روايات

أسفار مدينة الطين – سعود السنعوسي 

أسفار مدينة الطين ثلاثية روائية للكاتب الكويتي سعود السنعوسي، أعاد فيها تشكيل تاريخ الكويت، حقيقي وتخيّلي، في بواكير القرن العشرين في قالب ذي أسطوريّة وخرافيّة مؤصَّلة مجتمعيا. جرت أحداث الكتابان الأوّلان من الثلاثية، سفر العباءة وسفر التَّبَّة، في سنة 1920، وعُلّمت الروايتان بثلاثة محاور رئيسة:

1- البناء السردي (صنعة الرواية). شمل تعدد المؤلفين والمستويات السردية (عالم الرواية وعالم كاتب الرواية)، والأصوات السردية، وأسلوب ما وراء السرد (الخيال الروائي الكاشف عن نفسه)، وخطاب الراوي للشخصيات ومحاورتها، تعدد الأنماط السردية (كتاب داخل كتاب)، والبناء الحكائي لحياة الشخصيات وماضيها. إضافة إلى تزيين الروايتين برسومات مشاعل الفيصل. 

2- العالم الأسطوري لمدينة الطين. عالم أسطوري منفصل عن الواقع من جهة تفرده وأصالته ومتصل به بتأثيراته، يشمل شخصيات ومخلوقات وعقائد وخرافات، ينسج بعضها في تأصيل الموروث الشعبيّ الاجتماعي وخرافاته. 

3- التخيل التاريخي في الرواية متمثلا في إعادة سرد تاريخ الكويت الحديث في بواكير القرن العشرين، الاجتماعي والسياسي، ضمن أعراف الكتابة السردية الروائية. 

أبانت هذه المحاور عن عمل روائي متقن الحبكة والبناء، فمدينة الطين عالم كبير بشخصياته ومحاور أحداثه وتنوّعها لا سيما في شخصيات الصاجَّات، أم حدب وأم صنقور، وسليمان بن سهيل الغيص وزوجته فضّة، وخليفوه البرنثى، وسعدون صاحب الحوطة، والملا كريم العين، والعبدة مبروكة، والطبيبة إلينور في مستشفى الإرسالية، فضلا عن قصر الصُباح وصراعه وإخوان من طاع الله، وحياة البحر بالبحّارة سند بن هولين ومالك المراكب ابن حامد، وفي هامش الكتابين الأولين ومتن الكتاب الثالث حياة الراوي صادق بو حدب. أعطت هذه التعددية في الشخصيات وبؤر السرد، بالحكايات التي تتصل وتنفصل، زخما سرديا على جوانب عدّة، فكلُّ شخصية مرتبطة بمسار أحداث تتفرد بها بجلاء، تبدو إلى حد ما في معزلٍ عن غيرها. ساهمت هذه الشخصيات، كلٌ على حدة، في إعادة رواية التاريخ من منظور اجتماعي/ إنسانيّ نبصر منه بواكير نشأة الكويت مجتمعا مائزا ودولة في حقبة مضطربة تتصارع فيها القوى المحليّة والأجنبيّة على النشأة والاستقلال من جهة والنفوذ والسيطرة من جهة أخرى. في خضمِّ هذه الصراعات الكبرى تكون حياة الأفراد المنخرطة في واقعٍ يتشكّل في معتركٍ إقليمي أكبر من قدرتها على التحكم به، لكنها تسعى إلى المحافظة على استقلاليّة في منأى عن الظروف المحيطة، وتلتزم بعالمها المحليّ والشخصيّ بكل آماله وهمومه.  

جاء الكتاب الثالث، سفر العنفوز، منغمسا في صنعة الرواية بتداخل زمنين، سفر ذهابا وإيابا في الزمن، واندماج عالم الخيال والحقيقة، وينحرف عن مسار الكتابين الأولَيْن، فيبدو أن الكاتب تورط فيه أكثر منه خدمة لمشروعه المفترض في الثلاثية، بل كثرة البهلوانيات السردّية في الرواية جعلت الكتاب الثالث ناتئا عن المسار الأساس في أول كتابين، من دون أن يكون النتوء داعما في بنية الرواية إنما هو شطط سردي. ومع ذلك فإن الرواية وفية لعالمها وفنّها لكنها ليست وفيّة لأسفار مدينة الطين. بدت الرواية كأنها صورة معكوسة لمزيج ما بين رواية كافكا على الشاطئ ومسرحية ست شخصيات تبحث عن مؤلف، وإن كانت نصا واعيا نقيض عبثية وغموض هاروكي المنفلتة في كافكا على الشاطئ وأقل رصانة من وقائع شخصيات لويجي بيرانديللو.

شابت الإطالةُ، مع إمكانية الإيجاز، بعضَ أحداث الثلاثية، لا سيما في الكتابين الثاني والثالث، وإن لم تكن مملة نظرا لكثرة الشخصيات التي أفردت لها الصفحات. لكنها إطالة لم تقوِّ من النص لأنها لم تضف إليه، مع هذا البناء الفردي للشخصيات، على العكس مثلا من الحرب والسلام والبحث عن الزمن المفقود حيث كثرة الشخصيات وطول الأحداث في بناء جماعي أكثر منه بناء فرديّا، والأحداث متجددة في مساراتها سواء في حياة الشخصية أو أحداث الرواية. ومما يلاحظ أيضا أن في الثلاثية صفحات تروي حكاية، وإن حاكت كثيرٌ منها العمقَ الروائي، فالعمل متميز في صنعته السردية، لكنه يحكي أكثر مما يروي، فيجعل النص في تمدد وتمطيط لا محدود، وحوارات نمطيّة لا سيما تلك التي تجري على لسان سعدون، وأحيانا لا لشيء إلا ليحكي من دون التماس غاية من هذا الحكي لم يُكشف عنها من قبل أو تضيف للقارئ عن الشخصيات إلا قليلا. جاءت بعض الشخصيات لتؤدي دورا محددا سلفا دون أن يكون لها أصالتها مثل شايعة أم سليمان، وأم غايب، وسالم الصباح، الذي حُفّ بهالة من التوقير السطحيّ والبهاء المزيّف، والميجور البريطاني، الذي كان شخصية سرديّة تفتقر إلى الحيويّة. في الجهة المقابلة تميّزت شخصيات بحقيقيّتها وتغيّرها التلقائي ودوافعها الذاتيّة مثل خليفوه وقططه، والصاجّة أم حدب، وإلينور، وسعدون، وشخصيات مثل سند بن هولين ومبروكة فإنها على محدودية ظهورها فإنّ لها أصالة تنسجم وحياتها. أما سليمان أهم شخصيات الرواية فهو شخصية متنازع عليها ما بين ذاته ورغبة الراوي، صادق بو حدب، في انخراطها في أهوائه السرديّة، وهي أهواء كانت أحيانا تنازع الشخصيات حياتها وأفكارها وأقوالها، وتفرض نفسها عليهم إلى حد التدخّل السافر لا لشيء إلا لأنه مبدعها، ويملك من القدرة ما لا تملكه. صادق بو حدب راوي الثلاثية ومشارك فيها، وهو في وجه ما انعكاس الكاتب، يملك صورتين إحداها الراوي بشخصية متّزنة وعارفة بعملها، إذا ما غضضنا الطرف عن تدخلاته غير الضرورية أحيانا، والأخرى الإنسان المتورط في عملٍ ينسلّ من بين يديه حتى يفقد ثقته بنفسه وعالمه وكلّ ما حوله. وهو مثال عن تأثير الخيال في الإنسان، وكيف يمكن أن يُجرَّ في استيهامات تصعّب عليه تمييز بين ما هو حقيقي وما هو خياليّ. صار صادق بو حدب في الكتاب الثالث أهم شخصياته، فهو الراوي والشخصيّة، والمتصل والمنفصل، والحقيقي والمتخيّل، وفي حين قوّض صادق ما بناه في مدينة الطين فهو يبني عالما جديدا، عالم الغد في ابتعادٍ عن عالم الأمس، وصراع هذين العالمين جعل الثلاثية تنقسم على نفسها دون أن يكون الانقسام ضروريا، في الأقل على ما صارت عليه في الكتاب الثالث. يعد الراوي بسفر رابعٍ، سفر المولاف، لكن مع أحداث تجري قبيل الغزو العراقي للكويت، وانفتاح زمنيين، 1920 و1990، على بعض من بوابةٍ العبور، يرجح عندي أن انتهاء الثلاثية بالكتاب الثالث خير ما يكون لأن ما نلتسمه من بوادر يسوقنا إلى فوضى سرديّة لا يحمد عقباها.        

أسفار مدينة الطين واحدة من الأعمال الروائية المعاصرة التي يُشار إليها بالبنان، لا سيما في صنعتها السرديّة، ولولا جزؤها الثالث لكان لها أن تكون في مصاف روايات أخرى مثل مدن الملح وأرض السواد لعبد الرحمن منيف وثلاثية نجيب محفوظ ورباعية الخسوف لإبراهيم الكوني. لكنّها مع ذلك يمكن أن تنضم إلى روايات التخيّل التاريخي العربيّ ونشأة الدولة القوميّة بعد انهيار الدولة العثمانيّة.  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى