التراث العالمي

قصيدة حديقة الورد في فورمز The Garden of Roses at Worms

حديقة الورد في فورمز واحدة من القصائد الجرمانية القروسطية التي تشكل حلقة من دائرة قصائد الملك ديترش، ويرجع تاريخها ما بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر، وحفظت في نحو ثماني عشرة مخطوطة. ترتبط هذه القصيدة بشخصيات نشيد النبيلونغ في مقدمتها سيغفريد وكريمهيلد. تظهر كريمهيلد في القصيدة أميرة وابنة الملك غيبيش والزوجة الموعودة لسيغفريد ملك نيدرلاند، وتملك حديقة ورد كبيرة يبلغ طولها سبعة أميال ومحاطة بسياجٍ من خيوط الحرير، وليس بوسع امرؤ أن يدخل الحديقة حتى يقاتل أبطالها الاثني عشر ومن ضمنهم عمالقة. كان من بين هؤلاء الحرّاس الأبطال سيغفريد وأبوها الملك غيبيش وإخوانها غونتر وغيرنوت وهاغن، وهؤلاء الثلاثة من شخصيات نشيد النبيلونغ الرئيسة لا سيما في جزئه الثاني. تتضح منذ بداية القصيدة طبيعة كريمهيلد المغرورة والمتسلّطة إذ تتفاخر بحرّاس حديقتها وأنّهم ليس لهم نظير ولا منافس، فيحذّرها فولكر، أحد حرّاس الحديقة، من البطل ديترش ملك بيرن. تستشيط كريمهيلد غضبا وترسل رسلها إلى بيرن تطلب من الملك ديترش أن يأتي وأبطاله لمنازلة حرّاس الحديقة وسينال الفائز من النزال طوق وردة وقبلة، وإن لم يقبل ستشنُّ حربا على مملكته. لم يرض ديترش بهذا التحدّي لكنه أجابه على مضض ورافقه أبطاله على رأسهم رفيقه الملازم له هيلدبراند والراهب إيلسان، وهذه الشخصية من أبرز شخصيات القصيدة وأكثرها تفرّدًا ويلمح القارئ تأثيرها في الفرنسي رابليه الذي أبدع شخصية مشابهة، الراهب فرير جان، في خماسية غارغانتوا وبانتاغرويل. وسأرجع إليها. يقبل ديترش برفاقه إلى فورمز وتبدأ المنازلات بين أبطال كريمهيلد وأبطال ديترش وكانت الغلبة في كلّ النزالات لرفاق ديترش الذين نالوا جائزتهم من كريمهيلد قبلة وطوق ورد، غير أنّ بعضهم رفض القبلة لأن ما من رباط طاهر يجمعهما. ترمز القبلة إلى ما هو أكثر من جائزة، إذ الرفض بوحي بطهر الفارس، مثل إيكارت أو هيلدبراند الذي بيّن أنَّ زوجته أحقُّ بقبلته، على النقيض من دنس المرأة، التي أخذت تقبّل الفائز تلو الآخر. غلب على بعض النزالات الهزليّة الماجنة إذ يهرب بطل كريمهيلد من منافسه حين يُشرف على الهزيمة كما وقع على سيغفريد، فبعد أن قاتل قتالا شديدا يهزمه ديترش ففرَّ إلى حضن كريمهيلد التي سترته بحجاب وتوسّلت إلى ديترش ألا يقتله، فعفا عنه ونال قبلته من كريمهيلد. يغدو القتال كأنه تنافس ذكوريّ على امرأة واحدة، لكنهم جميعا ينالون منها الجائزة نفسها، فتصبح غرضا مشاعا للفائز، ومن يفترض أنّه يحميها يفرُّ من عدوه بعد هزيمته بل يلجأ إليها أيضًا، ومن ينال قبلتها هو الجديرُ بها لا المهزوم.

في هذا الجو من الدموية والحميميّة المشينة في نزالات الحديقة والطبع اللعوب لكريمهيلد المتسليّة بمقاتلة الفرسان من أجل وردها وقبلتها، من دون أن يكون لها غاية من ذلك سوى المتعة المجرّدة، يبرز الراهب إيلسان ليكون صورة ذكورية شبيهة بكريمهيلد إذ له جوهر داعر وطبع أثيم، وكونه راهبا فإنَّ صورته نقدّ لاذع لعالم الرهبنة المملوء بالمفاسد والنفاق. حين طلبَ الملك ديترش من هيلدبراند أن ينتخب له أحد عشر محاربا يرافقونه إلى فورمز انتخب من بينهم الراهب إيلسان الذي كان يعيش في دير. حين أقبل جيش ديترش على فورمز مرَّ على دير إيلسان ليلحق بهم، رفض رئيس الدير أن يأذن لإيلسان في مغادرة الدير من أجل القتال، فهدَّده إيلسان بالموت وكلّ الرهبان مقابل كل فارس لومبارديّ يموت، فإذن له في الخروج من الدير. استدعى إيلسان رفاقه من رهبان الدير وطلب منهم الدعاء له بالنصر على خصومه، وأنَّه سيقاتل نيابة عن كلّ واحدٍ منهم حين علم بالجائزة. وما أن خرج من الدير حتى شرع الرهبان في الدعاء عليه ورجاء أن يغلبه خصمه العملاق ستاودنفوس لما لإيلسان من طبعٍ شرير وسلوك عنيف أثيم. يغلب الراهب إيلسان خصمه وينال جائزته ثم يعلم كريمهيلد أنّه وعد رفاقه الرهبان الاثنين والخمسين أنَّه سيقاتل نيابة عنهم وينال لهم الجائزة، فتجيبه أنَّه سينازل محاربيها، وهذا ما كان بعدئذ فغلب إيلسان منافسيه الاثنين والخمسين. أعطته كريمهيلد اثنين وخمسين طوقا من الورد، لكن طالبها بالقبل أيضا من شفتيها الحمراوين الجميلتين. لا تكشف القصيدة عن كيفية القبل لكنّها آذت اللعوب كريمهيلد لكثافة شعر لحيته وتركت خدّها مجروحا ينزف دما جزاء لها ما سبّبته من شرور في النزال. أن ينال الراهب إيلسان اثنين وخمسين قبلة من الأميرة اللعوب الحسناء أي إننا قُبالة مشهد داعر يجمع ما بين الدنس الأنثويّ والفساد الدينيّ، يلفُّ كلَّ ذلك جوٌ من الهزل والمرح، لا سيما أن الراهب إيلسان لن يعطي رفاقه بعد عودته سوى أطواق الورد، أما القبل فهي حصّته وحده. يدرك إيلسان أنَّه آثم وحين رجع إلى دير الرهبان منحهم الأطواق، فيتسلّمونها منه على مضض بعد أن خاب دعاؤهم وما كان إلا في ضلال، ويطلب منهم بل يأمرهم أن يقاسموه آثامه وإنْ لم يفعلوا فإن قاتلهم لا محالة. أجاب بعضهم آخذا يدعو له بالغفران والخلاص ورفض آخرون فأخذ لحاهم وشدَّها ببعض وعلّقهم على الأوتاد، وجعلوا يتسّلون إليه أن يطلقهم وسيدعون له الربّ ليكفر عنه سيئاته ويغفر آثامه.

**

قصيدة حديقة الورد الصغيرة والقزم لورين The Little Garden of Roses

هذه القصيدة واحدة من قصائد الجرمانيّة القروسطية التي ذاع صيتها واشتهرت، فهي ترتبط من جهة بقصيدة حديقة الورد في فورمز ومن جهة أخرى بدائرة قصائد الملك ديترش. تروي هذه القصيدة خطف القزم لورين الأميرة سيملت رغبة في زواجها، وكان هذا القزم ملك على الأقزام والعمالقة وله بلاد كثيرة خاضعة لسلطانه، ويملك حديقة وردٍ محاطة بسياج من خيوط الحرير لا يجرؤ امرؤ على دخولها وانتهاكها إلا بإذنه ومن يفعلها من دونه إذنه يخسر يدا ورجلا عقابا على ذلك. حين يسمع الملك ديترش بخبر القزم لورين وخطفه الأميرة يحزم أمره على إنقاذها، كان ديترش متفاخرا ببأسه وشجاعته وأنّه لا نظير له، وأراد أن يغلب خصمه ويكسر زهوه. خرج برفيقه فيتش (فديكه في نصوص أخرى) وقصد حديقة الورد وأخذَ يخرّبها حتى أقبل عليه القزم لورين، وتنازلا نزالا شديدا انتهى بانتصار ديترش وهزيمة لورين الذي أخذ يتضرع لديترش ألا يقتله وسأل ديتليب أن ينقذه حبا بأخته التي خطفها. يقع الصلح بين ديترش ولورين، غير أنّ القزم بعد أن قادهم إلى مملكته في الكهوف سعى إلى الإيقاع بديترش ورفاقه ثم خاب مسعاه في آخر المطاف وصار يعمل مُهرِّجَ الملك ديترش. 

سبق لي أن ترجمت نسخة دنمركية من القصيدة، ولا تفرق عنها في أحداثها وحبكتها تقريبا في شيء سوى في نهايتها إذ يُقتل القزم لورين، لكن النسخة الجرمانيّة أكبر حجمها وأكثر اتساقا وانسجاما، وليس فيها ثغرات ويغلب عليها التفصيل في الأحداث والأوصاف، لذا فهي أعلى قدرا وأجلُّ نصًّا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى