التراث العالمي

قصيدة بارسيفال – فولفرام الإشنباخيّ

خلّف الشاعر الفارس فولفرام (1170-1220) بعد وفاته عملين جليلين جعلاه في صدارة الشعراء الألمان في القرون الوسطى هما ملحمة فيلهلم وقصيدة بارسيفال. ويمثل برفقة معاصريه هارتمان الأويّ hartmann von aue (ت: 1210-1220) وغوتفريد الستراسبورغيّ gottfried von strassburg (ت: 1210) قمّةَ الأدب الجرماني الأعلى الوسيط ما بين سني (1050-1350). شهد عصرهم في بواكير القرن الثالث عشر إبداع روائع الأدب الجرماني القروسطيّ مثل نشيد النبيلونغ، ونشيد غدرون لشاعرين مجهولين، وقصيدة بارسيفال، وقصيدة تريستان لغوتفريد، وقصيدة غريغوريس لهارتمان. ومع أنَّ فولفرام، مثل هارتمان وغوتفريد، اعتمد على قصائد آخرين في كتابة عمليه فقد أبان عن براعة فذّة وشعريّة منقطعة النظير أعلت مكانته في عصره وما تلاه من عصور، وبحسب العلامة والمترجم آرثر توماس هاتو فإنَّ فولفرام الشاعر الإنشاديّ برفقة صاحبيه هم حملة الإزهار النيّر للشعر الدنيويّ الألماني في النصف الأول من حقبة هوهينستاوفن حين شرع الشعر الألماني في الانعتاق من السطوة الدينيّة. كانت بارسيفال، الأثر الوحيد الكامل لفولفرام، إكمالا لعملٍ غير تامٍ حمل ذات العنوان للشاعر الفرنسيّ كريتيان دي تروا (1135-1183)، الذي اشتهر بقصائد الرومانس الآرثريّة. كتب فولفرام بارسيفال ما بين سني 1200-1210، وكان بين يديه ما خلّفه الفرنسي كريتيان فضمّنه قصيدته في الكتب من 3 إلى 13، مضيفا لها أول كتابين وآخر ثلاثة كتب في عمله، إي مقدّمة العمل وخاتمته. غير أنَّ ما فعله فولفرام لم يكن نقلا جافا بل إعادة نظم وإبداع وتجديد وإضافة إذ جاء بنظم قصيدته في مقطوعات شعرية ثنائية القافية في نحو 25000 سطرٍ، قسّمها العلامة الألماني كارل لاخمان في أول طبعة نقديّة للقصيدة في سنة 1833 ستةَ عشر كتابا. إنَّ محور قصيدة بارسيفال هو البحث عن الغرال المقدّس Holy Gral، وكان هذا الغرال كأسًا عن كريتيان وصار حجرًا عند فولفرام. اكتسب الغرال رمزيّته وقداسته وسحريّته لأنه وفق الأسطورة كان الوعاء الذي جُمع به دم المسيح المسفوح على الصليب، ومعنى الغرال في الفرنسيّة القديمة كأس أو وعاء مصنوع من خشب أو معدن. لم ينل موضوع البحث عن الكأس/ الحجر المقدّس، المتكرر في الأدب الأوروبي، مكانته الأدبية السامقة ولا بلغ الغاية إلا على يد فولفرام كما يذهب ماريون جيبس وسيدني جونسون في كتاب German Literature of the High Middle Ages. فما صفة الغرال؟ إنَّ الغرال عند فولفرام حجرٌ مقدّس، ووصفه بأنه شيء، جوهره بالغ النقاء، بقية مما تركته الملائكة النازلة على الأرض بعد حرب إبليس والثالوث المقدّس، له قدرات عجيبة منها أنَّه لا يراه إلا النصارى ويُعمى عن إبصاره الوثنيّون، من يراه وإنْ كان مريضا مرضا مُهلكا تعود إليه صحّته وزهرة شبابه ولا يموت ما دام شابًا، يزوّد الناظرين إليه حول الخوان بكلّ طعام يريدونه وشراب، تحمله عذراء من النساء، يختار من يقوم على حفظه بأمرٍ من السماء في كتابة تظهر عليه ثم تختفي، مرتبطة بقراءة النجوم والفلك، محفوظ عند سلالة من الناس يقطنون قصر مونزالفايئشِه Munsalvaesche لا يبلغّه إلا من يعيّن الحجر المقدّس وصولهم بالاسم واختيارهم لصحبته، لذا فالبحث عنه سعيٌ وراء السراب ما لم يكن الأمر مقدّرا له من السماء، وما طلبُه إلا رمزا عن طلب المستحيل أو الغاية البعيدة لكنها الجديرة بالسعي. أما خبرُ الغرال وكيف تناهى إلى فولفرام فيجيب أن من مصادره ما عدا عمل كريتيان هو ما أتمّته شخصيّة سماها كيوت Kyot، يراه الدارسون اليوم من إبداع فولفرام وحيلة فنيّة منه بجعله واسطته كأن يقول “أخبرك كما أخبر كيوت”، ويقول في ختام القصيدة “إذا ما أخطأ السيد كريتيان دي تروا في شيءٍ في هذه القصة فإنَّ لكيوت، الذي جاءنا بالحكاية الأصلية، حقا في الغضب. قصَّ البروفانسيّ على الوجه الصائب مسعى ابن هيرزلويده في بلوغ الغرال إذ أُمِرَ مُقدَّرا له ذلك خلفا لأنفورتاس الذي حُرم منه. بَلَغتْنا الحكايةُ الأصلية بخاتمتها في بلاد الألمان من بروفانس”. يؤصل فولفرام لهذه حكاية بارسيفال بأنَّ كيوت عثر على النسخة الأصلية من الحكاية مكتوبة باللسان الوثنيّ، وهنا هو العربيّ، مرمية مهملة في أحد أركان مدينة طليطلة -حين كانت في سلطان المسلمين- فاضطر لتعلّم الأبجدية العربيّة ليفكّ حروفها وترجمتها إلى الفرنسيّة، ولولا أنّه نصرانيّ معمّد لبقيت الحكاية مجهولة له، إذ لن ينفع أي فنّ كافر في كشف جوهر الغرال ولا الخلوص إلى سرٍ من أسراره. بعدئذ شرع كيوت في قراءة الكتب اللاتينية بحثا عن القوم الذين يحفظون الغرام وفي أي بلاد هم، فقرأ كتب التاريخ عن بلاد كثيرة مثل بريطانيا وأيرلندا وفرنسا، ثم اهتدى إلى منقطة أنجو حيث عاش مازادان أول حافظ للغرال، ثم ورث حفظه أبناؤه من بعده حتى بلغ أنفورتاس أخي هيرزلويده، زوجة غاهمورت ووالدة بارسيفال اختاره الغرال حافظا له وملكا عليه. يلفتنا في خبر حكاية بارسيفال، وما جرى على كيتل في نقلها إلى الجرمانيّة من أصل عربيّ، ما يشابه ما كان في رواية دون كيخوته الشهيرة لسرفانتس. يقول راوي كيخوته إنّ القصة وجدها في كتاب عربي ألفه سيدي حامد بن الأيلي واختار مترجما لينقلها إلى الإسبانية. ورواية دون كيخوته كما هو معلوم رواية ساخرة من عصر الفروسية وأدب الفرسان القروسطي. يتكرر ذلك أيضا في قصيدة أوتنت Otnit الجرمانية يستهل الشاعر القول بإنه عُثر على الكتاب الحاوي لقصة الإمبراطور في سوريا ودفنه الوثنيون (أي المسلمون). تكشف هذه الأمثلة الثلاثة من أدب الفرسان الجاد والساخر عن حيلة أدبية في نسب المصدر المكتوب لحكاية الفارس الجوال إلى العرب، ويبدو أنها من العناصر الفنية في أدب الفرسان الأوروبي، سواء كان تقليدا عاما أو خاصا في بعض نصوصه، إذ نراه يغيب في نصوص قصائد أخرى مثل السيد غوين والفارس الأخضر وقصيدة وهوغديترش وفولفديترش، وإنْ كانت الأخيرة التزمت بهذا التقليد إذ نسبت مصدر الحكاية إلى كتاب قديم عُثر عليه في دير تاغموندي.

تنقسم قصيدة بارسيفال ثلاثة أقسام رئيسة تروي وقائع حياة ثلاث شخصيات، يخصُّ الكتابين الأول والثاني سيرة غاهمورت، فارس جوال بلغ الشرق الإسلامي وخدم ملك بغداد الباروك، ثم تزوّج بيلاكاين، الموريّة السوداء، ملكة مملكة زازامانك وأنجب منها ولدًا أبقعَ بلونين أبيض وأسود سمته أمه فيريفس، ثم هجرها حتى بلغ ويلز وتزوّج ملكتها هيرزلويده وأنجب منها بارسيفال قبل أن يرجع إلى بغداد للقتال في جيش الباروك ومات هناك. وتروي الكتب من ثلاثة إلى ستة طفولة بارسيفال حتى خروجه بحثا عن الغرال المقدّس. تدخل هنا الشخصية الثالثة وهو الفارس غاون (غوين)، أحد فرسان الطاولة المستديرة ومن رجالات الملك آرثر، وأخباره من الحكايات الآرثريّة المروية في القصيدة. كان الشاعر هارتمان الأويّ أول الشعراء الألمان الذي أدخل الحكايات الآرثرية إلى الأدب الألمانيّ بقصائده Eric وIwein وGregorius. تشغل مغامرات غاون، التي تتقاطع مع مغامرات بارسيفال، الكتب السابع والثامن ومن العاشر إلى الرابع عشر، ثم ترجع القصيدة إلى خبر بارسيفال في الكتب التاسع والخامس عشر والسادس عشر. تضمُّ القصيدة طيفا واسع من الموضوعات مثل مغامرات الفرسان، أخلاق الشهامة والقيم الفروسية، النزالات بين الفرسان والتحدّي والانتقام، عالم الملوك والبلاط ومراسيم الاستقبال والوداع، البحث عن الغرال المقدّس، حب النساء، إنقاذ الأميرات والممالك، الحبُّ والوفاء، حياة الزوجيّة والشرف، العلاقة بين النصارى والمسلمين، إلى ما سوى ذلك من موضوعات ثانويّة مضمّنة في وقائع القصيدة وأخبار شخصياتها. تتعدد الشخصيات في القصيدة وتضم لفيفا من الرجال والنساء، كان أغلبهم من الملوك والأمراء والفرسان وقلّما ظهرت شخصيات من عامة الناس وحتى الرهبان فلم يظهروا إلا في شخصيتين أو ثلاث. وامتدّت جغرافيا القصيدة لتشمل قارات العالم الثلاث الكبرى، آسيا وأوروبا وإفريقيا، مغطيّة بلادا كثيرة وأقواما متباينين في المظهر والمعتقد، وإنْ تشابهوا للمفارقة في الفروسيّة ونزالات الفرسان. ما ميّز عالم القصيدة هو غياب العدائية الدينيّة بين النصارى والسراسنة الوثنيين، بل إنّ غاهمورت قاتل في سبيل ملك بغداد الباروك، وتزوّج بيلاكاين الموريّة الوثنيّة، وكذا حال مع ابنيه فيريفس الوثنيّ وبارسيفال النصرانيّ إذ لم يفرّق بينهما اختلافُ معتقديهما. إنَّ عالم القصيدة قائم على الأعراف الفروسيّة وأخلاقها في استبعاد جليّ للنصرانيّة وإلزاماتها على معتنقيها في عداء الآخر الوثنيّ، ولم تشكل النصرانيّة فارقا بارزا إلا في حظر رؤية الغرال على الوثني حتى يعتنق النصرانيّة ويتعمّد، وهذا ما كان مع فيريفس.   

غاهمورت فارس بغداد

يشغل الكتابان الأولان -من أصل ستة عشر كتابا- في قصيدة بارسيفال الفروسيّة برواية أخبار الفارس غاهمورِت، وتجتمع لنا في أخباره عناصر عدّة ما بين مغامرات الفارس النصرانيّ في بلاد العرب، وقتاله في صف الوثنيّين (المسلمين) وخدمة ملكهم، وزواجه امرأة موريّة وثنية (مسلمة)، ثم هجره لها لأسباب منها عقيدتها الوثنيّة، يأتي كلُّ ذلك في قالب الرومانس الفروسيّ وعصر الشهامة البطوليّ في آداب القرون الوسطى الأوروبيّة، وغاهمورت مثال أصيل عن هذا العصر. تبدأ حكاية غاهمورت بوفاة أبيه غاندن ملك أنجو الذي يرثه ابنه الأكبر وحده دون سواه، على عادة البلاد، فيحزمُ غاهمورت أمره على مغادرة البلاد بحثا عن أميرة يخدمها فارسًا ويفوزُ بحبّها. تهدي السبيلُ الفارسَ الجوّال حتى يصل إلى بغداد، وحاكمها ملكٌ وثنيّ عظيم يحكم ثلثي الأرض يُدعى الباروك، ويُقيم في بلاد الوثنيّين بعاصمتها بغداد شريعته المشابهة بالعظمة لا المتن بشريعة النصارى المقرَّرة في روما. لا يرد في القصيدة أنّ بغداد عربيّة أو إسلاميّة لكن يغني الإشارة إلى دين أهلها الوثنيّ وعظمة ملكها الباروك إلى أنّ المقصد هو دين الإسلام وأنّ الملك العظيم هو أحد ملوك بني العباس، هارون الرشيد في الغالب. لم تكن وثنيّة هذا الملك مانعا من دخول غاهمورت في خدمته، ولا في إجزال الباروك في عطائه عليه بعد أن شاركه في حرب عدوّه حاكمي بابل، الأخوين بومبيوس وإبوميدون، اللذين غلبهما الباروك على ملك نينوى وسلبها من سلطانهما. أخذ يجول غاهمورت في بلاد العرب والوثنيّة (الإسلام)، وأبرزَ نفسه في ميادين الفروسية والبطولة من بلاد فارس إلى المغرب، مرورا بدمشق وحلب وجزيرة العرب وعاصمتها عرابي، فذاع صيته في هذه البلاد وألزم نفسه بخدمة ملك بغداد الباروك في أي حين احتاج فيه إلى نصرته. لا يستفيض الشاعر في الكلام عن غاهمورت في بلاد العرب إذ يروي أخباره بإيجاز لكنها كافية لبيان الطابع العام في علاقة الفارس النصرانيّ ببلاط الملك الوثنيّ. غادر غاهمورت بعد حين بغداد قاصدا مملكة زازامانك، وهي مملكة متخيّلة تقع في إفريقيا من غير تحديد موضعها على وجه اليقين، وهي في الغالب بلدٌ ما في شمالي إفريقيا إذ تطلُّ على البحر ومنها عبر الفارس بعد زمن من استقراره إلى إسبانيا. حكم مملكة زازامانك الموريّة ملكة تُدعى بيلاكاين، وأهل مملكتها من المور جميعا، يقول الشاعر “وكلُّ أهلها من المور، كلُّ رجلٍ فيهم وامرأة”، وهم من ذوي البشرة السوداء، يقول الشاعر واصفا لونهم “وأهل زازامانك سودٌ كالليل جميعا”، ويقول “رأى نساء بلون الغلس على جانبيه لهنّ من اللون ما يشبه سواد الغُراب”، على النقيض من بشرة غاهمورت “لون بشرته يختلف عن لوننا”. علّم اللون أول فرق جليّ ما بين غاهمورت والمور، لكنه لم يكن مانعا من أن تهوي الملكة بيلاكاين في غرامه ولا أن يحجز غاهمورت معتقدها الوثنيّ من أن يكون فارسها ثم زوجها، إذ كان لها من سمات النصرانيّة والمعمّدين ما جعلها قريبة من قلبه. يقول الشاعر واصفا ما جال في خلد غاهمورت بعد أن جالس الملكة وسمع كلامها عما أصابها “بدا لغاهمورت أنَّها على وثنيّتها لا تزال روح الأنوثة الشفوق معتلجة في أحنائها وما سُلبت من قلب هذه المرأة. لها من التواضع ما تجده في التعميد النقي، كأن المطرَ هطل عليها، حين فاضت عينيها بالعبرات على نحرها السمّوريّ [أي الأسود أو المغطى بثوب من السمّور]”. كانت مملكة بيلاكاين في حصار من عدوّها وأتباع فارسها الأول وخطيبها إيزنهارت الموريّ، رجلٌ موري لا يفرق عنها في لون البشرة، إذ اتّهموها بالتدبير لقتل مولاهم. أحبَّ إيزنهارت الملكة لكنها لم تبدِ له ما في نفسها، وإنْ بادلته الحبّ في نفسها، وجعلت تطلب منه إثبات جدارته في ميادين الفروسيّة والقتال، حتى أراد تأكيد بأسه وحبّها في صدره فأخذ ينافس الخصوم متجرّدا من درعه وخوذته. قاد إيزنهارت الحبُّ والتهوّرُ إلى مهلكه فصُرع في مباراة المداعسة بالرماح Jousting، فثار على الملكة بيلاكاين أتباع إيزنهارت وحاصروا مملكتها وغزاها أعداء آخرون من الإسكتلنديين والإسبان. حملَ مقدمُ غاهمورت الأملَ بهيئته البطوليّة وفروسيته الظاهرة وما ناله من صيت بخدمة الباروك، فوضع نفسه في خدمتها ومنازلة أعدائها وردّهم عن مملكتها، وتحقق النصر وجلاؤهم على يديه. تزوّج بعدئذ غاهمورت وبيلاكاين وصار ملك زازامانك. غير أنَّ ما قضَّ مضجع غاهمورت بعد حين اشتياقُه إلى ميادين الفروسية ومباريات الأبطال ومبارزة الرجال فحزم أمره على أن يهجر بيلاكاين الموريّة في جنح الظلام عابرا إلى إسبانيا، وترك رسالة لزوجته الحبلى بابنه يعلمها بمغادرته مملكتها. أخبر غاهمورت في رسالته الموجزة زوجته بحبه لها، ومتعذّرا أن هجره إياها بلا وداع رأفة بها وحفظا لدمعها، وواعدا إياها أن ابنهما إنْ كان ذكرا سيكون رجلا هماما مفصحا لها عن سلالة آبائه، غير أنَّ الرسالة تنتهي بسطر يُظهر ويُبطن ويصرّح ويتناقض إذ يقول لها “سيدتي ما زال يسعك الفوز بحبي إذا ما تعمَّدتِ”، فما كان جوابها بعد أن قرأت السطر إلا أنّ قالت “ما أعجلني على القيام بذلك! سأعتنق النصرانيّة سريعا لو أنه يعودُ إليَّ لا غير”. لم يُبدِ غاهمورت في حياته قبل بلوغه مملكة بيلاكاين، ولا بعد مغادرتها، أيّ تزمّت نصرانيّ، ولا كان مؤمنا مخلصا معاديا للوثنيّة وأهلها مثل البطل الصليبيّ في قصائد أخرى، فنراه خدم الباروك الوثنيّ ونال عنده حظوة ثم رجع إليه أيضا بعد زواجه الملكة النصرانيّة هيرزلويده ومات في سبيله. على النقيض من ذلك فهو فارس يتصرف وفقا لقيم عالم الفروسيّة ونبله، وما هجره زوجته بيلاكاين إلا لرغبته في العودة إلى المنافسات الفروسيّة التي افتقدها في زازامانك، لذا فإنّ وعده لبيلاكاين أنّها ستفوز به إذا ما تنصّرت، لا ينسجم وطبيعته السمحة وخُلُقه النبيل لا سيما أنه تزوّجها مع أنها وثنية. أكّد غاهمورت هذا لاحقا حين صارح قريبه عن سبب هجره بيلاكاين “ربطتني السيدة إليها حفظا لحياتي من الأخطار وما نتج عن ذلك إلا أن صرتُ خلوًا من القتال. ظننتُ أن المداعسة بالرماح ستخلّصني من همودي وكسلي، وهذا ما وجدته في هذي البلاد. يحسبُ الجهلة اليوم أني هجرتها فرارها من لونها الأسود، غير أنّها في عينيّ أنصعُ من الشمس! إنّ خاطرًا يجول في صدري عن أنوثتها الجليلة ليصيبني بالغمّ فلو كان النبلُ ترسا لكانت هي بَرْزَته. هذا هو كربي الذي يُحزنني، وكربٌ آخر سواه. رأيت شعار أخي [الملك] قد حُملَ معكوسا [أي مات]”. ثم بعد أن تزوّج هيرزلويده وأرادت أن تُبعده عن المنافسات الفروسيّة أنكر عليها ذلك وأخبرها أنّها سيفرُّ منها دون علمها كما فرَّ من زوجته الأولى وأنّه ما نسي حيله، فنزلت الملكة على طلبه وتركته يُقيم المنافسات. إنَّ ما دفع غاهمورت لهجر بيلاكاين لم يكن دينها ولا لونها ولا عيشه معها إنما حماسه المتّقد للقتال والمنافسة في الميادين، وهذا ما ساقه في آخر المطاف إلى حتفه. لا يعيش أمثال غاهمورت إلا على صهوات الجياد كأنهم ممسوسون بالنزال. غير أنّ السؤال الذي لا بد منه لمَ قال قولته تلك التي تركت زوجته في وهمٍ وذنب؟ ربط غاهمورت ما بين نصرانيّة بيلاكاين وفوزها به، لكنه أبطن قولا لم تخطئه أذناها إذ جعل وثنيّتها سببًا لهجره إياها، حتى ما توانت في القول إنّها ستتنصّر لو رجع إلى أحضانها. يتراءى أنَّ غاهمورت كان بحاجة إلى عذرٍ يسكت عنه تأنيب ضميره بهجره زوجة لم تخطئ إليه في شيء، وهذا ما نراه في اعترافه أنّ هجرها يكربه ويؤذيه، ويرفع بهذا العذر التهمة عن نفسه في عين بيلاكاين أنّ جعلها تشعر بالذنب وأنها السبب في تركه لها. أما وثنيّة بيلاكاين فلا تشغل شيئا في نفسه إذ نراه يرجع إلى خدمة الملك الوثني الباروك حين وصلت إليه رسالة تكشف عن حربه عدوّيه الأخوين، وقتاله ببأس شديد من في سبيل الباروك. تُركت بيلاكاين الوثنيّة في شقاء الأنثى المغلوبة على أمرها بعاطفتها والمكلومة بحبٍ رجلٍ هجرها، وما زاد بلاءها أن أنجبت ابنا من غاهمورت لونه مزيّج مرقّع بين الأبيض والأسود، يشبه طائر العقعق، أسمته فيريفس Feirefiz (أي الابن الملوّن). وغاب ذكرها ومصيرها بعد ذلك حتى ختام القصيدة على لسان ابنها حين أخبر أخاه بارسيفال “ماتت زوجته التي حبلت بي توقا إلى الحبِّ الذي فقدته فيه”. تزوّج غاهمورت النصرانيّ بيلاكاين الوثنيّة، وأحسنَ إليها في أيامهما معًا وما أساء إلى جنابها، لكنه زواج فارس وملكة في عالم قائم على أعراف الفروسية وأخلاقها النبيلة لا الصراع الدينيّ بين الإسلام والنصرانيّة، وإنْ شكّل اختلاف المعتقد سببًا ظاهرا لفرقتهما بعد حين من الزواج.

قادت هذه الأعراف الفروسية غاهمورت النصرانيّ، بعد زواجه الملكة هيرزلويده، إلى خدمة الباروك الوثنيّ في بغداد كرّة أخرى. غزا بغداد مملكة الباروك الأخوان البابليان بومبيوس وإبوميدون، وهما سليلا رجلٍ يُدعى نينوس أسّسَ نينوى وحكمها في زمن يسبق تأسيس بغداد، وخالهما كان الملك نبوخذنصّر. تبدو هذه السيرة المتخيّلة عن هذين الملكين مستمدّة من كتابات العهد القديم عن ملوك وادي الرافدين، والجغرافيّة العراقيّة مزيج من المعرفة الكلاسيكية التوراتيّة والصليبية إبّان الحملات الصليبية على المشرق. قاتلَ غاهمورت في جيش الباروك في سهول بغداد، وبسبب الحرّ الشديد في هذه البلاد خلعَ غاهمورت زَرَده ثم بحيلة شعوذة وثنيّة لطّخ فارسٌ وثنيّ خوذته المتينة “أدامانت” بدم ماعز حتى صارت طريّة خاسرة ما لها من قوّة تحفظه في القتال. تأتى من ذلك أن مات غاهمورت متأثرا بإصابته من ضربة إبوميدون عندما تداعسا بالرماح. رجع بجثمان الفارس المقتول إلى بغداد فتولّى الباروك شأن جنازته وأغدق عليها فرُصّع قبره بالذهب والجواهر وأنفقَ عليه نفقة جليلة. يتباين الفرق عند الدفن بين النصرانيّة والوثنيّة إذ يطلب أصحاب غاهمورت أن يدفنونه على الشعيرة النصرانيّة وأن يضعوا الصليب على قبره، وكان لهم ما أرادوا. نقشَ الوثنيّون على خوذة غاهمورت قبل أن يثبّتوها على قبره ترجمة موجزة لحياته، يلفت انتباهنا فيها قولان الأول: “ولد في أنجو وقضى نحبه في بغداد في سبيل الباروك”. والآخر: “ليس من الكذب بل هو الصدق الصراح أنَّ موته أغمَّ السراسنة”. أجلَّ السراسنة الوثنيّون، كما يذكر راوي خبر وفاته على مسامع زوجته الويلزيّة، غاهمورت بعد وفاته مثل آلهتهم، وما في ذلك من تأكيد الرابطة المتينة التي جمعتهم به. يغيب الفارق الدينيّ عن سيرة غاهمورت، الذي ولدًا في بلاد النصارى ومات في بلاد الوثنيّين، ولا يفصل بينه وبين السراسنة فاصلٌ بدءًا من خدمته في بلاط الباروك ببغداد إلى زواجه الموريّة الوثنيّة بيلاكاين، وبيّنا كيف أنّ النصرانيّة لا تدخل في قرارات غاهمورت ولا تحفّز أفعاله وتثبّطها إلا ما تذرّع به عند هجره بيلاكاين، سوى ذلك فإنّ ما يحكم غاهمورت هي شهامته وأخلاق فروسيّته الرفيعة.

بارسيفال والبحث عن الغرال المقدّس 

تروي القصيدة سيرة بارسيفال منذ طفولته حتى أصبح ملك مونزالفايئشِه وحافظ الغرال المقدّس، وعلّمت هذه السيرة أخطاء بارسيفال المتعددة. نشأ بارسيفال في معزلٍ عن الناس في غابة بعد أن قررت أمه هيرزلويده، بعد مقتل أبيه غاهمورت المهووس بالنزال والمداعسة بالرماح، إبعاد ابنها الوحيد عن عالم الفروسية ومنافساتها حبا له وخوفا عليه من مصير أبيه. غير أنَّ ما قُدِّر على بارسيفال هو أن يتبع خطى أبيه في الفروسية، فكان أن مرَّ فرسان بالغابة قريبا منه فهاله منظرهم إعجابا، ولحداثة سنه وجهله إلا ما حدّثته به أمه عن الرب، حسبهم الإله أو ذوي مظهر إلهيّ، فدهش بهم وبلباسهم الفروسي الذي وقع في نفسه. رجع إلى أمه يحدّثها عما رآه وأنه راغب في أن يكون فارسا ويلحق بنظام الفروسية الذي يرأسه الملك آرثر، لتدرك هيرزلويده حينئذ أن ابنه مقدر عليه أن يكون فارسا فما منعته من الانطلاق، ولم تمنحه ثيابا جيدة ظنا منها أنّه سيعود إليها إذا لم يلق التعامل الحسن من الناس، وكذلك أوصته بوصايا قليلة منها أن يكسب ودّ السيدات ويقبّلهن معانقا إياهن إن سنحت له الفرصة آخذا منهن خاتما، وأن يتبع نصح الشيخ الأشيب، إذ إنها تفتقر إلى معارف الرجال وأصول الفروسية لتمنحها لابنها الصغير. ماتت هيرزلويده حالما فارقها ابنها الذي انطلق يجول في البلاد ليكون فارسا على ذلك المثال الذي أبصره وأُعجب به. بدأ الفتى أول أخطائه حين صار عند خيمة الدوقة يشهوته، وكان زوجها الدوق أوريلس في الخارج بعيدا عنها، دخل الفتى الخيمة ولما رأى المرأة تذكّر وصية أمه بكسب ود السيدة وتقبيلها وأخذ خاتمها، وحسب أنّ ذلك يكون برغبته حتى لو رفضته المرأة فهجم عليها مقبلا ومعانقا وسالبا خاتمها، ثم غادرها في حال يرثى لها، وعندما أبصر الدوق أوريلس زوجته ساعة عودته على تلك الحال ظنَّ بها السوء والفاحشة، فما كان منه إلا أن أساء إليها وجعلها تعيش في شقاء سنوات. علَّم بارسيفال أول أخطائه التي سيصححها بعد حين ويردُّ إلى الدوقة شرفها المهان رافعا عنها عارها ومُصلحا ذات بينها وزوجها. وثاني أخطائه حين قصد بلاط الملك آرثر طالبا منه أن يتوّجه فارسا فأرسله إلى فارس يُدعى إيثر ليقاتله ويسلبه لأمته وجواده، فنازله وقتله، وعرف بعد حين بخطئه الفادح هذا حين علم أنَّ الفارس المقتول قريبُه، لكنها خطيئة لا تصحيح لها إلا بالتوبة. أما ثالث أخطائه فكان أن بلغ موضعا من البلاد ليلا فالتقى رجلا دعاه إلى المبيت في قصر مونزالفايئشِه، كان سكان القصر في حزن وصاحبه في أذى أصابه، ثم رأى طقوسا ترافق الغرال المقدّس قبل أن يعلم ما هذا الذي يراه، وبات ليلته تلك دون أن يتعب نفسه بسؤال صاحب القصر عن حاله، ثم غادر في الصباح القصر بعد أن أبصره خلوًا من أهل البارحة. كان هذا الرجل المريض أنفورتاس، الملك والقائم بحفظ الغرال، وهو خال بارسيفال لكنه لا يعرفه ولا الغرال. علم بارسيفال خطأه أول مرة حين رجع إلى بلاط آرثر، بعد أن صار من فرسان طاولته المستديرة، وفي جلسة لهم اقتحمت عليهم امرأة تعرف باسم الساحرة كوندري لا سورزيري، وأخذت توبّخ آرثر وتحطّ من سمعة الطاولة المستديرة وفرسانها، ثم توجّهت بالخِطاب إلى بارسيفال ساخطة عليه لخطئه حين لم يسأل صاحب قصر مونزالفايئشِه المريض عن حاله وأنّه قد رأى بأم عينه الغرال، وما ارتكب بذلك الخطأ من خسارة ثراء عظيم وكنوز كثيرة، ثم خرجت من عندهم تاركة إياهم في ذهول. عزمَ بارسيفال حينئذ أمره على الخروج بحثا عن القصر والغرال، وفي رحلته بحثه بلغ موضعا من البلاد التقى عنده في غابة ناسكا يُدعى تريفريسنت يعيش في معزل عن الناس، وأخذ يقصُّ عليه ويخبره بأمور منها ما يخص الغرال، فأعلمه أنّ الملك أنفورتاس جُرح في نزال لم يشف منه، وبقي أهل قصر مونزالفايئشِه يدعون الغرال أن يشفيه بعد أن عجز الأطباء عن شفائه، وفي الأخير ظهرت رسالة على الغرال أن شفاء الملك أن يقبل عليهم امرؤ، رجل أو امرأة أو صبي، ويجالس الملك فإذا سأله عن مصابه سيُشفى الملك بعدها لكن سيسلب ملكه، فجاء هذا المرء لكنه لم يسأل الملك عن حاله فحُرم بسبب ذلك من الشفاء. أدركَ بارسيفال ساعتئذ أنّه هو المقصود من خبر الناسك، الذي علم منه أنّه خاله أيضًا وأخو أنفورتاس، وأنّ إيثر قريبه من سلالة أبيه، وكان زوج أو عاشق عمّته لاميري، وأنَّ أمّه هيرزلويده ماتت بعد أن فارقها. تكشّفت لبارسيفال سلالة عائلته من طرفي أمّه وأبيه، وأدرك ما ارتكبه من أخطاء فادحة، لكنّها أخطاء عن جهلٍ منه ولغرارته. برز بارسيفال فارسا شجاعا يطوّح بالخصوم، وكانت أولى مآثره حين أنقذ مملكة الملكة كوندفيرامورس من حصار أعدائها، ثم تزوّجها وصار ملكا على مملكة بروبارز. ثم التحق بعد ذلك بنظام فرسان الملك آرثر، وأثبت بالبأس نفسه حتى كان من خبره ما كان مع الغرال. بقي بارسيفال يبحث عنه لكنه لم يوفّق إلى ذلك، لأن الغرال هو من يختار صاحبه والملك. وتحقق له ذلك في آخر المطاف حين ظهرت رسالة على الغرال تختار بارسيفال ملكا خلفا لأنفورتاس وحافظا للغرال، فجاءت رسولة الغرال الساحرة كوندري تبشّره بأن الغرال اختاره وزوجته كوندفيرامورس وابنه لوهيرانغرن لصحبته. سعد حظ بارسيفال بعد تعاسته، وصُحح خطؤه حين لم يسأل أنفورتاس عن مصابه فسأله عند اللقاء عما يؤلمه، وألفى بارسيفال نفسه إثر ذلك الملك والحافظ للغرال، إذ كان مقدّرا له لا لسواه.    

غاون في عالم الفرسان

حازت على نصف القصيدة تقريبا مغامراتُ الفارس غاون (أو غُوَيْن)، واحد من فرسان الطاولة المستديرة وابن أختِ الملك آرثر. غاون من الفرسان المشهورين في الحكايات الآرثريّة، وقصيدة السيد غوين والفارس الأخضر من أشهر القصائد الإنجليزية الآرثريّة، إنْ لم تكن أشهرها، وهي رحلة فروسية فاضلة ينطلق فيها غوين من أجل تلقّي ضربة من الفارس الأخضر استجابة لنداء شرف الفارس. على غرار تلك الرحلة يُنطلق غاون من أجل مبارزة تحدّاه بها رسول الملك فيرغولاهت الذي اتّهمه بقتل أبيه، حفاظا على شرفه وصيته فارسا لا يرفض تحديا ولا يحجم عن نزال. تروي القصيدة خبر غاون في ثلاث وقائع، الأولى حين انخرط الفارس غاون في خصومة الدوق لايباوت والملك ميليانز إثر سخرية ابنة الدوق أوبي من الملك، فقاتله غوين باسم أختها أوبيت وأسره جاعلا إياه أسيرها، ثم حلَّ الصلح بين الدوق والملك. والثانية ما كان بين غاون والملك فيرغولاهت إذ انقسم قوم الملك بين الصلح والقتال، ثم تبيّن له أنّ غاون بريء من دم أبيه وقتله فارس آخر يُدعى إيكهونت. نال غاون في قصر شانبفانزن ودَّ الأميرة أنتيكوني، أخت الملك فيرغولاهت، ومعونة الفارس كينغريمورسل، ثم طلب منه الملك أن يسعى نيابة عنه في طلب الغرال. والثالثة ما كان بين غاون والدوقة اللعوب أورغليزه، ثم تحرير الأميرات من الغرفة المسحورة في القصر، انتهاء بنزوله على طلب أورغليزه في نزال الفارس غراموفلانز الذي قتل حبيبها سيديغاست، إذ أرادت الانتقام منه بغاون، وكان الأخير راغبا في كسب ودّها وحبّها في كلّ ما سألته. تعلِّم هذه الوقائع الثلاثة أنَّ مهمة غاون الرئيسة في الحفاظ على النظام الفروسيّ والعدالة بين الناس والإصلاح بينهم، فهو لا يقاتل بحثا عن المجد أو الزهو بالنفس، وله من الصيت والذكر ما له، إنما يقاتل إحقاقا للعدالة وتوفيقا بين الناس وفي سبيل السيدات إذا ما أصابهنّ شر مثل أورغليزه وأميرات القصر المسحور. لا يمثل غاون النظام الفروسي حَسْب بل يقوم بمسؤوليات الفارس في عالم الفرسان، واليد التي تُرسّخ النظام وتحافظ عليه وتردّ المنتهكين عنه. غاون مُلزمٌ بأعراف هذا النظام مُبديا تمسّكا صارما بكلّ ما يُحتّم عليه من قبول النزال والتحدّي حتى لو كان بريئا من الجرم المتّهم به، وتكسب حياة الفارس غاون قَدْرها وصيتها بقدر ما يقدّمه في سبيل هذا النظام وخدمة السيّدات. يتجلّى في الواقعة الثالثة طبيعة هذا العالم الفروسيّ ونظامه، فالدوقة التي بدا أول الأمر أنها لعوب تريد أن تُودي بحياة غاون حين أرسلته في غير مهمّة تبيّن أنّها حزينة على وفاة حبيبها وتريد الثأر، وما ردّها غاون المتلهّف لخدمتها وبعثه إلى المخاطر إلا لتصرفه عنها أو يثبت جدارته في الثأر لها. طلبت أورغليزه من غاون أن يأتيها بغصن شجرة من أرضٍ، لم يعرف أنها مُلك غريمها الفارس غراموفلانز، وحين اقتحم أرضه آخذًا الغصن ظهر له الفارس وتحدّاه في نزال، ولما عرف أنه غاون اتّهم أباه لوت بقتل أبيه فطلبَ نزاله في يوم معلوم وقبل غاون بالنزال، واتّفقا أن يتقاتلا في حضور حشد من قوميهما. صارحه غراموفلانز قبل أن يعرف حقيقته أنّه يحب إتونيي وطلب من غاون أن يكون رسوله إليها، وإتونيي هذه أخت غاون. في هذا الجو العصيب المتشابك الأحداث والعلاقات ونزالات الثأر يحلُّ الصلح بين هؤلاء، إذ يوافق غاون وغراموفلانز على تجاوز العداء، بوساطة الملكين آرثر وبراندلدلن ورضا أورغليزه، بأن يكون مقتل أبي غراموفلانز مقابلَ قتل سيديغاست، وأن يوافق غراموفلانز على ذلك من أجل حب إتونيي وتوافق أورغليزه بترك ثأرها من أجل حب غاون. يلوّن الحبُّ ومسعى الفارس النبيل في خطب ود السيدة هذا العالم الفروسيّ، فللنساء مكانتهنّ ودورهن في العداء والصلح، ويبقى الهدف في هذا العالم -وإنْ وقعت فيه انتهاكات تدنّس شرف الفارس- في التزام الفارس بالشهامة، وهو عصب الفروسية، والمحافظة على نزاهته وشرفه، وصيانة العالم من الشرور والأشرار، وبسط العدالة، وخدمة السيدات. لم يخرج غاون بحثا عن مادة أو طلبا للصيت إنما خرج التزاما بالفروسية ونظامها الذي انخرط فيه وألزم نفسه بأعرافه، على العكس من غاهمورت الراغب في النزال والمنافسة وبارسيفال الباحث عن الغرال، فهو يخرج بعد أن تمَّ له ما أراد من صيت الفارس في الطاولة المستديرة وجزءا من بلاط خاله الملك آرثر، أي إنّ خروجه في سبيل الحفاظ على شرفه من جهة وعلى النظام الفروسي من جهة ثانية. وهذا النظام بحاجة إلى أمثال غاون أكثر من حاجته إلى أمثال غاهمورت وبارسيفال، فمسعى هذين الأخيرين ينطلق من الغاية الشخصية إلى غاية عالم الفروسية ونظامه وأعرافه، أما مسعى غاون فمنبثق في أن غايته الشخصية تابعة لغاية عالم الفروسيّة لا مقدّمة عليها ولا مفضّلة عليها، وفي صيانته هذا العالم وحمايته من الخراب والانهيار يحقق غايته الشخصيّة، التي بكل حال من الأحوال تشبه غايات بقية الفرسان في الصيت والشرف وحب النساء، ويتوّجها غاون بزواج الدوقة أورغليزه.   

فيريفس وحب النساء 

يظهر في خواتيم القصيدة الملكُ والفارسُ فيريفس، وهذا ابن غاهمورت من زوجته بيلاكاين الموريّة وأخو بارسيفال. علّم النزال أول لقاء بينهما فتقاتلا قتالا بئيسا رجحت فيه كفّة فيريفس قبل أن يتعارفا ويكتشفا أنّهما ابنا أبٍ واحد. تميّز فيرفيس بأنّه أبقع اللون مزيج بين الأبيض والأسود، فهو ثمرة زواج غاهمورت الأبيض النصرانيّ وبيلاكيان السوداء الموريّة الوثنيّة، وعلى دين أمه الوثنيّ وخضع لسلطانه المور والسراسنة. لكنّ المستغرب في معتقده أن ظهر فيريفس يعبد جوبيتر وجونو، الإلهين الرومانيّين، وكثيرا ما وصفه الشاعر بـ”الكافر”، مخالفا في ذلك التقليد الأدبي والعُرف في أن السراسنة يدينون الدين الوثني (الإسلام) ويعبدون الإله محمد بجوار آلهة أخرى، واكتفى بأنْ جعل فيريفس يُظهر إيمانه بهذين الإلهين. جدير بالذكر أنَّ الشاعر لم يُظهر معتقد السراسنة والمور في القصيدة قبل آخر كتابين، ووصفهم بالوثنيين من دون التطرّق إلى عباداتهم أو الآلهة التي عبدوها، وإنْ صرّح على لسان فيريفس بعبادته حشد من الآلهة إذ يقول لأخيه “إنَّ آلهتي جميعا جذلى بهذا الخبر [أي لقاؤهما]. لتهنأ إلهتي جونو بمجد هذا! ما هذا إلا ببركة جوبيتر العظيم التي أنعمها عليَّ”، والراجح أنّها الآلهة الرومانيّة وليس لها علاقة بالآلهة التي عبدها السراسنة أي أبولو وتيرفاغانت ومحمد. اختار بارسيفال أخاه فيريفس ليرافقه في رحلته إلى الغرال بعد أن اختاره ملكا، لكنه كان كافرا ولا يرى الغرال إلا النصرانيّ المعمّد، وتعجّب فيريفس أول أمره حين رأى الشراب يملأ الكؤوس من العدم فدعوه إلى الإيمان بالنصرانيّة وإلهها وترك الوثنيّة وآلهتها. فكيف آمن فيريفس؟ أحبَّ هذا الفارس النساء حبًّا جمًّا، وظهر في هيئة سلوكيّة هزليّة حين يتعلّق الأمر بهنّ، ووصفه الشاعر بأنّه “راغب في جائزة النساء، ومن أجل ذلك زيّن نفسّه وتأنق بأبهة وجلال”، ووصفه في موضع آخر “لازم هذا الكافر شيئان اعتمدت قوّته عليهما. الأول أعزَّ الحبَّ [في مسعى النساء] فاستوطن قلبه برسوخ، والآخر الجواهر بفضائلها النقيّة والنبيلة التي منحته الحافز وشدَّت من بأسه”. غير أنَّ هذا الحب ليس مقصورا على واحدة، فحيث رأى سيدة حسناء أحبّها ورغب في كسب ودّها، فهذا الفارس صورة ساخرة متهكّمة من فرسان عالم الفروسيّة المولعون بخدمة النساء والسعي في نيل رضاهن ومحبّتهن، وسواء كان هذا التصوير الهزليّ لشخصية فيريفس مقصودا من الشاعر أو عَرَضَيًا فقد سخر ضمنًا من هذا الولع الفروسيّ بالأميرات. أو لعلّ الشاعر صوّر فيريفيس على تلك الحال لأنه موريّ وثنيّ ليست الفروسيّة جزء أصيل من عالمه، وإنْ كان هذا التفسير لا يقرّه عالم القصيدة الفروسيّة المنتشر في طول البلدان وعرضها. تميّز فيريفس عن أقرانه بهذا الاندفاع الأهوج نحو النساء، زاد غرابته أو هزليّته لونه الأبيض والأسود الذي لفت الأنظار إليه دهشة وعجبا، فضلا عن ثرائه الكبير العجيب. فارسٌ همام وملكٌ عظيم في إمرته ملوك وجيوش كثيرة، وابن الملك الفارس الشهير غاهمورت، بلون أبيض وأسود، ووثنيّ المعتقد، وبحبّ كبير للنساء، صفات تجمع بين الجد والهزل والطرافة والصرامة لكنها كفيلة لرسم صورة هازئة من الفرسان جميعا. لم يكن فيريفس خلوا من امرأة تكرمه بفضلها ومحبّتها إذ ربح ودَّ الملكة سيكوندلي، وقال عنها “إذا ما ألمَّت بي ملمَّةٌ فإني أصوّب فكري إليها وهواجسي، فيقبل عليَّ حبّها معينًا لي في بأسائي، واهبا لي من العزم ما يفوق مقدرة إلهي جوبيتر”، ويقول “منحتني ملكتان عظيمتان حبَّهما، أوليمبيا وكلاودتي. وسيكوندلي الساعة هي الثالثة. لقد فعلت الأفاعيل في سبيل حبِّ النساء”. لكنّه حين يبصر العذراء الحسناء ريبانسي دي شويي، خالة بارسيفال، يهوي في غرامها ناسيا كلّ النساء سواها، وكلّ ملكة وهبت له محبّتها وفضلها، وما عاد راغبا في شيء إلا أن يزوّجه بارسيفال خالته فيسأله قائلا “زوّجني خالتك” فيجيبه بارسيفال “إذا ما رضيت أن تتعمّد ستكون في مقام يتيح لك السعي في طلب حبّها أيها العزيز”. وما جواب فيريفس إلا أن سأله التعميد بل إنْ كان التعميد ينال بالقتال فهو على أهبة الاستعداد لذلك، يُضاف جهله وخفّة عقله إلى صورة فيريفس الهزلية، فيضحك من جوابه الحضور. يعلمه بارسيفال أنَّ عليه أن يترك عبادة جوبيتر ويتخلّى عن حبّ سيكوندلي، وأنَّه “لو كنت راغبا في خالتي فعليك أن تتخلّى عن كل آلهتك من أجلها، وتكون على أهبة الاستعداد دائما لقتال أعداء الرب العالي، وتلتزم بإيمان وصايا الرب”. كان فيريفس مأخوذا بالعذراء وراغبا في فعل أي شيءٍ من أجل الفوز بها وزواجها فأجابه “أضمن لك فعل أي شيء في أجل الفوز بالعذراء، وسيتحقق كلُّ شيء وتبصره على التمام وعن إيمان”، وأقرَّ “نقضت عهدي مع سيكوندلي، وأنكرت كلّ فضلٍ شرّفتني به. باسم ربِّ خالتك عمّدني”. تعمَّد فيريفس منكرا آلهته ونساءه من أجل ريبانسي دي شويي، فلا هو أظهر تمسكا بمعتقده ولا وفاء لامرأة أكرمته بحبّها وفضلها، بل جعله حبُّ النساء غير المشروط في حلٍّ من كل التزام، وهو في ذلك نقيض أخيه بارسيفال الذي ما كان ليطلب خدمة أميرة ولا يسعى في كسب فضلها بعد أن تزوّج كوندفيرامورس. تكتمل عند ذلك صورة فيريفس متجاوزة في فعالها نموذج الفارس المثالي الذي جسّدته على مثالبها شخصيات مثل غاهمورت وغاون وبارسيفال، ويقف نموذجا محاكيا ساخرا، ولا ريب بعد كل ما أوردنا أنَّ تصويره لم يكن عرضيا بل هو انتقاد من فولفرام لهوس الفرسان بالنساء، وكيف أنّ بعضهم أو كثيرا منهم سيتخلّى عن حبّ امرأة من أجل امرأة أخرى، بل ليهجر حتى دينه إذا كان المقابل الفوز بامرأة. أبدى غاون هوسا ورغبة محمومة بالدوقة أورغليزه دفعته إلى خوض الصعاب ونزال الفرسان، لكن ما فعله فيريفس هو ضرب مثالية الفارس بحبّه المنفلت للنساء متجاوزا كلّ حدٍ ومتفاديا كلّ عارض. يقول أنفورتاس عند وداع فيريفس الذي سيرجع بأخته إلى مملكته زازامانك “لن أنكر نظامي، سأركب في نزالات كثيرة، مقاتلا في خدمة الغرال، ولن أقاتل أبدا بعد من أجل حبّ النساء. كانت امرأة أنزلت الأسى المرير على قلبي… لكني تركت كراهية النساء ورائي. إنهن يلهمن الرجال بحماس رفيع، وإنْ جنيتُ إلا قليلا منهن”. يبدو أنفورتاس، بعد أن شفي من مرضه وخلفه بارسيفال في الملك، قد أدرك أنّ حبَّ الفارس للنساء مهما كان ذا فضائل فلا ينال منه إلا الضرر والأذيّة. ولعلّ في إقراره الأخير سؤالا عن جدوى هذا النظام الفروسيّ بكامله، وأنّ خدمة النساء فيه، من سيدات وأميرات، لا تستحق في آخر المطاف كلّ هذه الجهود والدماء.                    

معرفة فولفرام العربيّة 

تكشف ملحمة فيلهلم وقصيدة بارسيفال عن معرفة عربيّة لدى الشاعر فولفرام، وإنْ لم تكن كلها بالمعرفة الجليلة أو الصحيحة، لكنها تبقى معرفة مبثوثة في شعره وتعبّر عن ثقافة شاعرها بأهل زمانه ممن عرفهم عن قرب وسمع بهم عن بُعد. وحين نتحدث عن شاعر ألمانيّ، عاش ما بين أواخر القرن الثاني العشر وبواكير القرن الثالث عشر، مع ضعف الصلة والاتصال بين العالم العربي الإسلامي والعالم الجرمانيّ النصرانيّ إلا ما كان في الحملات الصليبية أو العلاقة بالأندلس وصقلية أو تناهى من الكتب العربيّة أو الأخبار الشفويّة فإنَّ لهذه المعرفة مكانتها عند قراءة شعر فولفرام. يسعنا تقسيم معرفة فولفرام العربية أربعة أقسام، الأول الجغرافيّا، والثاني اللغة، والثالث علم الفلك، والرابع مزايا العرب (يشمل القماش والثراء والخيل والدين وكتاب الحكاية). يظهر القسم الأول في سيرة الفارس غاهمورت إذ يصل الفارس إلى بغداد ويقاتل في خدمة الباروك، ويشتهر ذكره في فارس وبغداد ونينوى وبابل وجزيرة العرب وعاصمتها عرابي ودمشق وحلب والمغرب انتهاء ببلاد المور في شمالي إفريقيا. وفي ملحمة فيلهلم فإنَّ البلاد الواردة كثيرة وتقدّم صورة كبيرة عن البلاد العربية والإسلامية، إضافة إلى ما سبق وأُخَر متخيلة، مثل مكة، وسمرقند، والمنصورة، والإسكندرية، وتركاني (تركيا). ومع أنّ في ملحمة فيلهلم كانت البلاد المذكورة لبيان عظمة جيش السراسنة وكثرة جنده فإنَّ قدوم غاهمورت على بغداد وملكها الباروك في قصيدة بارسيفال جعل من البيئة العربية مكانا يتحرك فيه بطل القصيدة، وهذه البلاد جزء من جغرافيا القصيدة. لا يفرّق الشاعر عند ذكر هذه المدن عن ذكر المدن الأوروبيّة، وإنْ لم يذكر تفاصيل مميزة لها أو لأهلها إذ يركّز على الأفعال اللهم إلا حرارة الصيف في بلاد العرب، حتى بلاد المور لا تتميّز بصفاتٍ ما عدا أهلها الذين كانوا من المور الوثنيين وسود البشرة. غير أن ذلك يبيّن لنا معرفة فولفرام بأسماء البلاد العربية والإسلاميّة ليست عشوائية أو سطحية، وجزء من ثقافته الشخصية التي ضمّنها شعره. أما القسم الثاني من معرفة فولفرام العربيّة ففي استعماله ألفاظا عربيّة وإنْ كانت معدودة مثل لفظ الديوان في قوله بعدما استقبلت الملكة بيلاكاين غاهمورت “قعدوا على لحاف من السميط الفاخر مبسوط على ديوان مريح”. الديوان هنا أشبه بالأريكة يقعدون عليها. وفي استعماله ألفاظ مثل أمير المؤمنين في قوله ” “لو وضع تاج أمير المؤمنين في المغرب وكلُّ كنوزه في كفّة وهذا السرير وقوائمه في كفّة لما ساوت ثمنهم.”، ورد اللفظ بإملاء Mahmumelin (ماحموميلن). وفي إيراده اسم قصر “قلعة البلوط” بإملاء Kalot enbolot (كالوت إنبولوط). وفي إيراده اسمي عالمين من ذوي المعرفة بالفنون الغامضة هما كانسور وثابت Kancor and Thebit، والغالب أنّ هذين الاسمين مشتقّين من اسم العالم ثابت بن قرَّة كما يعلق المترجم آرثر هاتو. ظهر في قصيدتي فولفرام، فيلهلم وبارسيفال، قماش أخضر اللون يُدعى أخمردي Achmardi، فجاء في فليهلم “ليس في خضرة الزمرّد والأخمردي ما يوازي خضار ما قيل عن تُرسه”، وفي بارسيفال “كان قميصه وبُردته خضراوين منسوجين من أخمردي في بلدة عرابي”. ذكر تشارلز باسج، مترجم ملحمة فيلهلم، في هامشه على هذا اللفظ أقوالا مقترحة عن الأصل اللغوي لأخمردي منها أنه قد يكون مشتقا من لفظ خِمار وأخمرة أو أنه يمثّل الزّمَردَيّ (من الزمرد) لكن الأخيرة رُفضت إذ ليس في العربية مثل هذا اللفظ، وما زال أصل لفظ أخمردي مجهولا إن كان له أصل. غير أنّ هذا اللفظ يبدو لي خليطا ما بين لفظي اللونين أحمر وأخضر فالتبس على أول من نقلهما فجعلهما واحدا، أي أخمر، وقصد به اللون الأخضر، يزيد من رجاحة ذلك عندي قرب النطق والمبنى بين هذه الألفاظ الثلاثة وأن استعماله ليس لقماشٍ معيّن بل متخيّل. أما القسم الثالث، أي علم الفلك ولفولفرام معرفة به، فقد استعمله الشاعر في خبر الغرال وكيف أنّ ظهور الرسائل السماوية عليه متعلّق بقراءة النجوم وحركة الكواكب. ما جاء من علم الفلك في القصيدة كان عربيَّ الأسماء عند اختيار بارسيفال ملكا على الغرال، يقول الشاعر “سمّت له سبعة نجوم بالعربية. كانت معروفة جميعا للملك النبيل فيريفس [لأنه موريّ وعربيّ الثقافة]. قالت ’أشار إليك بطالعٍ حَسَنٍ أرفع الكواكب زحل (بإملاء Zval)، والسريع المشتري (Almustri)، والمريخ (Almaret) والمشرقة الشمس (Samsi). والخامس المسمّى الغَفْر (Alligafir)، والسادس القَطْر (Alkiter) وأقرب النجوم إلينا القمر (Alkamer)”. كلُّ الأسماء التي ذكرتها رسولة الغرال الساحرة كوندري هي أسماء عربية ومعروفة في علم الفلك والنجوم، ما عدا Alkiter فلم أهتدِ إلى مقابلها العربي الأصلي. ومعرفة فولفرام بها وأسمائها تدلُّ على معرفته الفلكيّة واستقائها من علم الفلك العربيّ أو شيوعه في الأقل عند من أخذ منهم العلم. والقسم الرابع من معرفة الشاعر فهي مزايا العرب في شعره وما عُرفوا به دون سواهم يتقدّمها القماش والثراء. مثّلت بلاد العرب في النصوص الجرمانيّة، منها عملي فولفرام، مصدر القماش العربي الفخم والفاخر، من دون التطرق إلى سبل الحصول عليه أو طرق التجارة، لكنه حاضرٌ دائما سواء في خزائن الملوك الجرمان أو ما يرتديه العرب والسراسنة أنفسهم. في ملحمة فيلهلم فإنَّ بلاد السراسنة بعامة والعرب بخاصة هي بلاد الحرير الفاخر والذهب والثراء بل حتى الطعام الفريد، وصوّرها الشاعر تصويرا فخما لا يوازيها قماش النصارى ولا ثراؤهم، وكلُّ ملكٍ من ملوك السراسنة أو العرب له من الحظ الوفير والغنى ما يبذُّ به أقرانه، بل إنَّ ثيابه ليدوّخ مرآها في القتال أعين عدوّه. يقول الشاعر “كلا ثوبها وعبائتها من الحرير الفاخر من مدينة المنصورة”، ويقول “ارتدى تيبالت ورجال إيهميريز السراسنة ثيابًا تُشكر على صنعها النساء”. ولم يقتصر هذا القماش الفاخر على ثياب الرجال بل شمل الخيول “عليها أردية فخمة من الحرير الفاخر”، والرايات “راية غالية من حرير تريانت الفاخر حملها بيمينه تيدالون”، وتيدالون هذا “غنيّ بالذهب”. ولهذا القماش من الحسن ما يبذُّ “روعة السهل إذا ما تلألأ بالندى في شهر أيار” بل إنَّ عباءة إيهميريز “لها من الألق ما يُذبل مرأى الزهور”، وقد صنعت من حرير فاخر أسماه الشاعر “بوفوز” ومن ريش النعام. وارتدى الملك العربي تيبالت ثيابا مصنوعة من السمندر يقول عنها الشاعر “ما سمعت قطُّ بشيءٍ أبيض من الثلج”. ليس كل هذا القماش الفاخر الوفير إلا لثراء الملوك وغنى بلادهم فحين اقتحم فيلق بويديوس الميدان ولمع بريق ثياب الجند لا تدانيه في الحسن الشمس ولا النار يقول الشاعر “حين ترى جيش بويديوس تُدرك ما له من الثروة في بلاده وأنَّ كل هذا الثراء إلا نزرا من غناه”. وإذا ما اصطدم العدوان في السهل علّمت ثياب السراسنة مرآهم وميّزتهم، فيقول الشاعر عن بعض الجيش، أو كلّه، “تعلو الوثنيّين العمائم العالية”، وتحارب ثيابهم قبل سيوفهم فيـ”دوَّخ البريقُ المتألق النصارى إذا ما التمعَ حرير الوثنيين في ضوء الشمس”. ويشمل غنى السراسنة سلاحهم من دروع وتروس مطعّمة بالجواهر والأحجار الكريمة صغيرة وكبيرة. غير أنَّ الشاعر لا يقف تصويره الفخم المتعجّب عند مظاهر الخياطة والصناعة بل يذكر أنَّ لهؤلاء العرب والسراسنة طعامهم الغريب فيقول “ولأمدحنَّ خانًا، إنْ أردت، فيه مثل ذاك الطعام. لا يسعني أن أعدد لكم أسماء الطعام المتنوع، البريّ والمزروع، وكل ما لديهم من أنواع شراب، من خمر التوت وخمر زهر سنوبل وسائر الخمور”. وفي قصيدة بارسيفال فإنَّ لبلاد العرب والمور صيتها الثريّ بالقماش الفاخر والذهب من الكتاب الأول حتى الكتاب الأخير. نقرأ “تعمم رأسه بحجاب على أعلاه وَشْيٌ عربيّ يتوسّطه زرٌ من الياقوت الشفيف”، و”لتبصرنَّ الآن ستٌ حسانٌ يُقبلن في لباس فاخر نصفه محلّى بالذهب ونصفه من ديباج نينوى… أُبصرت العذراء ترتدي ديباج عرابيّ”، و”ألقى عباءة من الحرير السوريّ ببطانة من القماش الأصفر على قطرات الدم”. وتظهر في مقاطع بلاد يُنسج فيها القماش مثل الإسكندريّة فيقول “يُنسج في الإسكندريّة، تلك البلاد الوثنيّة، الديباج الباهظ، وقد صُنع منه قميص هذا الفارس الضرغام وبُردته”. فضلا عن ذكر بلاد متخيّلة، هي جزء من عالم الوثنيين “الإسلامي”، مشهورة بالديباج الفاخر كما في “جلبوا لفائف من ديباج تابرونت الخام من بلاد تريبالبوت. نسج الكفّار هذه الأقمشة وحلّوها بذهب القوقاز الأحمر على الحرير الصاف”، و”ديباج نورينت المجلوب من بلاد الوثنيين البعيدة”. أما الذهب العربي والثراء فكان حاضرا ومضرب مثل، أغدق الباروك على غاهمورت بالذهب حين خدمه، ثم قصد مملكة زازامانك “بذهب جزيرة العرب، وجلب أحمالا منه”، و”جاؤوه بلباسٍ بأهلاب ثقيلة من الذهب العربي”، و”برزة ترسه من ذهب عرابي”. يذكر الشاعر في الكتاب الثاني مصدر الذهب العربي أنه من جبال قوقاز وكيف يجلبه العرب، فيقول “حُلي قميصه بذهب مفتت من صخور جبل القوقاز بمخالب الغريفن، وتحميه الطيور في الأمس كما اليوم. يقصد أهل عرابي ذلك الجبل ويجنون الذهب بالحيلة والمكر، ما من ذهب مثيله في بلاد أخرى، ويرجعون به إلى عرابي. في تلك البلدة يُنسج الديباج الفاخر والأخمردي الأخضر. ليس لذلك القميص شبيه في الثياب”. إنَّ بلاد العرب عند فولفرام أشبه ما تكون بأرض خرافيّة فيها كلُّ ما يريده من ذهب وقماش وثراء، ويُذكّرنا جبل القوقاز وطائر الغريفن الخرافي، وهو مخلوق بجسد أسد ورأس نسر وجناحيه، بحكايات السندباد وطائر الرخ ووادي الألماس. يستمر هذا الإجلال لثراء العرب والمسلمين “الوثنيين”، فيقول “لو أنك سألت هناك في قصر مونزالفايئشِه Munsalvaesche لأنزلَ عليك سؤال من الخير ما لن تُنزله عليك تابرونت ذات الثراء العجيب في بلاد الوثنيين”، و”ليس في خزائن باروك بغداد ما يكفي لشراء ما في ذلك الدكّان”، و”لو وضع تاج أمير المؤمنين في المغرب وكلُّ كنوزه في كفّة وهذا السرير وقوائمه في كفّة لما ساوت ثمنهم”. مما تميّز به العرب أيضا في بارسيفال هي الخيول العربيّة فيقول “امتطى الرجال خيولا عربيّة سريعة، أقبلوا يعدون بها من القلعة لها ضجيج عال وصهيل، يرفعون رايات بهية”. دان العرب دينَ الوثنيّة في ملحمة فيلهلم إذ عبدوا أربعة آلهة هي محمد وأبولو وتيرفاغانت وكاهون، كما ذكر الشاعر في مواضع عديدة مثل “ذودوا عن حياضكم وبلادكم حتى لا يكون لأبولو وتيرفاغانت والأفاك محمت موطئ قدم تُهان به معموديّتنا”، و”وقالوا إنَّ أبولو وتيرفاغانت ومحمت جُلّلوا بالعار في مجدهم السماويّ المقدّس”. لكن ليس لهذه الآلهة أي قدرة في وجه إله النصارى ولا يمكنها نجدة من يؤمن بها، وأحمق من يؤمن بها “لهم حمقى لفعلهم ذاك فما أعانهم محمت وكاهون أدنى معونة، ولا الآلهة الأخرى أبولو وتيرفاغانت”، و”ما أبه محمت وتيرفاغانت وكاهون وبقية آلهة الوثنيين أن يحفظوا شرفهم في تلك الليلة. وما لهم من الشرف إلا النزر في بلاد المعمَّدة”. أما في قصيدة بارسيفال فإنّ ذكر دين العرب السراسنة اقتصر على وصفهم بالوثنيين، كما في سيرة غاهمورت ومقتله ببغداد في خدمة ملكها الباروك. لم يتطرق الشاعر إلى سمات هذا الدين العربيّ ولا طقوس عبادته، لكن العرب السراسنة في ملحمة فيلهلم كانوا يعادون النصارى، وفي قصيدة بارسيفال هم أكثر تسامحا مع النصارى بل إنهم أجلّوا غاهمورت بعد موته كما ذكر الشاعر “ليس من الكذب بل هو الصدق الصراح أنَّ موته أغمَّ السراسنة”. وجعل الشاعر في المقابل من دين فيريفس، وهو من المور، المفترض أنهم وثنيون سراسنة، وثنيًّا بعبادة جوبيتر وجونو من دون ذكر محمد تيرفاغانت على غير العادة في تصوير ديانة السراسنة الوثنيّة. لا يسعنا البناء على ما ورد عن معرفة فولفرام بحقيقة الدين الإسلامي، وإنْ كان ما ورد في قصيدتيه عن جهلٍ في تصوير الإسلام أو التزاما بتقليد أدبيّ في تصوير المسلمين بأنهم وثنيون والإسلام دين وثنيّ، غير أنْ تباين الصورة عن دين المسلمين ما بين ملحمة فيلهلم وقصيدة بارسيفال يجعلني أميل إلى معرفته بحقيقة الإسلام على نحوٍ ما لا يسع لمثل فولفرام أن يجهله، لا سيما أنّه اقتصر على ذكر جوبيتر وجونو الإلهين الرومانيين الأسطوريين لإبعاد أي صلة بين دين فيريفس والإسلام. لم يُظهر الشاعر الألماني فولفرام في عمليه فيلهلم وبارسيفال أي عدائيّة محضة تجاه المسلمين، إذ طغت على خواتم فيلهلم الرؤية التوفيقية بين الفرنجة والسراسنة، وغابت العدائية في قصيدة بارسيفال، بل إنّنا نبصر بلاد السراسنة ونساءهم جزءا أصيلا من عالم الفروسيّة في القصيدة، فالباروك مثل الملك آرثر الذي خدمه الفارس غاون وبيلاكاين مثل باقي الأميرات والسيدات في القصيدة على غرار هيرزلويده وكوندفيرامورس وأورغليزه. أخيرا فمن مزايا العرب ما سبق أنْ مررنا به عن أنهم مصدر حكاية بارسيفال وأن النسخة الأصل منها مكتوبة بالعربيّة قبل أن ينقلها كيوت إلى الفرنسية ونقلها فولفرام إلى الجرمانيّة، وما نسبه إلى العرب في تدوين حكاية الغرال المقدّس. 

سلالات الشخصيات المذكورة في القصيدة

المصادر والمراجع: 

German Literature of the High Middle Ages, Volume 3, Edited by Will Hasty Camden House.

Wolfram von Eschenbach – Marion E. Gibbs and Sidney M. Johnson.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى