التراث العالمي

ملحمة فيلهلم Willehalm – فولفرام الإشنباخيّ

فيلهلم واحدة من الملاحم القروسطية الجرمانيّة عن الصراع بين المسلمين والنصارى بعد فتح الأندلس، وتقدّم الجيوش الإسلاميّة إلى قلب أوروبا، على غرار نشيد رولان الفرنسي عن معركة باب الشزري 778م. أنشدت هذه الملحمة الشعرية وقائع معركة متخيّلة بين السراسنة الوثنيين (المسلمين) والجيش الفرنجيّ النصراني في سهل أليشانس قرب بلدة أورانج في جنوبي فرنسا، بعد أن فرّت زوجة الملك العربيّ تيبالت الملكة عَرَبيل برفقة الفارس الفرنجيّ فيلهلم. انقسمت الملحمة ثلاثة أقسام رئيسة معركة سهل أليشانس الأولى التي تشهد انتصار السراسنة ثم حصار قلعة أورانج، وسعي فيلهلم إلى ملك الفرنجة لويس التقي يستصرخه ويسأله المعونة، ثم معركة سهل أليشانس الثانية وانتصار الفرنجة، وتنقطع الملحمة دون أن يكملها الشاعر. كان فولفرام واحدا من الشعراء الجرمان المبرَّزين ولد نحو عام 1170م وتوفي بعد سنة 1220 (يرجحه بعض الدارسين أن سنة وفاته 1226)، ونُسب إلى بلدة إشنباخ Eschenbach في شمالي بافاريا، ونسبته مصادر أقل موثوقية إلى بلدة بلينفيلد Pleinfeld. عاش فولفرام فارسا وشاعرا في حقبة هوهينستافون (1079-1318) تابعا لبلاط هيرمان حاكم ثورنغيا، وسط ألمانيا اليوم، الذي اشتهر برعاية الأدب والشعراء في القرن الثالث عشر، غير أنَّ الوثيق والمؤكد من حياة فولفرام قليل جدا بل يكاد يُعدم وهو متناثر مأخوذ من آثاره الأدبية ومصادر غير مباشرة، منها أنه كان كاثوليكيًّا متديّنا ويكشف شعره عن معرفة جغرافيّة ولغوية وفلكيّة. غير أن ما أعلى ذكر الشاعر، وجعله مقدّما على أقرانه من الشعر، في عصره وما تلاه من قرون، عملاه الكبيران ملحمة فيلهلم (لها 76 مخطوطة) وقصيدته الطويلة بارسيفال (لها 87 مخطوطة وجُذاذات)، مما يشير إلى شهرته وشعره. صار فولفرام شخصية أدبية في عمل Wartburgkrieg وهو عن منافسة أدبية متخيّلة لشعراء مُنشدين في بلاط هيرمان الثورنغيّ، وصنّفته مؤسسة الشعراء الإنشاديّين الألمانيّة Meistersinger في القرنين الخامس عشر والسادس عشر واحدا من الآباء المؤسسين للشعر الإنشاديّ. يُرجح أن وفاة الشاعر كانت على حين غرّة وهو ما يفسّره الانقطاع المفاجئ في ملحمة فيلهلم، ويُقدّر دارسون أنّه أكمل منها نحو 85%. يُقال أيضًا إن فولفرام كان عاجزا عن إكمال القصيدة إذ انحرف كثير عن المصادر التي اعتمد عليها، وصعب عليها الخلوص إلى نهاية منطقيّة. ولعلّ ما ذكره الشاعر نفسه في القصيدة يُشير إلى هذا العجز، أو ربما هي حيلة أسلوبيّة منه تظهر في بارسيفال أيضا، إذ يقول في ختام الكتاب الثامن (من أصل عشرة في الملحمة) “إني أسمح لأي امرئ، إنْ كان مجيدا لأعراف الفروسيّة، أن يضع يديه على قصّتي ويرويها بكلماته. أن يجيد أحوال حومة الوغى، أو حين تبلغ القلوب الحناجر، أو كيف يخبب بالخيل الشجعان، أو يقاتلون من أجل جوائز النساء وأفضال الحِسان، وكيف يرصّون الصفوف مرة تلوّ مرة بعد الكرِّ في الميدان، لو كان بمقدور امرئ ألا يترك القصة تخلصُ إلى هباء فله مني كلُّ شكري والعرفان”. يعلّق تشارلز باسج في ترجمته للملحمة أنَّ بعض الدراسين رأى في هذا الاعتراف إدراك فولفرام بإعيائه وموته الوشيك. غير أنَّ إجماع الدارسين، كما يذكر باسج، يقرن ما بين عدم تمام العمل وموت فولفرام، ويميل قلّة منهم إلى فقدان معونة راعيه راعيه هيرمان الثورنغيّ إثر وفاته. ترك فولفرام بجوار عمليه فيلهلم وبارسيفال أعمالا أخرى غير مكتملة مثل Titurel ومجموعة أناشيد “songs”، ويرجّح أنه كتب أعماله في أول عقدين من القرن الثالث عشر من غير البتّ في تسلسل كتابتها الصحيح، وإنْ كان المقدّر أن بارسيفال كُتبت قبل فيلهلم، وعادة ما يُشار إليهما بأنهما عملان تامّان من آثار الشاعر الأدبية.1 

فيلهلم؛ تاريخ وقصيدة

تُصنّف ملحمة فيلهلم في مصافّ الأعمال الأوروبية الكبرى في القرون الوسطى، في موضوعها وأسلوبها وجودتها ولغتها، وأنّها من درر التراث الأدبي الجرمانيّ. دوَّنها الشاعر الفارس فولفرام في عصر الفروسيّة وأنشدها في محافل بلاط ثورنغيا على مسامع الفرسان والسادة، لذا فهي ابنة عصرها ومبادئها تُخاطب علية القوم من السادة والمتعلّمين حين كان الشعر الجرمانيّ ما يزال حبيسا في أروقة البلاطات ولم ينزل إلى الشارع والأسواق وبدأ في الانعتاق من الشعر الديني، وفولفرام من روّاد هذا الانعتاق. غير أنَّ الملحمة ليست من إبداع فولفرام الخالص إذ اعتمد في نظمها على قصائد سابقة وأخبار تاريخية وأسطورية عن القديس الفرنسيّ فيلهلم، قديس تولوز (ت: 812). يكتب تشارلز باسج في دراسته للملحمة “هل أبدع السيد فولفرام هذه الحكاية؟ الجواب باختصار لا، إنما كان يُعيد رواية، ببعض التغيير، قصيدة أليشانس الفرنسية “Chanson de Aliscans” المنظومة قبل ثلاثين سنة تقريبا من نظمه ملحمته. وهل كانت قصيدة أليشانس (1185) من إبداع الشاعر الفرنسي؟ الجواب أيضا لا، إذ كان يعيد هو الآخر بتغيير جليّ روايةَ قصيدةٍ منظومة قبل ذلك بعقود من الزمن تُدعى نشيد وليم “Chanson de Willelme”. هل أبدع هذا الشاعر نشيد وليم؟ والجواب أيضا لا، إنما كانت تقليدا شعريا متوارثا له من العمر نحو ثلاثة قرون. يوّلد سؤال الأصالة المتقن في القصيدة أسئلة معقّدة أخرى، وهذه حال الأسئلة المتقنة”. يرجّح أن أسطورة فيلهلم شهدت تطورا ملحوظا ما بين سني 1130-1150، ونظمت في تلك السنين القصائد المحفوظة عن الأسطورة، فضلا عن التراث المتداول منذ قرن ونصف. ويقدّر دارسون أن فولفرام نظم الملحمة في بعد سنة 1221 في عهد الإمبراطور لويس الرابع. نخلص من ذلك إلى أنه يشترك في إبداع ملحمة فيلهلم التاريخ والإبداع والتقليد الشعريّ في رواية أخبار القديس فيلهلم، غيّوم بالفرنسيّة، في ثلاثة قرون من الزمن تقريبا حتى بلغت فولفرام ليرتقي بها إلى رائعة من الروائع الأدبية. وما لا يسعنا التغافل عنه أنَّ الملحمة انبثقت في بيئة الصراع الإسلاميّ النصرانيّ في أوروبا، وعبّر هذا اللقاء الملحميّ بين النصارى والسراسنة عن حالٍ تختلف عن الحقبة الصليبية في المشرق إذ الفتح الإسلامي لشبه الجزيرة الإيبيرية أول ما علَّم الصدام بينهما في أوروبا. ومع أنَّ القصيدة نُظمت في أواخر الحقبة الصليبية في الشرق وذروة الصراع في الغرب فقد استعادت ما حدث قبل قرون (في أواخر القرن الثامن بعد معركة باب الشزري)، وإنْ عن معركة متخيّلة، حين التقى المسلمون والنصارى في ميادين القتال، وتمجيد فيلهلم. كان فيلهلم الحقيقيّ ابن عمة شارلمان، ونصّبه كونت تولوز في سنة 789، وحاميا لوريثه في ملك الفرنجة الفتى لويس التقي، خلفا للكونت كورسو بعد أن انزعج من الأخير ولم يرض عن حكمه. شارك فيلهلم في قتال المسلمين في إسبانيا وهزم في شمال إسبانيا سنة 793 في المعركة التي استُلهم منها معركة سهل أليشانس الأولى، وعاد مشاركا في حصار برشلونة، حين كانت تحت الحكم الإسلامي، ما بين 801-803 وانتهت بانتصار الجيش النصرانيّ واجتياح برشلونة. مع ذلك تبقى المعلومات عن فيلهلم نزرة، ومما يُذكر أنَّ فيلهلم بنى ديرا بالقرب من جيلون Gellone حيث عاش راهبا بعد أن نزل عن الحكم في سنة 806 ومات في سنة 812، وما زال هذا الدير عامرا باسم “Saint Guilhem du Desert”. حفظت في وثيقة مؤرخة في الخامس عشر من كانون الثاني/ ديسمبر 804 أسماء والديه وإخوته الثلاثة وأختيه وزوجتيه ابنيه وابنه، وهي مختلفة بطبيعة الحال عن تلك المذكورة في الملحمة. ثم اعترفت الكنيسة بفيلهلم قدّيسا في سنة 1066، ويُحتفل في الثامن والعشرين من أيار/ مايو بيوم تقديسه السنويّ. اختلطت بمرور الأيام أعمال فيلهلم الحقيقية بأعمال فيلهلم الأسطوريّة المروية في القصائد، وفي نحو سنة 1125 كتب رهبان دير فيلهلم في جيلون ترجمة باللاتينية عن حياة مؤسس الدير وراعيه وردَ فيها أنَّ القديس فيلهلم استولى على مدينة أورانج، مدينته في الملحمة، من ملك السراسنة تيوبالت (تيبالت في الملحمة)، وجعلها حصنه الحصين.2

*

كرَّس الشاعر فولفرم ملحمته فيلهلم لراعيه هيرمان حاكم ثورنغيا، وذكره في غير موضع بأنه من أعلمه بالقصة وأخبارها ودقائقها وكان هو مَعينه عنها. وتوّجّه بالدعاء للقديس فيلهلم إذ يقول في مستهل الكتاب الأول “لتتغمّد رحمتك كلماتي. أيها السيد القديس فيلهلم. يجأر فمي الأثيم بصوته داعيا قداستك، أيها الناجي من أغلال الجحيم، احفظني من الشر أنا فولفرام ابن إشنباخ”. يشرع بعدها في ملحمته المروية في عشرة كتب، تبدأ حين يُقبل تيرامير العربيّ، ملك السراسنة الأعظم، بجيش جرّار ضمَّ أمما من الناس كالعرب والفرس والترك والكرد والأفارقة والمغاربة والمور والقوقاز والهنود والبرابرة وأقوام أخرى، يُقبل تيرامير بكل هؤلاء على بلدة أورانج الفرنسيّة جنوبي بلاد الفرنجة (فرنسا) من أجل رفع العار عن شرفه المهان. كان لتيرامير ابنة اسمها عربيل تزوّجها الملك العربيّ تيبالت، ويأتي حاكم أورانج فيلهلم، أحد رجالات الملك شارلمان، إلى مدينة نايمس في مَهمة تنتهي بأسره على يد الملك تيبالت، وفي الأسر تهوي في حبه عربيل زوجة الملك وتفكُّ حبسه وتهرب معه. يرجع فيلهلم إلى بلاده سالما غانما بامرأة تزوّجها بعد أن اعتنقت النصرانيّة وتعمّدت متّخذة اسم جيبورك. أثار الهرب حفيظة زوجها تيبالت وما كان له من بد إلا أن يحضّ حماه الملك تيرامير على غزو الفرنجة والثأر لما أصابهما من عربيل، زوجة هذا وابنة ذاك، فطلبَ الملك تيرامير من كل جيوشه وجيوش أتباعه الملوك التجهيز لهذه الغزوة الكبرى التي انطوت دوافعها على أسباب شخصية وعامة. تبتدئ الملحمة قبيل نشوب اللقاء الأول بين الجيشين خارج مدينة أورانج وقلعتها في سهل أليشانس، وتندلع بين جيش فيلهلم الصغير وجيش تيرامير الجرّار معركة حامية الوطيس تنتهي بهزيمة نكراء لجيش النصارى وفرار فيلهلم إلى قلعته وزوجته، يتبعه زحف جيش السراسنة الوثنيين لحصار القلعة. ما كان لفيلهلم عند ذاك إلا أن يسرع إلى ملك الفرنجة لويس التقي طلبا للنجدة ومخلّفا وراءه زوجته جيبورك لحماية القلعة من السراسنة المحاصِرين لها حتى عودته بالنجدة. تبرز روابط الحب والعائلة محرِّكا رئيسا، سلبًا وإيجابا، عند النصارى والسراسنة في هذه الأحداث الجليلة المدلهمّة، فمن جهة يريد تيرامير وتيبالت الثأر من عربيل ومن جهة أخرى يريد فيلهلم العودة بجيش النصارى لإنقاذ جيبورك، والرابط بين الجهتين هي هذه المرأة بصورتها الوثنيّة القديمة عربيل وصورتها النصرانيّة الجديدة جيبورك، التي عليها التوفيق بين حماية قلعتها من أهلها المحاصرين وانتظار عودة زوجها بأهله المُنقذين. يخاطب الشاعر هذه المرأة معبرا عن حالها وأثرها “يا عربيل، جيبورك، يا امرأة باسمين جُدلتْ حياتك وحبك الساعةَ بالحزنِ، وقُرنتِ بالمصيبة، قد حصد حبُّكِ التعميدَ، ولن يصفح أهلُ التعميد عن القومِ الذين فيهم ميلادك”، ويقول “صارت حلاوة جيبورك مرارة على النصارى والوثنيين سواء بسواء”. حين حاصر جيش السراسنة قلعة أورانج بعد هزيمتهم جيش أورانج لم تبقَ لهم من مهمة سوى استعادة عربيل أو التخلّص من هذه الصابئة عن دين قومها، فما جاء بهم ليس قتال الفرنجة، في الأقل كما يظهر، وعليهم بذل ما يسعهم من أجل الثأر من عربيل. يقول تيرامير مخاطبا الوثنيين “يا أبطال الوثنيّة انتقموا بقوّتنا القديمة التي نلناها مِن آلهتنا مِن الذي أمرَ عربيل فضلت ضلالا مبينا. مَن دعوتها ذات يوم ابنتي قد سُلبت مني ومن آلهتي، وعلى يد سفهاء الحانات وشاربو الحساء فُرِّق بين تيبالت وزوجه، وكذا حال أبنائها من جاءوا هاهنا لحقيق ثأرهم”. إنّها لوعة الأب على فقدان ابنته، وشرف الزوج الملطّخ بالعار، وخزي الأبناء من جريرة أمهم، لكنها مشوبة أيضًا بالانتقام لدينهم الذي تخلّت عنه عربيل وأنكرتَه معتنقةً الدينَ الجديد إذ يُقسم تيرامير “بآلهتي أني منتقم لشرف الآلهة انتقاما لا يَرى من بعده ابنٌ من صلبي خيرًا في التعميد في سبيل يسوع الذي حملَ الصليب بنفسه وسُمِّر عليه بثلاثة مسامير ليموت”. رغب تيرامير في الانتقام من ابنته بتعذيب لم يسمع به من قبل قط وتموت في خزيّ يجعل “يسوع ملطّخًا بالعار”. يعرض تيرامير على ابنته ثلاث طرق للاستسلام والموت وأن تختار منها أيها تشاء “أن تُرمى في البحر معقودة صخرة في عنقها، أو أن تحرق حتى يغدو لحمها وعظمها رمادا، أو أن يشنقها زوجها تيبالت على شجرة”. أبت جيبورك الاستجابة لأبيها وحتى ابنها حين عرض عليها العوض شرط أن ترجع إلى دينها أو الملك هالزيبير حين عرض عليها إطلاق سراح الأسرى، وأصرت على المقاومة وانتظار عودة زوجها بالنجدة. في الطرف الآخر كان على فيلهلم أن يقنع صهره الملك لويس التقي بأن يمدَّ له يدَ المعونة ويرسل جيشه لإنقاذ أورانج وزوجته جيبورك من الخطر الوثنيّ النازل ببلاد الفرنجة كلها. يصل فيلهلم إلى قصر الملك في مونلون، وكان البلاط في احتفال وبذخٍ وهو قادمٌ إليهم في حالٍ يُرثى لها ولباسٍ لا يليق بهذا الحفل الكريم، وحين رأته أخته الملكة خاطبت زوجها الملك “إنَّ الرجلَ الذي نراه جالسا هنالك لا أحسبه إلا أخي فيلهلم. لقد آذى الفرنجة بصيحة الضرر بغزواته، وها هو ذا اليوم جاء ساعيا إلى جيش جديد ليدافع عن حبّ جيبورك في وجه الوثنيين. لن أدعه يبقى هنا. ليذهب أحدكم ويغلق الباب في وجهه، واصرفوه إن طرقه”. أبانت الملكة منذ البداية عما يعتلج في نفسها تجاه أخيها فيلهلم، وأزَّت الملك لويس على ألا يلتقيه ناهيك بنجدته أو منحه جيشا يقاتل به الوثنيّين. رُدَّ فيلهلم في يوم وصوله حين أعرض عنه البلاط ولا استقبله بما يليق به، وهو الذي قاتل في جيش الملك شارلمان، والد لويس، من قبل، وهو الذي خاض معارك ليجعل نبلاء الفرنجة يدينون للملك لويس. خرجَ مغاضبا من القصر وآلى أن يرجع في النهار التالي ويفرد مسألته في البلاط بقوّة وجرأة. أقبل فيلهلم منتظرا دخول الملك والملكة البلاط، وقد جلس سالا سيفه في حجره، وحين شغل الملكان عرشيهما نهض فيلهلم وشرع في فرد مسألته مخاطبا الملك بخطاب لم يحترم فيه مقامه ولا ملكه بل عاب عليه فعله حين تجاهله أمس “أيها الملك أتحسب نفسك قويا اليوم. أأعطيتك تاج الروم لتجازيني هذا الجزاء البخس؟ كانت الإمبراطورية في يدي، وما تغيّرت حالك في شيء فأنت اليوم كالأمس، فأنا من قاد الحرب على الأمراء ليعترفوا بك ملك وما أرادوا انتخابك ملكا عليهم، خافوا أن يضيع فيك قَدْرهم وجلالهم، وأنا من أرغمهم على أن يختاروك ملكا”. وبعد أن هزَّأ الملك بخطابه التفت إلى أخته وذكّرها بما يجمعهما من قرابة، وفضله على زوجها، لكنها سخرت منه في جوابها وأنهم لن يخسروا شيئا بإعراضهم عنه، فاستعر به الغضب فطوّح بالتاج من رأسها إلى الأرض، وكلُّ من في البلاط شاهد عليه، وأمسكَ الملكة من ضفائرها “يريد أن يضرب عنقها بسيفه، ولو لم تعترضه أمهما إرمشارت لما أبقى على حياتها”. تخرج الملكة بعدئذ هاربة من أخيها، ومغلّقة على نفسها باب مخدعها، ويتدخّل هيمرش، والد فيلهلم، وأمه وإخوته يتضرّعون إلى الملك بأن ينقذه، ويعدون فيلهلم بأنهم سيخرجون معه ويقاتلون الوثنيّين، وكذا حال النبلاء في القصر، وتقبل ابنة أخته الأميرة أليس تريد إصلاح ذات بينهم، وما كان من الملك لويس على إهانة فيلهلم إلا أن ينزل على طلبهم ويستجيب لدعوة فيلهلم بإرسال جيش إلى أورانج لإنقاذ جيبورك وقتال السراسنة الوثنيّين. قادت الرابطة العائلية آل تيرامير لقتال القوم الذين فرَّت إليهم ابنتهم: عربيل، وقادت الرابطة العائلية أيضا آل هيمرش للذود عن المرأة التي فرّت إليهم: جيبورك. وما بين الرابطتين تشخص علاقة الحبّ الجامعة بين جيبورك وفيلهلم، فالحب ما جعل جيبورك تنكر أهلها ودينهم والحب ما ساق فيلهلم لمواجهة ملكه والإساءة إليه، بل حتى التعريض به حين اتّهم أخته الملكة أنّها كانت عشيقة الملك تيبالت العربيّ. غير أنَّ هذه الروابط العائليّة المتوتّرة والمتعاضدة والحب الراسخ يتجسّدان على نحوٍ أرفع وأجلى قبيل التقاء الجيشين وأثناء اللقاء وبعده، حين يعلو النبل المنبثق من العائلة والحب على ما سواه من طبع الحرب القاسي وعداء الخصوم. كان أول آيات ذلك في معركة سهل أليشانس الأولى حين قاتل فيلهلم جيش تيرامير ونازلَ ملوكا في الجيش، من بينهم ابن زوجته إيهميريز غير أنه لم يقاتله حبًا بزوجته جيبورك معرضًا عنه فما أراد أذيّته. ولما اجتمع فيلهلم وجيبورك بعد عودته إلى أورانج بجيش الفرنجة أبانت جيبورك عن مصابها في حضرة الملأ أنَّ مصابها أليم إذ يقرعها أسى الموت النازل بالطرفين، النصارى والوثنيين، وأنهم جميعا خلقُ الله وكانوا ذات يوم وثنيين. وشاركها في ذلك فيلهلم إذ “أخذت في قرارة نفسه الشفقة حتى بأولئك الذين نقصهم الإيمان الحقّ كاليهود والنصارى ومن سواهم”، ثم أكد الشاعر هذه الرؤية بعد أن تضع معركة سهل أليشانس الثانية أوزارها فيقول “أما أولئك الذين لم يتعمَّدوا قطُّ أكان من الخطيئة ذبحهم كالنعاج؟ إني أراها من الكبائر، فهُم من صنيع الإله، وكلُّ أصحاب الألسن الاثنين والسبعين من خلقه هو”. لا يظهر الوثنيّون أعداء وحشيين يجب قتلهم، أو لا تأخذ النصرانيّ الرحمة بهم، بل إنَّ الحرب الدينية بين النصارى والسراسنة أشبه ما تكون بحربٍ آثمة، ورؤية الشاعر أقرب ما تكون إلى الإنسانيّة التي لا ترى الاختلاف في العقائد دافعا للاقتتال والتناحر، وما كان لهذه الرؤية أن تبرز لولا رابطة الحبُّ التي جمعت فيلهلم وجيبورك من طرف ورابطة العائلة التي جمعتهما بأهلها الوثنييّن. أضحى غزو السراسنة لبلاد الفرنجة بعد هزيمتهم وفرارهم وانتصار النصارى مفرّغًا من معناه العقائديّ، فالعدائية غير مبررة والاقتتال لا جدوى منه، وحتى فشل آلهة الوثنيين أبولو وتيرفاغانت ومحمد وكاهون في نصر السراسنة، وإعانة يسوع لنصارى على عدوهم الغازي، لا يمنع من أن يكرم المنتصر قتلى المهزوم. يعامل فيلهلم بطبعه النبيل عدوه الوثنيّ النبيل بما يليق بالملوك الأصلاء مُبرزا قيما نبيلة وسلوكا جليلا، ويصنع بقتلاهم من صنع بقتلى جيشه، وليس ذاك إلا إكراما لزوجته فيقول “سنحسنُ إليهم خيرا من أجل التي وُلدت في وسطهم، سيُدهن بالبلسم كلُّ قرابة جيبورك الذين قضوا نحبهم وسيوضعون في النعوش الملكيّة، كأنّ الرجل فيهم قد مات في دياره ومملكته”. بل يحضُّ أن يُدفن النصارى والوثنيون كلُّ بحسب شريعته “اعزلوا النبلاء القتلى عن المعمّدين حتى يُقبروا على ما يليق بهم في شريعتهم”. لم تكن نهاية المعركة إلا إيذانا برغبة فيلهلم في الصلح مع حميه وأنسبائه فما يجمعهم أكثر مما يفرقهم، جيبورك/ عربيل، فأرسل فيلهلم أسيره ملك إسكندنافيا ماتريبليز، الذي كان حليف تيرامير، “أعلمه أيها الملك أني لم أبعث إليه بجثامين هؤلاء الملوك عن خوفٍ بل رغبة في إكرام قومه. قد وهبتْ لأحضاني امرأةٌ منكم سعادتي، وقد أصابني منها فرحٌ وترحٌ منذ أن آذنَ عليَّ تيبالت بالحرب”. ما فرّقته الأديان وأخذت بيده إلى الوغى وصدام السيوف جمعه الحبُّ وذات البين بين الملّتين. ومع أنّ الشاعر لم يكمل الملحمة وتركها منقوصة الخاتمة فإنَّ ما توحي به نهاية المعركة الثانية، وسلوك فيلهلم النبيل تجاه عدوه وأهل زوجته، هو بشارة بالتقارب والاتحاد، أو في أدنى الأحوال الصلح وتجنّب القتال.

جيبورك قديسة النصارى 

“يا جيبورك، مولاتي المقدّسة، أكرميني ببركتك وتعطّفي عليَّ حتى أبصركِ فتطمئن روحي برؤياك. سأسألك أبدا بصيتكِ الطيّب وببأسِ الشجعان الذين قاتلوا في سبيلك وخلّصتِ أرواحهم من حبائل الشيطان”. ملحمة فيلهلم – الكتاب التاسع 

تتجاوز ملحمة فيلهلم الموضوعَ التقليديّ في الأدب القروسطي بموضوع مسعى الزواج، لا سيما الزواج بالآخر المختلف دينيا وقوميا، وهنا العرب المسلمون، وترتكز على ما بعد الزواج إذ تتجسّد فيه التعقيدات الدينية والاجتماعية على نحوٍ أشمل وأعمق. يبدع الشاعر فولفرام في بيان العمق الإنسانيّ والعاطفيّ وتأثيراته في الزوجين، سواء في علاقتهما معا أو علاقتهما بذوي الزوج، وفي عالم مشدود بالعدائية بين السراسنة والنصارى فإنَّ الزواج لا يغدو جسرا بين فردين بل أمّتين، غير أنه جسر فوق النار. يجرُّ فرار امرأة وثنيّة برفقة رجل نصرانيّ في الملحمة على النصارى حربا شعواء ويغزو السراسنةُ الفرنجةَ، ومن أجل هذه المرأة تهلك ألوف من الطرفين في سوح الوغى، وتذكّرنا هذه المرأة بهيلين طروادة وفرارها مع باريس. تروي ملحمة فيلهلم في أغلبها وقائعَ معركة السراسنة والنصارى الأولى والثانية في سهل أليشانس وحصار أورانج وسعي فيلهلم لنجدة زوجته المحاصرة، غير أن القارئ يستخلص تفاصيل حكاية الزوجين من حوارات الشخصيات ودوافع الرجال إلى الغزو والقتال. يعترض طريقنا قبل الخوض في تفاصيل الحكاية أي اسم سنختار لهذه المرأة، التي كما يقول الشاعر “امرأة باسمين” عربيل أم جيبورك؟ وأي الاسمين يُمثّل هويتها حقًا؟ وهل يمكن حصر حياتها باسم دون آخر؟ ولدت عربيل العربيّة الوثنيّة (المسلمة) ابنةً لملك السراسنة تيرامير وتزوّجها الملك العربي تيبالت، فكان لها من الملك والثراء وطاعة الرجال ما لم يكن لمرأة سواها، لكنها حين أبصرت فيلهلم النصرانيّ محبوسا في سجن زوجها يرسفُ في قيده، إثر مجيئه بلادهم غازيا، أخذتها به الشفقة، بعد أن ألقى إليها حبل محبّته ودعاها لاعتناق النصرانيّة، ففكّت قيده وأطلقته من حبسه وفرَّت معه. “أطلقتُه من قيوده وأصفاده وحرّرتُ يديه، وغادرت برفقته إلى البلاد المعمّدة. وأنا في خدمته وخدمة يد العليّ، وإني لأعزّ تعميدي”. هربت عربيل تاركة زوجها وأبنائها وأبيها وبلادها وآلهتها وكلّ ملكها ولحقت بالنصرانيّ الذي أحبته، وحالما تمَّ لها ذلك تعمّدت متنصّرة وغيّرت اسمها إلى جيبورك، منسلخة عن كل ما ارتبطت به عربيل من دين ودنيا وأهل وبلاد. إنَّ الانسلاخ التام والتغيّر الكامل الذي لا يكون إلا بإنكار كلّ ما كانت عليه واعتناق كلّ ما ستصير عليه. فهذه المرأة في الملحمة هي جيبورك النصرانيّة عند النصارى، وعربيل عند أهلها السراسنة، وفي ظاهرها وباطنها هي جيبورك النصرانيّة لكنها مشوبة بعربيل، تتراوح ما بين الاثنتين وإنْ كانت مصرّة على جيبورك. حين يحاصر أبوها بجيشه قلعة أورانج ويسعى إلى رّدها إليه، واعدًا إياها ومتوعِدًا، تأبى إلا التمسّك بالنصرانيّة وإلاله يسوع وزوجها فيلهلم، تقول له في خطبة طويلة “أأتخلّى عن يسوع والماركيز [زوجها] من أجل محمت، وأضيّع تعميدي والغاية النبيلة التي أتمَّ بها الماركيز المآثر الباسلة مقاتلا دون ترسه حاملا رمحه ومعتمرا خوذته، ذاك الذي ما زال ساعيا عن رضا إلى خدمة حبي؟ كنتُ ذات يوم ملكة، ولا يهم أي فقيرة أكون اليوم. في مدينة عرابي بجزيرة العرب خطوتُ يجلل التاج هامتي في حضرة الأمراء حتى احتضنني أميرٌ بعينه. من أجله سأعيش في فاقة وفي سبيل الإله العليّ”. وحين عرض عليها ابنها إيهميريز أن يدفع العوض عن كلّ خراب طال البلاد من غزوهم شرط أن ترجع إليهم ودينهم ردَّت عليه “بُني أفيما تقوله خير؟ خيرٌ لك لو فهتَ بسواه. أتسومني لبيع وتحقّر من صيتك بأن تسعّرني كأني ثور؟ أنت ابني كريم المحتد وفيما ترومه ما يُخزيك. ينتمي قلبي إلى حمى الماركيز، وليس بمقدور امرئ أن ينفق ما يفرّقني عن جانبه”. تتمسّك جيبورك بدينها الذي اعتنقته بإرادتها وبحبّ زوجها رافضة كلّ وعد ووعيد، وشهد لها بذلك أهل أورانج والفرنجة فأعلوا مكانتها. يقول بيرنارت، أحد أمراء الفرنجة، قبل معركة سهل أليشانس الثانية “إني لأفضل أن يسلخ جلد ابني وتصنع منه أوتار الأقواس قبل أن يسلبنا تيبالت جيبورك أو يبعدها عنّا ويخدعنا في صيتنا الحسن”. كسبت جيبورك بتنصّرها، ودفاعها عن قلعة أورانج في وجه أهلها المحاصرين، ورفضها أن تسلّم للسراسنة نفسها منكرة عليهم كل عرض وطلب، وقبل ذلك بكريم سجاياها تجاه أتباع زوجها ونبلاء الفرنجة، كسبت التفاف الفرنجة على نصرتها والقتال في جنب فيلهلم، وأنّهم بذودهم عنها يذودون عن دينهم وبلادهم. ومع ذلك تبقى “عربيل” جزء من ذاكرة جيبورك وشخصها، ولا يمكنها فصل ما عاشته بهويتها عربيل عما تعيشه اليوم، وتجد نفسها في مقابلة ما بين عربيل وجيبورك. تقول جيبورك مخاطبة نبلاء الفرنجة قبل خروجهم إلى قتال السراسنة في المعركة الثانية “خدمتُ يد الإله البديع أكثر مما خدمة إله الوثنيين تيرفاغانت. ساقتني قوّته بعيدا عن محمت إلى التعميد-“، هذا أول التنازع في نفسها ما بين المعتقدين لكنها تكمل “فأكسبني ذلك كره أهلي وكره المعمّدين على حد سواء، إذ حسبوا أنَّ بسبب الحب البشري [أي حب الماركيز] أُوقدَ هذا الصراع. صدقا أني خلّفت حبي ورائي هناك، وكنوزا كثيرة، وأطفالا حسانا، وزوجا لا يسعني أن أتهمه أنه أساء إليّ في يوم قط منذ أن تسلّمت منه التاج. إنَّ تيبالت العربيّ مبرّأ من كلّ سوء، وأنا وحدي الملامة في سبيل الإله العظيم، وعلى درجةٍ، في سبيل الماركيز”. لا تنكر جيبورك أنَّها، أي عربيل، كانت تعيش في نعمة وملك، وأنَّ أهلها ما أساءوا إلى جانبها وهي وسطهم، وأنَّها تحمّلت كلّ ما تحملت في سبيل دينها وحب الإله، لكنها أيضًا في أحناء صدرها تقاسي في سبيل حبّها فيلهلم. إنَّها في ذلك المرأة الإنسان التي يكوّنها الديني والدنيويّ، ويحرّكها مزيج العقل والعاطفة، والخير والشر، والذاكرة والوعي الآنيّ، والماضي والحاضر، وأهلها الأصليون وأهلها المكتسبون، ويقودها هذا التنازع بين ما كانت وما صارت إلى أن ترى نفسها سببًا لمصاب السراسنة والفرنجة، وأنّ ما يصيب الملّتين يؤذيها، فتريد التوفيق بينهما لكن تمزّقها فرقتهما. يبلغ بها هذا الصراع الداخلي مبلغه فتقرُّ للفرنجة “من جاء بي من العدم إلى الدنيا قد اختار زمن سوء ليفعلها. إني بلاء على صنيع يديه مَن خلقهم ومَن رزقهم من نصارى ووثنيين! وا أسفاه إني كارثة على الملتين، عليهم وعلينا أجمعين”. لكنها في آخر المطاف جيبورك لا عربيل ونصرانيّة لا وثنيّة وزوجة فيلهلم لا تيبالت وموطنها في بلاد الفرنجة لا بلاد السراسنة، فحثَّت الفرنجة على قتال عدوهم “وزيادة شرف النصرانيّ”. يرفعها هذا الجمعُ الديني بين إقرار بإله عن رضا وإنكار آلهة عن قناعة، وحبُّ الإله الذي فاض على خلقه جميعا نصارى ووثنيّين بأنهم جميعا صينع يديه مع موالاة النصارى على السراسنة، إلى مقامٍ قديسيّ عند الشاعر يطلب منها أن تنير ظلمة روحه، فما أشبهها ببياتريس دانتي، وما نقص جيبورك إلا المعجزات حتى تقرَّ الكنيسة فضلها وقداستها كما اعترفت بفيلهلم قديسا لتولوز. 

تكشف لنا جيبورك، وسواها من حكايات عن نساء مسلمات بدلن دينهن وتزوّجن نصارى، عن صورة نساء الآخر في وجدان الأنا وخياله، وفي مقامنا هذا في وجدان النصارى وخيالهم، لا سيما بعد اندلاع الصراع العسكريّ بين الملّتين في الشرق والغرب، وأنَّ تنصّر المسلمة وفرارها مع حبيبها إلى النصرانيّة لا يقتصر على “الفتح الجنسي” بل هو رغبة في إثبات التفوّق على الآخر في أعز ما يملكه، أي بنسائه وشرفه. إنّ اختيار المسلمة للنصرانيّ بعد زوجها المسلم وتحمّلها في سبيل ذلك كلّ مشقة، وإنْ أُلبس لبوسا دينيا في اتباع الدين الحق فهو في وجهه الباطني في سبيل الرجل، في كونه رجلا قبل أن يكون نصرانيّا، وتفاخر بفحوليّة تنقص الآخر وتجعل من زوجته تفرُّ منه إلى عدوّه. غير أننا في ذات الحين لا يمكننا الفصل أيضا بين هذه الأغراض النفسيّة في موضوع القصيدة ونشأة أدب البلاط الأوروبي وعصر الشهامة الفروسيّ وضرورة أن يكون للفارس امرأة، مولاة جليلة القدر، يحبها ويُقاتل في سبيلها معليا صيته بخدمتها. لا يبدو مثال فيلهلم وجيبورك واضحا كغيره من أمثال أدب البلاط والشهامة، لكنه ينزع إلى ذلك نزوعا لطيفا، جامعا بين الحب والدين. يقول فيلهلم “أواه يا جيبورك، ملكتي العزيزة، ما أقسى ما يدفعه فؤادي من ضريبة في سبيل حبك”، ونراه حين يخرج في استصراخ ملك الفرنجة فإن يؤلي ألا يتنعّم بطعام وشراب حتى يرجع بالنجدة إلى محبوبته، فيقتصر طعامه على الماء والخبز الأسود، لا لشيء إلا ليشارك جيبورك مصابها، وأن مصيرهما واحد في السراء والضراء حتى لو فرّقت بينهم الأيام والأسباب. يبلغ هذا الحب ذروته في آخر القصيدة حين يكرم فيلهلم في سبيل جيبورك قتلى عدوّه الوثنيّ ويرسل إلى الملك تيرامير جثامين الملوك رغبة في الصلح لا إدامة العداء.   

صراع إله النصارى وآلهة السراسنة  

تنتمي الرؤية الدينية النصرانيّة تجاه المسلمين في ملحمة فيلهلم إلى تقليد أدبيّ أوروبي صوّر المسلمين وثنيّين يعبدون النبي محمد بوصفه إلها من ثلاثة آلهة، غالبا بجوار أبولو وتيرفاغانت، وفي هذه الملحمة أُضيف إليهم إله رابع هو كاهون. انبثقت هذه الرؤية من تلقٍ مضطرب وخاطئ للإسلام ونبيّه بعد البعثة النبويّة في مكة، وصوّرت الكتابات البيزنطيّة المبكرة الإسلام بأنه مذهب نصرانيّ منحرف، ونبيّه -حاشاه- مدّعٍ كذّاب، وأن تعاليمه مأخوذة من راهب نصرانيّ يدعى سيرجيو -نفسه بحيرا الراهب-. نسبت إلى نبي الإسلام الكثير من الأكاذيب والضلالات والخرافات منها أن النبي كان يربي حمامة ويدربها أن تأكل القمح من أذنه ليخدع العرب أنه يوحى إليه من السماء، وكتب القرآن مع يهودي وربطه على قرني ثور دربه أن يأتيه إذا سمع صوته على أنه يأتيه من السماء، وأنّ دينه قائم على شهوات الجسد والفواحش مما جذب العرب إليه، وأنّه وعد أصحابه بعد أن يموت بثلاثة أيام سيصعد جسده إلى السماء، وبعد موته طار قبر النبي في مكة وهو معلّق في جوف الكعبة بطريقة مغناطيسية. ذُكرت هذه الأخيرة في الملحمة حين يقول العبد السراسنيّ رينفارت “أنا من مكَّة حيث تحفظ قدّاسة محمت جثمانه يطوف عاليا بلا عماد”. تضافرت هذه الأضاليل معا وتحوّل النبي إلى إله عبده المسلمون، الذين اصطُلح عليهم السراسنة بمعنى عبيد سارة، وجُمع إلى أبولو وتيرفاغانت في معاكسة مباشرة إلى الثالوث المسيحي، لكنه ثالوث الكفّار الباطل. ظهر هذا الإله في النصوص الأوروبية، الفرنسية والجرمانية والإنجليزية باسم محمذ، محمت، ماحون، ماحوم، محمون، محموم، مخمت، محوند، محوني. واقترن اسم محمد بإملائه المختلف في نصوصٍ إنجليزية وفرنسيّة، كما يذكر المؤرخ جون تولان في كتابه “وجوه محمد Faces of Muhammad”، بالأوثان المعبودة في اليونان القديمة وروما، وآلهة الفايكنغ والقبائل الشمالية، وآلهة السراسنة المزعومة. وفقا لهذه الأضاليل في تصوير دين المسلمين/ السراسنة جاءت ملحمة فيلهلم، لكّن السؤال هل جهل الأوروبيون، لا سيما الأدباء والرهبان أي الطبقة المتعلّمة، دين المسلمين لا سيما بعد قرون من التعايش في إسبانيا/ الأندلس وحملات صليبية في الشرق حيث عاش عشرات الآلاف من الصليبيين وإقامة إمارات وممالك في البلاد الإسلامية في مقدمتها مملكة بيت المقدس التي دامت نحو قرن في القدس؟ يذهب جواب المؤرخين، مثل جون تولان وريتشارد سوذرن ومترجم الملحمة تشارلز باسج وغيرهم، إلى أنّهم عرفوا حقيقة الإسلام وأنّ نبيّه ليس إلها بل إنَّ الإسلام حرّم الأصنام إذ يظهر المسلمون يحملون أصنام آلهتهم وصورهم في المعارك، غير أنّ تصويرهم وثنيين كان تقليدا أدبيا تعاهدوه ولم يخرجوا عنه فقدّموا المسلمين في صورة مألوفة مزدراة عند المتلقّي استمرت حتى القرن الخامس عشر. فإذا كان التصوير الضال عن دين المسلمين في بواكير الكتابات الأوروبية في القرنين الثامن والتاسع للميلاد نتيجة لجهلٍ محضٍ وتفسير متحيّز ومبتسر لنصوص العهد القديم بربط المسلمين بنسل إسماعيل وهاجر، فإنَّ اعتماد هذه الرؤية الوثنيّة في تصوير المسلمين هو تقليد أدبيّ أكثر منه جهلا بالمسلمين ودينهم، وقالب حكائي في بناء حبكة الصراع الديني بين النصارى والسراسنة، وهو في وجه من الوجوه امتداد أدبي لصراع الآلهة في قصائد اليونان القديمة وروما على غرار الإلياذة والأوديسة والإنيادة.       

يُحضر السراسنة في غزوهم بلاد الفرنجة آلهتهم معهم محمولين على عربات، الآلهة الذين عبدوهم واستعانوا بهم من أجل نصرهم على عدوّهم، في مواجهة للنصارى وإلههم الذي عبدوه واستنصروه على عدوّهم. آمن السراسنة في الملحمة بأربعة آلهة هي محمد وأبولو (الإله اليونانيّ والروماني الأسطوري)، وتيرفاغانت وكاهون، وهذان الأخيران مجهولا الأصل والتسميّة. يقول الشاعر “جأروا إلى محمت وتيرفاغانت قبل اندلاع القتال”، وقال “لزَّ كيرنوبلي جوادَه إلى حومة الوغى مستودعا نفسه عند محمت”، وعلى لسان فيلهلم حاثا جنوده على القتال ذودوا عن حياضكم وبلادكم حتى لا يكون لأبولو وتيرفاغانت والأفاك محمت موطئ قدم تُهان به معموديّتنا”، وعلى لسان العبد رينفارت “أعرف ثلاثة آلهة: القدّوس تيرفاغانت، ومحمت، وأبولو، وإني ملتزم بسعادةٍ بوصاياهم”، إلى ما سوى ذلك مما ورد عن هذه الآلهة ومكانتها وعبادتها عند السراسنة في الملحمة. أجلَّ السراسنة آلهتهم وقدّسوها، وهذا الإجلال سبب من أسباب غزو بلاد الفرنجة وقتالهم، ولا يبقى لهم قدرٌ إنْ أهنيت آلهتهم، فيقول الشاعر عن ذلك بعد هروب عربيل وتنصّرها “تحدّثوا عن العار الذي لحق بالقدوس تيرفاغانت ومحمت، والإله الجليل أبولو، وتحدّثوا عن الجزية التي سيدفعونها إلى الموت”. يتجلّى هذا الإيمان الراسخ بالآلهة وأنّهم محملون على الدفاع عنها ورفع العار إنْ لُطّخت به بأفعال من كانوا يوما منهم ويؤمنون بآلهتهم، وليس يرهبهم الموت ولا يصدّهم عن ذلك سنان أو ميدان حين أقبلوا بقضهم وقضيضهم يغزون الفرنجة. حمل السراسنة هذه الآلهة إلى المعركة على العربات في تصوير وثنيّ محض وتجسيد عبادة الأصنام عندهم فيقول الشاعر “جُرَّت العربات تحتهم [الآلهة] بثيران البحر المدرَّعة، يسوقها رجال أقوياء -لا كأطفال اليوم- بأيديهم المناخس”. ويقول “’ركب عن يميني بجوار عربات الآلهة تيرفاغانت وأبولو ومحمت وكاهون‘”، و”لعلَّ عربة محمت بعيدة جدًا عن رجال غامفاساشي. ابصر الآن إنْ أربكهم هذا [في القتال]”، “جرَّ المضيف عدوَّه القادم من شتّى البلاد وعربات الآلهة قد اجتازت مجرى لاركانت”. في المقابل فإنَّ إيمان الفرنجة النصارى بإلههم بارزٌ، وجاء في الملحمة على ألسنة الفرنجة في صدارتهم جيبورك، إذ هي خير ناطقٌ بهذا الإيمان لا سيما أنها كانت وثنيّة فيأخذ قولها حينئذ مصداقيّة مضاعفة، أولا لأنها لم تولد نصرانيّة بل وثنيّة ولأنها اعتنقت النصرانيّة عن قناعة بعد أن عرفت الوثنيّة وصبئت عنها. نبصر هذا الإيمان عندما حاصر أهلها قلعة أورانج وناقشها غير واحد من ذويها لا سيما أبوها وابنها، وأصرّت على البقاء على النصرانيّة. وما بين الفرنجة المؤمنين والسراسنة الوثنيين تحضر شخصية العبد رينفارت وسطا بينهم في الاعتقاد وخليطا في الأصل والعيش، إذ خُطف صغيرا من بلاد السراسنة حتى بلغ بلاط الملك لويس، ولما رأى فيلهلم حجمه الضخم وبأسه أقنعه بالانخراط في جيش الفرنجة القاصد أورانج لفك الحصار عنها. كان الفتيّ رينفارت مضطرب العقيدة، إذ هو وثنيّ من السراسنة من جهة (ابن ملك السراسنة تيرامير) وناقم على آلهته وأهله لأنهم لم يفدوه من عبوديّته، وخرج يقاتل في صفّ الفرنجة مع أنه لم يؤمن بالنصرانيّة فضلا عن أن يُعمّد وما كان خروجه إلا حبا لنفسه وإبرازا لشرفه بمآثر الشجاعة والبطولة. غير أنّه كان أقرب إلى النصرانيّة منه إلى الوثنيّة وإلى الفرنجة من السراسنة، وآلم غيابه المفاجئ في آخر معركة أليشانس الثانية فيلهلم فرثاه حين حسبه مقتولا، وسعى إلى أن يفيده بأسرى ملوك السراسنة الذين عنده إنْ علمَ بأنه ما يزال حيًا. لا يوحي غيابه المفاجئ بأنه قُتلَ إذ بأسه وشجاعته كانت عاملا رئيسا في انتصار الفرنجة، ولا يُستبعد أن يكون غيابه جزءا من سمته الطفوليّ والساذج. ما يهمنا في هذا المقام هو بيان حاله النفسي ما بين النصرانيّة والوثنيّة وحياته وسط الفرنجة بإدراكه أنّه من السراسنة، يقول مُحدثًا فيلهلم عن نفسه “أنا من مكَّة حيث تحفظ قدّاسة محمت جثمانه يطوف عاليا بلا عماد. كان يسعه أن يفديني حين كنت أعيش في ضنك هاهنا- إن كان إلها حقا. كثيرا ما يممت وجهي شطره وحده بالتضرع والدعاء فما استجاب لي ولا نفعني حتى عدلتُ بوجهي تجاه المسيح، الذي تؤمن به إذ أحسبُك مُعمَّدًا. منذ أن باعوني في هذه البلاد قاسيت مرارة المهانة والشقاء، ولم أسلم حتى من قسوة الملك وأرشدني طمعا في تنصيري. لكن ليس في التعميد سبيلي، وسلختُ ليلي ونهاري كأنَّ أبي ليس ذا سلطان أبدا. تنتابني ساعات يكاد يطيش صوابي لما يصيبني من عار وخزي عند قيامي بالخدمة، إذ أعمل مثل مغفل. ولو أحبتني أميرة من النساء لألفتني قبيحا، إذ لم أبرز بمأثرة أو ميدان، وهذا أكثرُ ما أتوق إلى فعله”.

عودا على بدء، إنّ حضور الآلهة في المعركة يُبرز التناظر بين آلهة السراسنة الوثنيين في مواجهة إله النصارى، وهو صراع آخر بشقيه العقديّ بين الدين الحق والدين الباطل، والإعانيّ بين آلهة السراسنة وإله النصارى، فإذا ما غلب أحد الخصمين عدوّه فإنّ غَلبتَه تُثبت دينَه الحق إذ ينصره إلهه وبطلانَ دين عدوه الذين يخذله إلهه. وهذا ما كان إذ ينتصر الفرنجة النصارى على السراسنة الوثنيين ويغلبُ إلههم آلهة السراسنة. يُمهّد الشاعر لهذا التناظر حين يجعل كلّ إله/ آلهة في دفاع عن عبّاده فيقول “حفظ يسوع عباده. وسينظر تيرفاغانت بعين رعايته إلى عبيده من بلاد الأوثان. طلب تيرامير الإله نفسه، وسائر آلهته العليّة أيضا، أن تُنصب على الأوتاد الطويلة”. ثم التناظر في دعاء الآلهة وصيحة الحرب باسمهم لكل جيش، فيصيح جيش السراسنة باسم تيرفاغانت ويصيح جيش الفرنجة بصيحة شارلمان الشهيرة “مونتجوي Montjoie” وتعني جبل البهجة، وهي صيحة النصارى في الحملة الصليبية الأولى حين أبصروا أولَ مرة بيت المقدس. التناظر أيضا كما ذُكر آنفا في أثناء المعركة في القتال في سبيل الآلهة/ الإله والذود عن شرفهم/ ـه، والدفاع عن الدين. غير أن ختام هذا التناظر كان في علّو إله الفرنجة على آلهة السراسنة الذين فشلوا في إعانتهم فاستحقوا سخرية الشاعر من السراسنة الذين ظلوا يجأرون إليها “لهم حمقى لفعلهم ذاك فما أعانهم محمت وكاهون أدنى معونة، ولا الآلهة الأخرى أبولو وتيرفاغانت”، وحال هذه الآلهة أنها “ما أبه محمت وتيرفاغانات وكاهون وبقية آلهة الوثنيين أن يحفظوا شرفهم في تلك الليلة. وما لهم من الشرف إلا النزر في بلاد المعمَّدة”. ينتهي الصراع بهزيمة السراسنة وفرارهم من أرض الفرنجة من غير أن يرتدّوا عن دينهم، وانتصار يسوع على محمت. لكن بفضل عربيل/ جيبورك وحبّ فيلهلم لها نبصر تباشير توافق بين الملّتين يجمعهما على الخلاف الدينيّ بينهما، وهو كما بيّنا توافق يحملُ ملامح رؤية إنسانيّة ترى في هذا القتال والملحمة إثمًا وشرًا، إذ البشر في آخر المطاف كفّار قبل أن يبصروا نور الإيمان وخلق الله جميعا لا فرق بين فرنجة وسراسنة، يزيد على ذلك أنّ الحبَّ الذي جمع عربيل العربيّة وفيلهلم الفرنجيّ تجاوزَ حاجز اختلاف الدين وإنْ بُني في أصله على النصرانيّة. 

الهوامش:

1- اعتمدت في إيراد المعلومات الواردة عن حياة الشاعر فولفرام وآثاره على كتابي:

– German Literature of the High Middle Ages, Volume 3, Edited by Will Hasty Camden House. 

Wolfram von Eschenbach Marion E. Gibbs and Sidney M. Johnson.

– Willehalm, Wolfram of Eschenbach, Translated by Charles Passage.

2- اعتمدت في إيراد المعلومات الواردة عن حياة القديس فيلهلم على كتاب: Willehalm, Wolfram of Eschenbach, Translated by Charles Passage.

المصادر والمراجع: 

1- Willehalm, Wolfram of Eschenbach, Translated by Charles Passage.

2- German Literature of the High Middle Ages, Volume 3, Edited by Will Hasty Camden House.

Wolfram von Eschenbach – Marion E. Gibbs and Sidney M. Johnson.

3- Faces of Muhammad – John Tolan. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى