ متعلّم تعليما كبيرا في الدين والقانون والبلاغة ومتقنا للغاتٍ كالفرنسيّة واللاتينيّة وواسع الاطلاع. يكتب هاتو بـأنَّ الشعراء اللاحقين وجامعي الشعر أطلقوا على غوتفريد لقب “meister” مما يدلّ على مسيرة طويلة من الدراسة والتعليم الديني الكنسيّ. غير أننا لسنا على يقين من ذلك، وتصوّر لنا مقروئيّة الرومانس الشاعر عضوا في مجتمع ستراسبورغ الحضريّ، ضمن طبقة رجالٍ كانت ثرواتهم في ازدياد منذ بواكير القرن الثالث عشر، ولهم حظ من المقدرات الشخصيّة مكّنتهم بعد حين في المشاركة الأدبيّة. يذهب هاتو إلى أقصى ثناء على غوتفريد فيصفه بأعظم الكتّاب الألمان البارعين في العصور الوسطى، إنْ لم يكن الأبرع، على مرّ العصور. ويضع عمله ضمن أفضل أربعة أعمال جرمانية في الشعر القصصي بجوار نشيد النبيلونغ، وعملي الشاعر وولفرام بارسيفال وويلهلم7. جدير بالذكر أنّ هاتو ترجم نشيد النبيلونغ وبارسيفال فضلا عن تريستان، مما يجعل رأيه هذا متأثرًا بتقديره لمجهوده الكبير في عمله على هذه الكتب ونقلها إلى الإنجليزيّة. كتب هاتو في تقديمه لقصيدة بارسيفال أن وولفرام الشاعر الإنشاديّ برفقة صاحبيه (غوتفريد وهارتمان الأويّ) هم حملة الإزهار النيّر للشعر الدنيويّ الألماني في النصف الأول من حقبة هوهينستاوفن حين شرع الشعر الألماني في الانعتاق من السطوة الدينيّة8. اشتهر رومانس تريستان وعثر له على إحدى عشرة مخطوطة كاملة، وعلى مقتطفات في خمس عشرة أخرى، ويشير رودغر كروهن في دراسته إلى أنه عُثرَ على عدد كبير من أقدم مخطوطات الرومانس في ألساس Alsace (شمالي شرق فرنسا) أو ستراسبورغ مما يدلّ على أن الرومانس كان متداولا بكثرة في ما وراء جنوبيّ غرب ألمانيا.

جاءت القصيدة في نحو عشرين ألف بيت، بنظام شعريّ في كلّ بيت أربع أصوات منبورة وعدد غير محدد من الأصوات غير المنبورة، وبقافية ثنائية (Paarreim) بترتيب أ أ – ب ب – ج ج، وبعضها بقافية رباعيّة (Viererreim) كما في المقدّمة وأربعة وعشرين موضعا آخر في القصيدة بنظام أ أ أ أ – ب ب ب ب – ج ج ج ج، أو أ ب أ ب، أو أ ب ب أ. غير أن الغالب عليها هي القافية الثنائية9. عمد شعراء إلى إكمال عمل غوتفريد كما فعل الشاعر أولريش Ulrich فأكملها بـ 3731 بيتا، وأكملها هينرش الفريبرغيّ Heinrich von Freiberg بـ 6890 بيتا10، لكن بقيت نسخة توماس هي المتسيّدة والملحقة بعمل غوتفريد.

ذاع صيت الرومانس في زمنه وما تلا من عصور لأسباب متعددة منها ما هو متعلّق بأسلوب شاعرها وبراعته اللغويّة، ومنها ما متعلّق بمعالجته لموضوع حب تريستان وإزولد، ومنها ما متعلّق بأخلاقيات الرومانس ومنظوره إلى العلاقة بين هذين العاشقين. يرى هاتو أنّها تقع في منطقة وسطى بين فن الرومانس وفن الرواية، وأن موضوعها الحكائي البائد، وفي مواضع خرافيّتها الصريحة، تدّفقت فيه واقعيّة غوتفريد السيكولوجيّة، ويشعر المرء في امتدادات القصة أنّه يقرأ رواية ثم تُفرض من جديد الحكاية القديمة. ويفصّل رودغر كروهن في قيمة رومانس تريستان وأثره فيكتب “ما من عملٍ أبعد غورا من تريستان في تأصيل الصراع ما بين القيم والنوازع، لأنها جعلت من القوّة التدميرية للجنسانيّة السببَ في مأساة تريستان وإزولد، وقد رأى بعض الباحثين القصيدة في غير مناسبة أنها تنتمي إلى روح العصور الحديثة أكثر من العصور الوسطى”. انقسم تلقّي الرومانس في القرنين التاسع عشر والعشرين “ما بين الإعجاب الشديد ببراعة غوتفريد الفنيّة والارتقاء الجماليّ في تصويره من جهة، وبين الرفض الساخط للانحلال الأخلاقي من جهة أخرى”. وتمثّل الانحلال في الرومانس في “إنكار منظومة القيم الأخلاقية الجامعة في أدب عصره، وفي تليين قيم الفروسية التقليدية بالاستخدام المبهم لمفاهيم مركزية مثل الشرف والولاء والنبل، مما حدا بالعمل أن ينفصل بجلاء عن ثقافة عصره الأدبية والمتحصّلة من نُظُم العالم الآرثريّ المثاليّ”. لكن تميّز تريستان لا يقف عند الأخلاقيات المقوِّضة بل في أسماه رودغر “توظيف القوّة توظيفا عمليًّا وإحلال الحساب والتدبير محل العنف، فالصراع العسكري يخدم أغراضا سياسيّة، والعداوات تنشأ من مصالح اقتصادية أو سياسيّة، والبطولة تتجه نحو غايات عقلانية، في حين تُحسم المعارك بالحكمة والدهاء. بهذا يُضفى على العالم المثالي للشعر الآرثري، الذي كان يحظى بشعبية كبيرة عند جمهوره المعاصر، طابعٌ واقعيٌّ لم يعرفه من قبل”11. ما قام به غوتفريد في عمله هو أن ترك شخصياته تتصرّف بإنسانيّة بعيدة عن المثاليّة الأخلاقيّة لأدب عصره، ولأن حكاية تريستان وإزولد في الأصل عن رجلٍ أحبَّ زوجة خاله، فإنَّ موضوعها أتاح لغوتفريد أن يتحرّر من القيود الأخلاقيّة والمُثُل الاجتماعيّة في أدب البلاط. لم يرغب غوتفريد في مستمعين لعمله من أي طبقة كانوا، ولا حتى أفراد طبقة البلاط بعامة، بل من أسماهم في افتتاح عمله بذوي القلوب النبيلة. وصفة هؤلاء أنّهم ليسوا مثاليين بل بشرٌ يعرفون أنّ في الحب مسرات ومأساة، وسعادة وحزن، واجتماع وافتراق، أي إنّهم يرون القصة بأعينهم البشريّة الواقعيّة لا أعين الأَمْثَلة الأدبيّة والأَسْطَرة الحكائيّة. ولا يريدون كغيرهم، الذين يرون أحوال الحب بعين واحدة وعلى صورة واحدة، حكاية خرافيّة لا تليق بسموّهم العقلي والمعرفيّ. في انتقاء المتلقي إدراك غوتفريد أنّ ما يقدّمه لن يسع أيّ مستمعٍ فَهمه أو تقديره على النحو المأمول. لكن ما قد يؤخذ، أو أُخذَ عليه، أنّ متلقّي عمله يفهم أنه في صف هذين العاشقين اللذين انتهكا المحظور ومضيا قُدمًا في الارتشاف من النبع المحرّم. غير أنّ الحبَّ الذي فُرضَ عليهما بقوّة الشراب العجيب، يترك له فسحة من العُذر في ردّ شيءٍ من هذه التهمة عنه لكن لا يردّها كلّها، وإنْ قال إنَّ الموتَ مآل العاشقين في آخر المطاف. مما ميّز عمل غوتفريد هو سلوك شخصياته وتصويره النفسيّ بإتاحة المجال لتعبّر عن مكنونات نفسها بصوتٍ مسموع، وفي نزعته الإنسانيّة في العمل البعيدة عن المبالغة والصوابيّة المطلقة. إنَّ شخصيات غوتفريد ملموسة البشريّة في مواضع كثيرة، وإنْ اتّسمت بسمات الأدب البطوليّ والخرافيّ، ولها بُعدها الباطنيّ الجليّ لا سيما في المناجاة الداخليّة والصراع النفسيّ والحيرة بين ما يجب فعله وما لا يجب. فلو أخذنا شخصيات من أعمال أُبدعت في عصره مثل شخصيات نشيد النبيلونغ ونشيد غدرون فإنَّ هذه الشخصيات واضحة الأسطوريّة في عالمها بقيم الفروسيّة المثاليّة فهي تنأى في غالب سلوكها عن السمة البشريّة القاصرة وتنتمي إلى عصر بطوليّ. ومُبدعها في الحين نفسه لا يسعى إلى كسر المألوف أو تجاوز المحظور أو إبداع رؤية تميّزه. لكن إذا ما وسّعنا زاوية الرؤية لأدب عصره، ويممنا شطرَ معاصره الشاعر وولفرام الإشنباخيّ وملحمته ويلهلم فإنَّ رؤية إنسانيّة تطغى على ما بعد معركة سهل أليشانس الثانية بين الفرنجة والسراسنة المسلمين، إذ يقول عن حال البطل ويلهلم في أثناء المعركة “أخذت في قرارة نفسه الشفقة حتى بأولئك الذين نقصهم الإيمان الحقّ كاليهود والنصارى ومن سواهم”12، ثم أكد الشاعر هذه الرؤية بعد أن تضع المعركة أوزارها فيقول “أما أولئك الذين لم يتعمَّدوا قطُّ أكان من الخطيئة ذبحهم كالنعاج؟ إني أراها من الكبائر، فهُم من صنيع الإله، وكلُّ أصحاب الألسن الاثنين والسبعين من خلقه هو”13. لا يظهر الوثنيّون أعداء وحشيين يجب قتلهم، أو لا تأخذ النصرانيّ الرحمة بهم، بل إنَّ الحرب الدينية بين النصارى والسراسنة أشبه ما تكون بحربٍ آثمة، ورؤية الشاعر في أن الاختلاف في العقائد ليس مدعاة للاقتتال والتناحر، وما كان لهذه الرؤية أن تبرز لولا رابطة الحبُّ التي جمعت ويلهلم وزوجته جيبورك من طرف ورابطة العائلة التي جمعتهما بأهلها الوثنييّن. لا يسع الفصل بين رؤية غوتفريد ذات النزعة الإنسانيّة في العلاقة المحرّمة لتريستان وإزولد وبين رؤية وولفرام غير الحازمة في اتّخاذ موقف حاسم في صوابيّة الصراع الدينيّ بين الفرنجة والسراسنة، بل هو صراع أقرب إلى الخطيئة. نحا الشاعران إلى الخروج بأدبهما في هذين القصيدتين من المثاليّة الأدبيّة والقيم التقليديّة والشخصيات ذات السمت الخرافيّ إلى عالم يشبه ما يعرفه المتلّقي بل هو نفسه الذي يعيش فيه. لا يعني ذلك تجرّد عمليهما من السمات الأدبيّة المثاليّة والأسطوريّة لكنها، كما عند غوتفريد، متخففة من صرامتها والتزاماتها الثقيلة، وحتى في انحلالها أو فسادها الأخلاقي فإنَّها مقصورة على تريستان وإزولد ولا تشمل بقيّة الشخصيات. إنَّ معاناة هذين العاشقين وشقائهما أنّهما لا يستطيعان فكاكا من عالمهما الملتزم بأخلاقيات وتقاليد وأعراف، بل يجاهد ناسه في المحافظة عليها والدفاع عنها ومعاقبة من ينتهكها. فهل كان غوتفريد داعية خطيئة؟ كان شاعرا أبصرَ جوهر حالين هذين العاشقين ثم كتبَ بلسان الحقيقة لا بلسان الخرافة، وكتب لا ليرتقي بالخطيئة بل ليجسّدها في بشريّة سلوك مقترفيها. وما بين الامتناع عن الانغماس في تصوير اللذة في الخطيئة وتصويرها تكمن ركيزة من ركائز رومانس تريستان الموضوعية، إذ جاء التصوير ببراعة ممزوجة بموضوع الحبّ وتقلّباته ما بين ساعة لقاء ولذة وساعة وداع وغُصّة.

الحب الأبدي 

في درب الإياب إلى مملكة خاله مارك في كورنوول، وقد رجع تريستان فائزا بإزولد أميرة أيرلندا، يُسقى من غير قصد برفقة إزولد من قارورة شراب الحبّ المسحور. أعطت الملكةُ إزولد لوصيفة ابنتها وقريبتها برانغان قارورة الشراب، وكانت الأم إزولد ماهرة في العلاج بالأعشاب والفنون السريّة، وأوصتها أن تسقي العروسين منها دون أن يعلما حتى يدبّ الحبّ بينهما والوئام. حبّ يوحّدهما فتكون حياتهما واحدة ومماتهما واحدا، سعادتهما واحدة وحزنهما واحد، لا يفرّق بينهما في شيء ويبقيان مرتبطين معا دهر الداهرين. شرب تريستان وإزولد من شراب الحبّ فلُعنت حياتهما بالسعادة غير المكتملة واللذة الأثيمة والالتقاء في خفية عن أعين الناس. ومنذ أول رشفة أوقدت نار الحب في صدرٍ كلّ واحدٍ تجاه صاحبه ليبدأ صراع الولاء والشرف من طرف والحب من طرف آخر، فإن كان الولاء والشرف يثقلان كفّتهما فإنّ الحبُّ يطيش بهما ثقلًا. ما اصطبر العاشقان حتى ألقيا بحبال الوصل والشفاه، والتقت الأجساد، وافتضّت بكارة العروس على يد الفارس الأمين المبعوث ليخطب على خاله حسناء أيرلندا، امرأة لم تشرق الشمس على أخرى أجمل منها. رجع الاثنان إلى كورنوول ملوَّثين بالخطيئة فجرَّت الخطيئة الأولى خطيئة أخرى، فأقنع الاثنان الوصيفة برانغان أن تبيت في فراش الزوجيّة محلّ إزولد حتى لا يُفتضح أمر بكارتها المفتضَّة، فخدع مارك في ظلام الغرفة بعد أن تسللت برانغان إلى الفراش دون أن يحسَّ. ألقت هاتان الخطيئتان بظليهما على إزولد فخشيت أن تفضح برانغان أمرهما، فأمرت رجلين من أتباعها أن يقتلاها في الغابة بحيلة دبّرتها، لكنهما يحجمان عن فعلها، وكانت تريد أن تمكر بهما أيضا، غير أنّهما يعيدان إليها برانغان، وتستسمحها عن فعلتها فترضى الأخيرة. تتوقف سلسلة الخطايا عند هذا لكن تبقى الخطيئة الأولى بمعونة برانغان، قهرمانة العلاقة الأثيمة وقوّادتها. كرع تريستان وإزولد من نبع الغرام واللذة نَهْلًا فعَللًا وما خشيا ربًّا ولا احنرجما عن الإيغال في خيانة مارك، خال الأول وملكه وزوج الثانية وسيدها. كان الحبُّ أقوى من كلّ قيد ودين وعُرف، اجتاز الحبُّ كلّ حاجز، لكنه ليس حبًّا عفيفًا طاهرًا يقف على حدود المحرّم والمحظور بل حبٌّ متهتك يجرفُ سيله كلّ عارض. خُدع في خضمِّ لهو العاشقيْن مارك مرة تلو أخرى، بل كان أُضحوكتهما. أخذت الشكوك تُثار شيئًا فشيئا حتى افتضح أمرهما على يد ماريودوك، رفيق تريستان، وكان هذا محبا لإزولد. وفشت الشائعة عن هذه العلاقة الشائنة، وسعى مارك للتثبّت منها لكنه لم يستيقن ولم يقطع شكّه بيقين. لاعبت إزولد زوجها بكل حيلة ودهاء، وما بين جذب وشد استطاعت أن تنجو كلّ مرة، غير أن بذرة الشك التي بُذرت في نفس مارك لم تُستأصل، وبقيت تنمو على غير هدًى ولا قوّة. قادت سلسلة حلقات الافتضاح والهروب الآمن في آخر الأمر تريستان إلى الفرار من مملكة خاله، وجعل يسلو عن محبوبته إزولد بالحرب والمغامرة حتى حطّ رحاله في دوقية آرونديل وآخى الفارسَ كايدن ابن الدوق الحاكم.

في إحدى مغامرات تريستان الباسلة قبل فراره فاز من الدوق جيلان بجائزة طلبها منه هي الكلب بتيتكريو ومعلّق في عنقه جرس السلوان، إذا ما رنَّ سلا تريستان عن أحزانه وهمومه وحبّ إزولد. حين أدرك تريستان مقدرة هذا الجرس العجيبة لم يخطر في ذهنه شيء سوى أن يهدي إزولد الجرس ليخفف عنها آلامها واشتياقها إليه. فكان له ما أراد غير أن إزولد بعد حين كسّرت الجرس غير راغبة في أن تسلو عنه. تكشف هذه الفعلة عن جوهر الحب بين العاشقين، وأنَّهما يقومان به عن إدراك، لا سيما إزولد. لا تريد أن تسلو ولا أن تتوقف عن خيانة زوجها وارتكاب الزنا مع تريستان. غير أنّ نيران هذا الحبّ الملتظي لا يهدأ أوارها دون أن يلتقي الاثنان على سرير اللذة. كان المقابل أن تسمّمت حياة الاثنين، وإن عاش كلٌّ في سبيل صاحبه. وكما يصف غوتفريد تريستان “أنقذ حياته في سبيل هذه المرأة، وسُممت حياته على يد هذه المرأة”. إنّ تسمم الحياة ليس في البعد والحب المحظور بل وفي نقص الارتواء. امتزج حبُّ تريستان وإزولد بالرغبة، وفي هذا كان انتهاك المحظور، والخروج على أعراف الحبّ الفاضل في أدب البلاط. إنَّ خطيئة اللذة يتناصفها العاشقان والشاعر، فكلٌّ منهما انتهك بالحبّ عُرفًا واقترف محظورا، سوى أن خطيئة غوتفريد مجازيّة على النقيض من ذينك العاشقين. كان تريستان أكثر إدراكا لخطيئته من إزولد لكنه أقل منها تأثمًا، فأخرجه إدراكه بمآل جريرته إلى الهروب إنقاذا لرأسه من الهلاك. وما بدت علاقته بخاله الذي أحسن إليه وناصفه ملكه، وسبق أن أعلن عن تبتّله، قبل أن يتزوّج إزولد، غير راغب في وريثٍ سوى ابن أخته تريستان، أقول ما بدت هذه العلاقة ذات أثر في نفسه أو تقرّعه بذنبه أو تصدّه عما يقترفه مرة تلو أخرى. رغب تريستان في السلوان لكنّه فشل في تحقيق ذلك، وكان أن بلغ به الوجد مبلغا حتى إنّه طلب من عملاق غلبه في صراع أن يصنع له تمثالين على صورة إزولد ووصيفتها برانغان، وجعلهما في قاعة يزورها إذا ما اشتدَّ به الشوق. كان تريستان يطيل النظر إلى التمثالين ويخاطبهما، ولعلّه يُشبع رغبته إلى إزولد من تمثالها. رضي تريستان بصورة جامدة من محبوبته ينفخ فيها الروح من خيالاته ورغباته وذكرياته، لكن حبّ إزولد والرغبة فيها أقوى من تمثال صامت. رجع إليها غير مرّة قادما من دوقية آرونديل يلتقيها خفية وفي السر ويرتوي منها ويفرُّ من جديد.

كان سبيله في مسعى السلوان بعد الحرب والمغامرة وقاعة التمثالين أن يفكر في زواج إزولد بيضاء اليدين، أخت رفيقه كايدن. امتاز تريستان بمزايا عدة من بينها قدرته الفائقة على العزف والغناء، فكان يغنّي في قصر الدوق بأغانٍ تنتهي بلازمة واحدة:

“إزولد يا مولاتي

إزولد يا محبوبتي

فيك حياتي

وفيك مماتي”

اتّفق له حظّه أنّ ابنة الدوق اسمها إزولد، فحسبَ القوم أنّه يحبّها ويغني باسمها. غير أنّ تريستان كان يصيب هدفين بحجرٍ واحد، فهو من طرف يستذكر محبوبته إزولد الحسناء وشوقه إليها وحزنه على فراقها، ويبثُّ حبّه فيما يغنيه على أسماع القوم ويعزفه، ومن آخر يتقرّب إلى إزولد يخدعها بأنه يميل إليها. ما صمدت إزولد طويلا، لا سيما بعد توصية أخيها بأن تلين جانبها إليه، ولم يكن ينقصها هي الأخرى شيئا. أحبَّت إزولد تريستان حبًّا صادقا ملكَ عليها جوانحها، أما تريستان فكان يموّه بالحبّ ثم يحرنجم، ويسائل نفسه أيتزوجها ويخون إزولد الحسناء، وأخذ الصراع أشواطا وأطوارا. ثم نراه يهتدي أن يعيش معاناة محبوبته إذ هي متزوّجة وتحبّه فليتزوّج ويحبها ويصيبه ما يصيبها، ويرى كيف حياتها المقيّدة بالواجب الدينيّ والمجتمعيّ والزوجيّ. لم يُتّخذ قرار الزواج على هونٍ بل وهنًا على وهن، وكان حديث نفس حامي وطيس.

في أثنائه ينقطع رومانس غوتفريد وتكمله قصيدة توماس.

ثم يحسم أمره لا سيما أنّه ما عاد يسعه النكوص وقد شهد عليه القصر وأهله بحبه إزولد بيضاء اليدين. علّم هذا الزواج معاناة الزوجة تعيسة الحظ، فكما لم يفتضَّ مارك بكارة إزولد وخُدع ببرانغان تحجج تريستان من ألمٍ أصابه ولا يسعه الليلة الاقتراب من عروسه، وأنه يريد أن يؤجله إلى ليلة أخرى، فقبلت إزولد ذلك رغمَ أنفها إذ لا خيار لها. إنّ لامتناع تريستان عن افتضاض عروسه مَلْمَحين، الأول يخصّ تريستان إذ يغلب عليه الحب والعاطفة ولا يقوى أن يقرب من امرأة خلا محبوبته إزولد الحسناء، وهو لا يتعدى باطن تريستان ومشاعره. والآخر يخصّ إزولد بيضاء اليدين وشرف الدوق وقومها، فأن يتزوّجها ولا يقربها فلهي إهانة لا تجوز وإذا ما علم الأهل بذلك فإن عاقبة تريستان وخيمة، وهذا ما كان حين علم أخوها كايدن بفعلة رفيقه. لم يفطن تريستان لمآلات فعلته، وأخذ الأمر من منظور ارتباطه الروحي بإزولد الحسناء، أما زوجته فهي امرأة لا يعنيه أمرها. لم يتأذَّ تريستان لكن إزولد بيضاء اليدين تأذّت، فما حرمها منه لم يكن الحبّ وحده إذ ادّعاه وخدعها لكنه حرمها الجسد أيضا، ولوسعه الخلوص من مأزقه حينئذ. تُعلّمنا القصة التي رواها الشاعران أنَّ الحبّ لا يكتمل إلا بلذة الجسد، وأنَّ الزواج لا يكتمل إلا بالجسد حتى لو لم يكن حبٌ بين الاثنين كحال مارك وإزولد. إذا لم يكن في الحب ولا الزواج التئام جسدي بين الرجل والمرأة فما هو حبٌّ ولا هو زواج. ألقت هذه الحقيقة على إزولد البيضاء (يزولت برواية توماس) بثقلها حتى أضحكتها مأساتها ذات مرّة حين عبرت مخاضا على جوادها فمسَّ رشاش الماء فخذها. لما رأها أخوها حسبها تضحك على تفاهة سمعته يفوه بها، فسألها ًأجابته أنَّ الماء لمس من فخذها ما لم تمسّه يد رجل. استشاط كايدن (كايردن) وقصد تريستان (تريستران) يتوعّده بدفع ثمنٍ غالٍ إنْ لم يعلمه السبب، فكاشفه بالحقيقة وأنه يحب إزولد الحسناء (يزولت) وأنّ لها من الحسن حتى وصيفتها برانغان (برينغفن) أجمل من أخته. طلب منه كايدن برهان صدق على كلامه فسافرا معا إلى كورنوول. في جملة هذا الحدث وصدق تريستان ضاعت إزولد بيضاء اليدين غير أنّ انتقامها كان شديدا ما جبنت عن فعله ساعة واتتها الفرصة، مع أنّها لم تفعل شيئا سوى قولة قالتها لتريستان.

خدعة الأسماء 

لتشابه الأسماء في القصة أثره في حبكتها وأحداثها ومصائر شخصياتها. مرَّ بنا كيف تلاعب تريستان بأسماع القوم حين وارى باسم إزولد حقيقة حبّه. حملت ثلاث شخصيات اسم إزولد، إزولد الحسناء، وهي سميّة أمّها إزولد العارفة بأسرار الأعشاب والفنون السريّة، وإزولد ابنة الدوق يوفلين. أما تريستان فأول ما كان حين ارتحلَ إلى مملكة إيرلندا بعد أن قتلَ مورولد، خال إزولد الحسناء، في نزال بعد أن جاء مملكتي كورنوول وإنجلترا يريد الجزية التي اعتادوا دفعها إلى ملك إيرلندا غورمون الفريد. أصيب تريستان في النزال بسلاح مورولد المسموم وما كان له من دواء إلا عند إزولد أخت مورولد، فتنكّر وقصد على مركب إيرلندا، ولمّا كان عازفا ماهرا استطاع أن يجذب أهل إيرلندا إليه، وأخذوه إلى إزولد الملكة لتداويه. في مشفى الملكة ادّعى أنّ اسمه تانتريس، قلب لشطري اسم تريستان. انطلت الخدعة أول مرة على الأم وابنتها، وعمّى تريستان عليهما حقيقته، فعالجت الأم بأعشابها ويديها قاتل أخيها. غير أن هذه الخدعة لم تنطلِ بالتمام في المرة الثانية  على إزولد الحسناء حين أقبل تريستان لخطبتها على خاله مارك. كان في المملكة تنين وعد الملك غورمون لمن يقتله أن يزوّجه ابنته، فقاتله تريستان وقتله واقتلع لسانه. كان في حاشية الملك تابع رغب في زواج إزولد وعجز عن قتل التنين. ادّعى التابع أنه من قتل التنين، لكن الملكة وابنتها شكّتا في أمره فرأت الأم في المنام حقيقة ما كان، وقصدت المكان للقاء المحارب الذي قتل التنين. سُحر تريستان بلسان التنين الذي أخذه ومما استنشقه من أبخرة وسموم في المعركة، وبقي غائبا عن الوعي في بحيرة دخلها ليستروح بعد المعركة حتى عثرت عليه المرأتان. شفت الأم تريستان مرة ثانية، وفي أثناء استشفائه عندها أخذت إزولد تفكّر في اسم المريض تانتريس، وتلوك اسمه في فمها، تان – تريس – تريس – تان، حتى فطنت أنه مقلوب اسم تريستان قاتل خالها، واكتشفت خدعته. غير أن هذا التلاعب بالأسماء بلغ ذروته في آخر القصة حين التقى تريستان وكايدن ذات مساء شخصا يُدعى “تريستان القزم”. جاء هذا باحثا عن تريستان الشهير بالحب ليساعده على استرداد محبوبته التي خطفها  إستولت أورغيلوس، ولما طلبَ من تريستان الانتظار حتى الغد وبّخه تريستان القزم قائلا لو كنت عرفتَ الحبَّ حقًا لأسرعت من ساعتك لمعونتي، لا لستَ أنت تريستان العاشق أبدا. استُفزَّ تريستان حينئذ وانطلقَ برفقة تريستان القزم لقتال إستولت أورغيلوس وإخوته الستّة، فتقاتلوا قتالا بئيسا انتهى بمقتل الإخوة وتريستان القزم وإصابة تريستان بجرحٍ مسموم، كان منه هلاكه. يشبه تريستان القزم تريستان لكن على صورة نقيضة، فهو الذي خُطفت منه امرأته لا العكس بالعكس. أفطنَ تريستان أنّه خرج لقتال رجلٍ هو في جوهر فعله لا يفرق شيئا عنه حين استلبَ من خاله إزولد، وأنَّه يُقاتله على جريرة ارتكبها من قبل من دون أن يرتدع أو يتوقّف عند حد. كأنه خرجَ ليقاتل نفسه بقتاله رجلا ارتكب جرما كجرمه بل لعلَّه أشدُّ فداحة. ما فطن تريستان لذلك. فكان أن ألقى بيديه إلى التهلكة جزاء خطيئته الأولى بعد أن قاتل آخر ارتكبها وقتله. وهي إرهاصة لنهايته. أقرَّ بلسان حاله أنَّ من يخطف محبوبة غيره يستحقُّ العقاب، وأصيب بجرح هلاكه في مسعاه لاسترداد محبوبة تريستان القزم. تأخّر عقاب تريستان لكنّه جاء، وبيده لا يد سواه.

كان بإمكان تريستان أن ينجو من الموت مرّة ثالثة، وعلى يد إزولد الابنة هذه المرة، لو أن الحظ حالفه. طلبَ على فراش الموت من رفيقه كايدن أن يقصد إزولد ويطلب منها أن تأتيه لتداويه من السم إذ هي عارفة بالأعشاب مثل أمها، وانطلق كايدن استجابة لطلب رفيقه المشرف على الهلاك. حين حدّث تريستان كايدن بطلبه السفر إلى إزولد والإتيان بها كانت أخته إزولد تنصت إلى حديثه من وراء جدار، وتبيّن لها حقيقة مشاعره تجاهها ورفض أن لمسها. علمت منه أيضا ما اتّفقا عليه إنْ جاء بإزولد معه أن يرفع شراعا أبيض وإلا فليرفع شراعا أسود. أتيح لإزولد بيضاء اليدين حينئذ فرصة الانتقام من تريستان وكما يقول توماس “لا مناص من خشية غضبة المرأة، وعلى كلّ رجلٍ أن يأخذ حذره من غضبتها. فحيث أحبَّت المرأة حبًا جمًّا كان ثأرها لنفسها عاجلا. فكما يجيء حبُهنَّ على خفّةٍ يأتي على خفّةٍ كُرههن، وإذا ما أقبل دام أطولَ من وُدِّهِنَّ. يعرفن كيف يلطفّن من لأواء حبّهن لكنهن عاجزاتٌ عن إسكات كُرههن ما دمنَ غاضباتٍ”. انتقمت إزولد لنفسها من زوجها تريستان، وما فعلت من شيء سوى أن لعبت بلعبته التي اعتادها مع خصومه. جاء كايدن بإزولد الحسناء ورفع الشراع الأبيض، فلما شارفت السفينة على بلوغ شطآن البلاد سألها تريستان عن لون الشراع، فلم تتردد في إجابته أنه أسود اللون. لا يفرق الأبيض والأسود عن إزولد وإزولد (في أغاني تريستان)، كلاهما اسم لشيء واحد، غير أنّ كلّ اسم يعني شيئا (عند متلقيه). فالأول يعني الأمل لتريستان والآخر اليأس، كما كان اسم إزولد يعني الحب لبيضاء اليدين والآخر تلاعب بها. إنّه خداع الأسماء الذي راح تريستان ضحيّته مرَّتين -كما فاز به مرتين تقريبا- مرة حين قاتل في سبيل سميّه خصما على جريرةٍ كجريرته، وأخرى حين لاعبته زوجته بلعبة الخداع بالأسماء. حين يدخل الخليفة الواثق قصر إبليس في رواية الواثق لوليم بيكفورد، ويتكشّف له مآل الطمع الذي قاده إلى الجحيم يقول الرواي “في الحال خسروا هبة السماء الثمينة: الأمل”. ماتَ تريستان حين سمع أن الشراع أسود اللون. مات بفقدانه أمل مجيء محبوبته إزولد.

الحب والواجب 

يتمثّل الصدام بين الحبّ والواجب في شخص إزولد أكثر من باقي الشخصيات، إذ هي زوجة الملك مارك والطرف الآخر في العلاقة مع تريستان. يفرض ذلك عليها واجب الزوجية في الوفاء لزوجها بألا تُدخل سريرها رجلا أجنبيا، وواجب العُرف الاجتماعي بحفظ صيت المملكة التي هي شرفها، وواجب الدين في ألا تقترف خطيئة الزنا، لكنها لم تلتزم بشرط أي واجب من هذه الواجبات الثلاثة. بل على النقيض فإنَّ لها اليد الطولى في إدامة الاتصال والوصال بتريستان وردّ شكوك مارك ومحاولاته الإيقاع بها. لا تقتصر مأساة إزولد على الحب الملعون الذي ابتليت به مع تريستان بل وفي أنها امرأة متزوّجة، في حين تريستان ليس بذي زوج، وأنّها خدعت مارك منذ الليلة الأولى حين أدخلت إلى فراش الزوجية برانغان ليفتضّ بكارتها عوضا عنها. لم تلوّث فراشها بالخطيئة وتلطخّ عفّتها بالزنا المتكرر والغرام المحظور بل لوّثت أيضا فراش زوجها، وأهانت شرف الملك. أبدت إزولد في غير مرةٍ وحَدَثٍ ميلا إلى ارتكاب الشر، فلكي تحمي نفسها لزمها ألا تتوقف عند حد أو حظر، وما أنَّبها ضميرها على فعلتها وإنْ أقرّت عَرَضًا بخطئها وجرمها. لعلَّ ما يؤخذ على انحلال الأخلاق في رومانس غوتفريد هو غياب التأثّم، فإزولد وتريستان وحتى برانغان، وسواهم من شخصيات أُخَر، يرتكبون الخطيئة ولا يردعهم رادع ذاتيّ أو خارجيّ دينيا أو أخلاقيا. وإنْ حدث ذلك كما لدى برانغان في آخر الرومانس فكان بدافع الانتقام لا الاعتراف بالخطأ. ما صدّ إزولد في أحيانٍ هو الخوف من ألا يتحقق مرادها أو أن يصيبها المكروه. إنَّ هذا التغييب المتعمّد لإحساس المرء بالخطأ وضرورة التوقف عن ارتكاب الشر يجعل الرومانس ينحو إلى إشاعة جوٍ من الفحش والفجور، ويبلغ من الفداحة حين يندمج في الدينيّ، كأن يناجي الأثيم ربّه أن ينجيه من شرٍ مُحدقٍ به بسبب جريرته، أو كما احتالت إزولد على القساوسة حين أقسمت أنَّ لم يمسّها رجلٌ سوى زوجها مارك والشيخ الذي حملها من السفينة إلى الشاطئ. كان الشيخ تريستان متنكرا. تكتمل المهزلة الدينية حين لم يحرق يديها قضيب الحديد الملتهب في اختبار العفة والشرف لأنها لم تكذب في قسمها! يضحى ارتكاب الفاحشة فعلا متسقًا والإقرارَ النفسي بأنّ هذا الحب مفروض عليهما بجبريّة لا يستطيعان أن يخلّصا نفسيهما من خطيئته، ولا أن يكبحا جسديهما عن الزنا، وهما في ذات الوقت لا يريان نفسيهما خاليي الإيمان إذ يلتجآن إلى الرب ساعة العسرة. تكتسي الفاحشة على يد تريستان وإزولد بثوب الحقّ، وأنّهما في قرارة نفسيهما لا يرتكبان ما يُوجب عليهما العقاب أو غضب الإله. صحيح أنهما لا ينخرطان في تبرير الخطيئة لكنهما يتعذّران باسم شراب الحب. يُنحّى جانبا الواجب تجاه الزوج والمجتمع والرب، ولا يبقى منه سوى ظلٍ شفيف لا تهاب إزولد دوسه في كلّ مرة تلتقي عشيقها تريستان. غير أن إزولد تُبدي التزاما بواجباتٍ أخرى تبيّن أن نقضها لواجبات أكثر أصالة إنما هو نقض عن إرادة وتعمّد. نتعرّف إلى إزولد المحبّة لخالها مورولد، فحين أن عرفت أن هذا الفارس الذي قتل التنين هو نفسه تريستان قاتل خالها كان أول ما أرادته أن تثأر له. ورفضت رفضا قاطعا أن تُصالحه أو تتزوّجه، ولولا أنَّ أمَّها الملكة كانت قد وعدت التابع الدجّال والملك بأن تأتيهما على مرأى من البلاط ومسمعه بقاتل التنين لما كان لتريستان أن يأخذها إلى خاله. أرغمت الأمُ ابنتها على حفظ شرف الكلمة والمملكة في بيان كذب التابع الدجّال، وما كان لإزولد إلا أن تخضع لمشيئة أمها وترضى على مضض بمصالحة قاتل خالها. التزمت إزولد أيما التزام بواجبها تجاه عائلتها، وما رغبت في أن تهين شرف العائلة بالرضا بقاتل خالها، فهي واعية بقَدْرِ الشرف وواجبها في الحفاظ عليه. بقيت إزولد بعد الصلح كارهة لتريستان قاتل خالها، ولولا رشفة من شراب الحبّ لما أخذت الوقائع مجرى متعرّجا شديد الانحدار. ثم إنَّها بعد أن أحبَّت تريستان حافظت على واجب الحب تجاه حبيبها، وما خانته في مشاعرها طرفة عين، وكلما أتيحت لها الفرصة سلّمت نفسها بحبٍ وطواعية لابن أخت زوجها. دافعت إزولد مرّات لا تُحصى عن حبّها بأنْ ردَّت شكوك زوجها، واحتالت عليه مرّة تلو أخرى مبددة كلّ ظنٍ ومُبعدة كلّ شر محيط بهما. حتى بعد فراقهما وهرب تريستان من المملكة، بل حتى بعد أن طرق سمعها خبر زواج تريستان، لم يتبدّل شعورها نحوه ولا مالت إلى رجلٍ سواه. كان واجب الحب في نفسها أقوى من كلّ رابطة أخلاقية ودينية وتقليدية، وكان واجبها لحبيبها أقوى من واجبها لزوجها. ما فرَّطت فيه ولا تهاونت ولا قبلت أن تُرضي رجلين طواعية، فهي لتريستان وحده. ونرى واجب الصحبة تجاه برانغان ماثلا في علاقتهما طوال عيشهما معا. صحيح أنّ هذه العلاقة مرّت بتقلّبات وخيانات في غير مرةٍ كما عندما أرادت قتلها خشية منها أن تفضحها، وكذلك بعد أن فضحتها برانغان في غضبها على إزولد حين حسبت أنها خدعتها بحب رجلٍ جبان، هو كايدن، إلا أنّهما يتصالحان ويعفوان عن بعضٍ وتعود مياههما إلى مجاريها دائما. كانت برانغان الحامية والمرشدة والصاحبة والمرسول، ولا يمكن لإزولد أن تمضي قدما في علاقتها من دون برانغان، يكفي أنها كانت ستفضح منذ الليلة الأولى لولا تضحية برانغان بشرفها من أجل صاحبتها ومولاتها. التزمت إزولد بواجباتها تجاه كلّ شيءٍ لا يخصُّ مارك أو يرتبط به، كانت امرأة شريفة السمات كريمة الأخلاق من دون مارك، ومعه هي نقيض كلّ ذاك.

عاشت إزولد حياتين انشطرت بينهما، فشطرٌ يحبُّ تريستان وملزوم به، وشطرٌ مطالب بحماية الحب وخداع الزوج. ثم صارت بمرور السنين حياة واحدة على طبقتين، طبقة عامة هي الصورة التي حفظت لإزولد مكانتها ملكة وزوجة “غير خائنة”، وطبقة خاصة يكاد يُجمع أهل البلاط عليها من دون مصارحة علنية أنّها على علاقة بتريستان، وسواء علم زوجها أو لم يعلم فما يغيّر ذلك شيئا في سلوكها ولا حقيقة علاقها. تواطأ الجميع، بما فيهم مارك وإزولد، على أنّ تعيش إزولد عشيقة رجل وتحافظ على مكانتها زوجة ملك، وما كان لذلك أن يتمّ لولا رضا مارك بزوجة خائنة. إزولد امرأة رجلين، واحد فاز بقلبها وجسدها وآخر امتلك سلطانا على جسدها. لا ندري كيف كانت أحاسيس إزولد في ساعة خلوتها بزوجها، لكنها لا تملك المقدرة على الرفض ولا منعه من لمسها. امتلك مارك جسدها بل خسرت لمارك جسدها بحكم الزواج، والرومانس لا يكشف عن أثر هذه الخسارة في نفس إزولد ولا تأثيرها. يبقى سؤال معلّق لمَ لم تحبل إزولد بطفلٍ من مارك أو حتى تريستان؟ ألعيب من أحدهما أو كلاهما أو منها. حتى مارك لا يظهر أنّه يبحث عن وريث أو يطلبه من إزولد. لعلَّ سبب ذلك يكمن حين يُشكُّ في نسب هذا الطفل، ولا ريب سيطرح سؤال ابن من هذا؟ ابن إزولد!

الحب والجسد

استحق مارك عن جدارة لقب “الملك الديّوث” إذ كان شاهدا على خيانة زوجته إزولد المتكررة، لكنه آثر أن يكذّب عينه ويصدّق قولها ليحتفظ بها. أحبَّ مارك إزولد حبًّا أعمى بصيرته وأطاش صوابه، مع أنّها لم تبادله هذا الحبّ الذي أبصره في نظراتها وسلوكها تجاه ابن أخته تريستان.

لو أرجعنا النظر في هذا الحب بدا لنا أنّه مرتبط بجسد إزولد أكثر من حبّها، فلا شكَّ في حبّه لها غير أنّ ولعه بجسدها هو الذي أبقاها عنده. تمتّع بجسدها حتى ما قدر على فراقه إلا لِماما. ومارك أيضًا لم يعرف جسدا سوى جسد إزولد، في الأقل كما يبيّنه الرومانس. غير أنّه ما يثير لغطا وتشويشا حول هذه الصورة أنّه في أول ليلة خُدع بجسد برانغان، ولم يفرّق في الليالي التالية ما بين الجسدين. لعلّ العلة أنّهما متشابهان وما ميّز بينهما فرقًا، لكن ما هو أكثر وجاهة هو جوعه لجسد المرأة فما فرّق بين جسد عروسته وجسد وصيفتها. تتمثل نقيصة مارك الأولى، والأساسية، في أنّه لم يقاتل من أجل إزولد، وإن لم يؤثر عنه الجبن أو الضعف. كان أول ذلك حين أرسل تريستان إلى أيرلندا ليفوز بإزولد من أجله. خسر مارك الرهان منذئذ وصارت إزولد جائزة تريستان لا جائزته ثم علّم شراب الحبّ فوز الأول وخسارة الثاني. جرّت هذه النقيصة أفعالا مشابهة بلغت درجة التخلّي عن إزولد لصالح رجل آخر. أقبل على كورنوول وبلاط مارك فارس عازف ومنشد يُدعى غاندن من أيرلندا، وكان محبًا لإزولد حبًا أخذ عليه مَجمَعه. أحسن مارك استقباله في البلاط من دون أن يفطن لسبب مجيئه، وأخذ يعزف ويُغني على أحسن ما يكون، ووعده مارك بأن يعطيه من الهدية ما يريد جزاء ما أظهره من جودة وبراعة في العزف والغناء. طلبَ غاندن إزولد. رفض مارك طلبه. فتحدّى الضيف غاندن مضيفه في مبارزة على إزولد، ولأنه كان شجاعا بئيسا خشيه مارك وأهل البلاط، وخافوا منازلته فدفع إليه على كره إزولد. كان تريستان في ذلك الحين خارجا في الصيد، وهو فارس كورنوول وبطلها، ومن دونه فليس للمملكة بطلٌ حتى مارك نفسه ليس ببطلها. لا نغفل هنا عن الإشارة إلى أن مارك ومملكته كانت تدفع من الجزية أبناءها إلى ملك أيرلندا يأتي لأخذها المحارب الشديد مورولد، ولولا تريستان لبقوا في ذلة التبعية والمهانة. حين عاد تريستان إلى القصر وسمع بخبر تسليم إزولد انطلق في أثرها وخدع غاندن مستردًّا محبوبته و”زوجة” خاله خداعا بخداع. لم يكتفِ بذلك فأخذ عند العودة يوبّخ مارك على فعلته بأن جعل الملكة مشاعة الحمى وجبنه في الدفاع عنها وطلب منه أن يقوم بواجب حمايتها. أنَّى لإزولد أن تحبّه رجلا، حتى لو كانت مرغمة على الوفاء له، لا يدافع عنها بل يدفع بها إلى رجل آخر خوفا من الموت في سبيلها. خسر مارك معركة الرجولة، خسرها منذ أن جعل تريستان يفوز بها من أجلها، ولم يحظ من إزولد إلا بجسدها. تستمر محاولات تقرّب الرجال في بلاط مارك من إزولد، لا سيما بعد أن فشا خبر علاقتها بتريستان منذ الشهور الأولى حتى سنينا بعد ذلك. كان أول من بذر الشك في صدر مارك هو رفيق تريستان ماريودوك، وكان محبًا للملكة ومن أجلها تقرّب إلى تريستان ولازمه. اكتشف ماريودوك ذات ليلة صدفة علاقة الاثنين حين رآهما في سرير معا، فأخبر الملك على نحوٍ غير مباشر بشائعة عن علاقة شائنة بين الملكة وتريستان. بقي ماريودوك يحوم حول الملكة ويتآمر عليها ليكشف مع الملك والقزم ميلوت خيانتها لكنهم لم يوفّق إلى ذلك. بعد سنوات كان الكونت كاريادو محبًا للملكة وراغبا في وصالها، وحين فضحت برانغان أمر إزولد عند مارك أخبرته أنّها قد تستبدل كاريادو بتريستان عشيقا، وهو محبٌ لها. فما كان جواب مارك إلا أن قال سأترك لك أمر إزولد لمراقبتها ولك اليد العليا عليها، وما يسعني فعله هو إبعاد الكونت عنها. هذا أقصى ما يستطيعه الملك تجاه رجلٍ يتزلّف إلى زوجته ويريد أن يتّخذها عشيقة. كان مهلك كاريادو بعد ذلك في مبارزة على يد كايدن. تكشف هذه الوقائع عن ملك غير حازمٍ، ولا شريف، ولا شجاع في الدفاع عن عرضه، وأنَّ شرفه الذي لطّخته إزولد بالعار قد دنّسه هو الآخر بالسكوت والرضا عن خيانة زوجته والعجز عن دفع الرجال عنها بالسيف. ليست هذه أمارات رجلٍ يغار على عرضه بل على النقيض، إذ تديّث على مهلٍ حتى ما خشي أتباعه حماه وصارت زوجته في مرمى أنظارهم ورغباتهم. إنَّ ما ميّز الدياثة التي اتّصف بها مارك هي الحيرة والتردد والتباطئ في اتّخاذ قرارٍ ينقذ به شرفه المهان على يد زوجة خؤون.

مرَّ مسار الدياثة، المتعلّق بتريستان، بمواقف متعددة ابتدأها حين أعلمه ماريودوك بالشائعة الجائلة في قصره. سعى مارك لتثبّت من هذه الشائعة، وتبيّن له غيرَ مرة في حديثه مع زوجته أنّها تميل إلى تريستان، لكنه كان يرتدّ على أعقابه حين تراوغه إزولد في الحديث وتُرجعه عما استقرّ في نفسه. ما أن يستيقن بالعلاقة حتى يضطرب مرة أخرى، في كرٍّ وفرٍّ تلاعبه إزولد فلا تترك في نفسه شكًا، وهو الآخر لم يكن حازم الرأي في هذا الشأن الذي يمسُّ شرفه أيما مسٍ. بقي مارك متشككا ومترددا لا يقوى على اتّخاذ قرار سوى أن أبعد تريستان من القصر. ثم استعان بالقزم ميلوت الذي اكتشفَ أنَّ إزولد وعشيقها يلتقيان في بستان القصر عند غدير الماء، وكاد أن يوقعا بالعاشقين المتفقين على اللقاء في جنح الظلام، وهما فوق الشجرة ينتظرانهما. جاءت أولا إزولد التي لمحت ظلّهما على الأرض، وتبعها تريستان، فجرى بينهما حوار مُخادعٍ يبيّن أنّهما شريفان وليس بينهما ما يشين، على عكس ما يظنّه الملك ويتهمهما به. اقتنع مارك بصدق قولهما وبدّد شكه. ثم عاوده الشك مرّة أخرى، وحين نام في غرفة واحدة برفقة زوجته وتريستان وبرانغان وميلوت ووصيفة، وكان تريستان في فراش منفصلٍ، نهض الملك مغادرا فراشه تتجاذبه الخواطر عن زوجته وابن أخته. ذهب برفقته القزم ميلوت الذي نثر الطحين على الأرض قبل مغادرته. أراد تريستان النهوض إلى فراش الملكة، فلما أبصرت برانغان الطحين أعلمت تريستان بالحيلة، فوثبَ وثبةً أصابته بجرحٍ نزفَ دمًا على فراش الملكة. حين رجع الملك وأبصرَ الدم في الفراش ثم جرح تريستان أسقط في يديه. وأيّ دليلٍ آخر يحتاج إليه لكنّه بقي مترددا فيما يفعل. يشخّص غوتفريد حاله “خُدع بهذين الأمرين؛ الحقيقة والزيف. شكَّ في الاثنين تباعا، وتفلّت كلاهما من يديه. ما رغب أن يراهما مذنبين، ولا رغب أن يراهما مبرَّأين. كان في هذا علّة أساه النابض الذي تخبَّط فيه”. ثم طلبَ من مستشاريه وخاصّته الرأي والمشورة فيما كان من زوجته وابن أخته، فنصحوه بأن يقيم عليها الاختبار يُشرف عليه القساوسة والرهبان. وجب على إزولد في الاختبار أن تحمل قضيبا ساخنا فإن لم يؤذ يديها فهي الآية على عفّتها وإنْ أحرقَ يدها فهذا الدليل على فجورها. كالعادة استطاعت إزولد بالحيلة والاتفاق مع تريستان في إنقاذ نفسها ونجت من الاختبار، فصدّق مارك بعفّتها وتبدد الشك في نفسه بعد أن رأى عليه آية لا تُنكر من دم تريستان في فراشه. قبل مارك على نفسه أن يكون بهيمة تمتطيها إزولد، لأنه لم يرغب قطّ في التخلّي عنها ولا عن جسدها الذي يحبّه. أمسى أعمى البصيرة مع أن بصره شاهدٌ على خيانتها إياه وفي فراشه. راود الشكُّ نفسَه بعد نجاح إزولد في الاختبار، لا سيما أنّه يرى من الاثنين علاماتٍ للحب وأماراتٍ لا تخطئها عين امرئ ولا عينه. استجمع قواه ورباطة جأشه وجمع العاشقين إليه وصارحهما بحقيقة حبّهما، وطلب منهما أن يغادرا مملكته معا معللا ذلك بالقول “إنَّ حبّكما عظيم ومن ساعتي هذه فلن أعكّر عليكما صفوكما ولن أنغّص عليكما بالشكّ فيكما. ترافقا معا مغادرين بلاطي وبلادي. وإذا ما أسأتما إلى جانبي فأرجو ألا أرى آية عليه ولا أسمع شيئا عنه. لن تدوم رفقتنا نحن الثلاثة بعد اليوم، سأخلّي لكما سبيلكما معا، سأتخلى عن الأمر وحدي سواء أفلحت في عتق نفسي أو لم أفلح”. أجلى مارك بهذه الكلمات خبيئةَ نفسه فصارح العاشقين بعلمه بعشقهما، وطلبَ إليهما كتمان أمر علاقتهما، ونزل لهما عن حقه، وأنّه سيتحمل وحده تبعات فعله. بلغَ مارك درجة من الشجاعة والأَثَرة وأطلقَ يدي إزولد وتريستان. يحسب المرء أنّه قد نجح أخيرا في مكاشفة الخائنين، مع أنها كانت مكاشفة قدّيس أكثر منها لملك أو زوج، لكنّه سينكص على عقبيه. حين خرج العاشقان بعد نفيهما قصدا كهّفا بجبل في الغابة يُدعى كهف العشّاق، وبقي بداخله ينهلان من شراب الحبّ المسكر ويعبّان من لذة الجسد. حتى جاء يوم أن خرجَ مارك إلى الطَرَد في الغابة، وأعلمه أحد مرافقيه بأمر الكهف والاثنين بداخله، ولما أحسّ تريستان وإزولد بافتضاح أمرهما ناما على سرير في الكهف وجعلا بينهما سيفا مسلولا من غمده أمارةً على عفّتهما. حين أبصر مارك الاثنين وتعرّف عليهما ظنَّ بهما خيرًا وأنّهما ليس كما يحسبهما من أمر الخيانة. انتتكس مجددا فعفا عنهما. عرف العاشقان سلفا عريكة مارك المهزوزة، واضطرابه، وعجزه عن ترك إزولد وإنْ صرّح لهما بذلك قبلها. أيقن مارك أن تريستان يشاركه زوجته لكنه كان مستعدا تمام الاستعداد للصفح عنهما إذا ما ظهرت له أيّ آية تنافي ما هو متيقّن منه. وهذا ما كان حين رآهما آخر مرة معا في سرير في البستان، ثم خرج ليأتي بوزرائه ويشهدهم على جريمة الاثنين، ولما أدرك تريستان فضيحتهما فرَّ من كورنوول. حين عاد مارك بوزرائه كانت إزولد وحيدة في سريرها، والحزن بادٍ عليها لمفارقتها تريستان، فما كان من أمر مارك إلا أن ضمَّها إليه. انتكاسة بعد أخرى، وإرادة واهنة، ورجل لا عزم له قد باع شرفه من أجل الاحتفاظ بإزولد التي أحبّها وما استطاع مفارقتها. يرى بأم عينه خيانتها ثم يطلب شاهدا ليشهد على الخيانة لكنه لا يستطيع مفارقتها ولا عقابها، ويأخذ بأدنى كلمة أو ظن يناقضان ما رأى ليعفو عن زوجة لا توقّره ولا تستأمن على فراشه. دام العاشقان على عشقهما حتى وفاتهما، وبقي مارك على دياثته التي استقرّت في نفسه ملازما إزولد الخائنة. كان عقاب مارك أن غاب عن آخر القصة التي اقتصرت على حبّ تريستان وإزولد، وانتهت بوفاتهما حبيبا إثر حبيبه. أين مارك؟ مغيّب لا يحويه هامش، إذ رضي بالدون، فكان أنْ تركته إزولد وسافرت لشفاء تريستان، لكن المنيّة وافته قبل وصولها، فتخلّت عن مارك تماما هذه المرة ولحقت ميتة بتريستان. أعمت الرغبة عيني مارك، فعُمي عنه في الختام.

على النقيض من مارك كانت إزولد بيضاء اليدين، فتوقيرها لذاتها ما سمح لها أن ترضى بأن تُجرح كرامتها وتُهان على يد زوج لا يقربها متذرّعا بشتى الذرائع. جهلت إزولد حال تريستان وأسبابه، وسكتت عن رفضه مسّها حتى أخذَ منها ذلك مأخذًا أثار شجنها على حالها. اعتمل السخط في نفسها على تمنّع تريستان وتركه جسدها في رغبة لا يُروى عطشها ولا يُخمد أوارها. لكنها بلا حول ولا قوة، وليس لها اليد في العلاقة الجسدية، وما بيدها حيلة سوى أن تنتظر مبادرة تريستان. لعلّ بوسعنا تصوّر ما بإزولد بيضاء اليدين من أسى وسخط حين ضحكت بعد أن مسّ الماء فخذها، ورأت في الماء جرأةً وتوددًا كان تريستان أولى بهما وأجدر. غير أنّها لم تمكث في الجهل بأسبابه طويلا، فعلمت بعد أن أصيب بجرحه المسموم بأنَّه يحبُّ سواها. طعنة في جسدها قبل حبّها، فما رفض تريستان جسدها إلا لأنه محب لأخرى ومربوط بجسدها. ما توانت في أمرها مثل مارك، ولا التمست لزوجها الأعذار، ولا تجاذبها الرأي ونقيضه، ولا جعلت حبّها أكرم عليها من كرامتها. علمت أنّ وصول إزولد عشيقة زوجها سيعني شفاءه، وأنّها حتى لو حصلت على جسد زوجها فستشاركه أخرى به، لذا انتقمت لكرامتها وثأرت لجرح جسدها المتروك. أقدمت في أول فرصة سانحة على ما عجز عنه مارك مرارا وتكرارا على مرّ السنين. وإذا ما نظرنا إلى الرباعي وتشابك العلاقات بينهما، ألفينا إزولد بيضاء اليدين أقلهم حظًّا ومغانمَ من الحب والجسد، لكنها أكرمهم شرفا وأنصعهم صيتا وأحسنهم موقفا، وما رضيت قطّ أن تلوّث شرفها ولا أن تدنّس جسدها في علاقة شائنة. خرجت بأخف الضرر في آخر المطاف من لو أنها صارت كمارك، ومسَّ انتقامها الجميع. كان مهلك تريستان بكلمة كذبته بها، وترتّب على وفاته موت إزولد، وبقاء مارك من دون زوجته التي كان شرفه أهون عليه من جسدها.

هوامش:

1- Gottfried von Strassburg and the Tristan Myth Rüdiger Krohn, German literature of the high middle ages, p. 55-74

2- الرومانس فن أدبي قصصي شعري ونثري ذاع في أوروبا القرون الوسطى، وهو من أدب البلاط حيث الحبّ الفاضل ومسعاه والأخلاق والشهامة وحياة الفرسان، ومن أشهره رومانس فرنسا وحكايات الملك شارلمان والفارس رولان، ورومانس روما وحكايات الإسكندر الأكبر، ورومانس بريطانيا وحكايات الملك آرثر وفرسانه.

3- Tristan – Gottfried von Strassburg, with the surviving fragments of the Tristran of Thomas, Translated by A. T. Hatto.

4- المصدر السابق.

5- German literature of the high middle ages, p. 55-74

6- المرجع السابق.

7- Tristan – Gottfried von Strassburg.

8- Parzival – Wolfram von Eschenbach, Translated by A. T. Hatto.

9- https://qottfried.unistra.fr/tristan/deutsche-fassungen/gottfried-von-strasburg/

10- German literature of the high middle ages, p. 55-74

11- المرجع السابق.

12- Willehalm, Book 4

13- Willehalm, Book 9

الكتاب:

– Tristan – Gottfried von Strassburg, with the surviving fragments of the Tristran of Thomas, Translated by A. T. Hatto.

مراجع:

– Gottfried von Strassburg and the Tristan Myth Rüdiger Krohn, German literature of the high middle ages.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى