لماذا يهيمن الغرب اليوم – إيان موريس

إنَّ مسألة الهيمنة الغربية، الأوروبية ثم الأمريكية، واحدة من أكثر المسائل حضورا على الساحة العالمية منذ قرنين، في أقل تقدير، وبرزت هذه الهيمنة الغربية، الأمريكية على وجه الخصوص، على نحوٍ صارخ بعد الحرب العالمية الثانية، ثم تفكك الاتحاد السوفييتي الذي ترك أمريكا قطب العالم الأوحد، ثم أخذ في القرن الحادي والعشرين القطب الصيني الصاعد، اقتصاديا في الأقل، يزاحم أمريكا، غير أن كلَّ ذلك لم يغير من حقيقة الهيمنة الغربية الشاملة في كل بلاد الأرض. يشخص قبالة كثير منا لماذا الغرب بالتحديد، ولماذا انهار العالم الإسلامي بعد قرون من الازدهار المعرفي والهيمنة، ولماذا ليست الهيمنة يابانية أو صينية أو دولة أخرى في شرق آسيا ولماذا تبدو السيادة الغربية وتبعية معظم الدول لها راسخة وستدوم عقودا قادمة في الأقل؟ وكيف يمكن الخروج من هذه الهيمنة أو حتى قلب الطاولة وأخذها من الغرب؟ وأسئلة كثيرة تطرح نفسها وتدور في هذا الفلك. لعلّ هذا ما جال في ذهن المؤرخ البريطاني إيان موريس عندما أراد أن يجيب عن هذه المسألة، فكان قبالته منهجان، كما يبيّن، الأول اعتمد على دراسة التاريخ القديم ثم القفز إلى التاريخ المعاصر وقد أسمى روّاده بأصحاب المدى الطويل، والآخر اعتمد على دراسة التاريخ الحديث أي حقبة ما بعد العصور المظلمة في أوروبا وتجاهل التاريخ القديم وقد أسمى روّاده بأصحاب المدى القصير، غير أنَّه يرى كلا الفريقين يعجز عن تقديم جواب شافٍ عن سؤال الهيمنة الغربيّة، وانتهج منهجا وسيطا يدرس فيه تاريخ البشرية جمعاء منذ بداية الحياة. اعتمد موريس في دراسته هذه على ما أسماه مؤشر التطور الاجتماعي بعناصر أربعة: أسر الطاقة، التنظيم/ التمدن، القدرة على صناعة الحرب، التكنولوجيا. ويعرّف التطوّر الاجتماعي بأنه “حزمة الإنجازات التكنولوجية والإعاشية والتنظيمية والحضارية، والتي من خلالها يتغذى البشر ويلبسون ويسكنون ويتكاثرون ويفسرون العالم من حولهم ويسوون الخلافات داخل مجتمعاتهم، ويبسطون سلطتهم على حساب المجتمعات الأخرى، ويدافعون عن أنفسهم ضد محاولات الآخرين لبسط سلطتهم. ويمكننا القول إنّ التطور الاجتماعي يقيس قدرة المجتمع على إنجاز الأشياء، والتي -من حيث المبدأ- يمكن مقارنتها عبر الزمان والمكان”. وتُفسِّر هذا التطور الاجتماعي، وفق موريس، ثلاثة عناصر هي علم الأحياء وعلم الاجتماع والجغرافية معللا ذلك بادّعائين ” الأول كون علم الأحياء يقود التطور لأعلى، وعلم الاجتماع يُشكّل كيفية ارتفاع التطور، وعلم الجغرافيا يقرر أين يرتفع التطور (أو ينخفض) بشكل أسرع. والادّعاء الثاني أنَّه بينما تحدِّد الجغرافيا أين يرتفع أو ينخفض التطور الاجتماعي، يحدِّد التطور الاجتماعي أيضًا معنىٰ الجغرافيا. والآن أودُّ التوسُّع في هذه المناقشة. في القرن الحادي والعشرين يَعِد التطور الاجتماعي أو -يهدِّد- بالارتفاع عاليًا جدَّا لدرجة أنه سيغيِّر معاني البيولوجيا وعلم الاجتماع أيضًا . إنَّنا نقترب من أعظم فجوة في التاريخ”.
لجواب سؤال لماذا يهيمن الغرب، اعتمادا على مؤشر التطور الاجتماعي، سرد موريس تاريخ البشرية في الشرق والغرب، والشرق هنا الصين وما جاورها من البلاد والغرب منطقة الهلال الخصيب ومحيط البحر المتوسط في التاريخ القديم والوسيط ثم أوروبا وأمريكا في العصر الحديث. يبيّن موريس أنَّ الشرق والغرب تطوّرا على نحو متقارب ومتتالٍ وأنهما “لم يختلفا كثيرًا، وعلى المقياس الذي ننظر إليه، فمن الصعب التفريق بينهما خلال معظم التاريخ، وإنَّ شيئًا عميقًا قد حدث في القرون القليلة الماضية، وهو ما يُعدّ حتى الآن أسرع وأكبر تحوُّل في التاريخ”. وبدأ التفوّق الغربي مع منتصف القرن الثامن عشر إذ يكتب “بدأ فارق مؤشر التطور الاجتماعي بالازدياد بين الشرق والغرب ما بين سني 1750-1800 منهيا بذلك عصر التفوق الشرقي الذي استمر 1200 سنة”. لكن لماذا هيمنت أوروبا وليس الصين؟ يجيب موريس متشككا “ربما كانت الثقافة، وليس الرجال العظماء أو البله الحمقى”. ولماذا لم تبحر سفن الصين في القرن الحادي عشر لاستكشاف العالم وفعلتها سفن أوروبا في القرن الخامس عشر، مع أن الصين كانت قد بلغت على مؤشر التطور ما يؤهلها لذلك؟ يرى الجواب في “غياب روح النهضة إلا إذا استطاعت السفن أخذهم إلى الأمريكتين لكن سفن القرن الحادي عشر أضعف وأقل متانة وكفاية لتفعل ذلك”. ولا يختلف السبب عن تخلّف العالم الإسلامي عن الاستمرار في التطور والهيمنة فيقول “ويخلص بعض غير المسلمين إلى أنَّ الإسلام عقيدة مُضلِّلة تورط الملايين في الخرافات. ولكن إذا كان هذا صحيحًا، سوف يكون من الصعب تفسير لماذا قبل آلاف السنين كان العديد من أفضل علماء العالم والفلاسفة والمهندسين من المسلمين، أو لماذا تفوق علماء الفلك المسلمون على كل العلماء حتى القرن السادس عشر. التغيّر الحقيقي، كما أظن أنه منذ عام 1700م انغلق الكثير من المسلمين على أنفسهم، استجابة للهزيمة السياسية والعسكرية، مثلما فعل الكثير من الصينيين الكونفوشيين في القرنين الثالث عشر والرابع عشر”. ويشير إلى أن السبب في نجاح الأوروبيون الغربيون في التطور المهول، وفشل من سواهم، كان في تطور التكنولوجيا واستمرار تراكمها مما انعكس على كل مجالات الحياة و”كانت بعض المهارات تُقفد في كل مرة ينهار فيها التطور الاجتماعي، لكن أغلبها لم يكن يُفقد، وعبر القرون كانت تُضاف مهارات جديدة. فقد ظلَّ مبدأ “النهر نفسه مرتين” مُجديًا، فكل مجتمع كان يضغط على السقف الصلب بين القرنين الأول والثامن عشر، كان مختلفًا بالأساس عن المجتمعات التي سبقته. وكل مجتمع يعرف أكثر ويستطيع أن يفعل أكثر من تلك المجتمعات التي سبقته”.
غير أنّ السؤال التالي الذي يطرح نفسه هل ستستمر هيمنة الغرب في الغد؟ يرى موريس أنّ هيمنة الغرب لن تستمر في القرن القادم، وأنَّ الصين القوة الاقتصادية الصاعدة والمتطورة ستزيح الغرب عن مكانته وتحلّ محله في الهيمنة على العالم.



