روايات

اليأس – نابوكوف

رواية اليأس واحدة من أولى الروايات التي كتبها نابوكوف في برلين في ثلاثينات القرن الماضي، وقد نالت مقروئية وشهرة في الدوائر الأدبية التي كان نابوكوف يختلط بأهلها، ويتكرر ذكرها كثيرا في رسائله إلى زوجته. تقوم الرواية على عاملين رئيسين الأول هو فن الرواية إذ انتهج نهجا حداثيا في كتابتها وهو يدوّن مراحل تأليفها، وبما أنها على لسان البطل/ الراوي، فتتداخل الرواية وحياة راويها وشخصياتها في خط سردي واحد، إذ يروي قصته. ويبرز تأثره بأسلوب سرد مارسيل بروست “البحث عن الزمن المفقود”، إذ يقول إنه يروي من ذاكرته، والذاكرة غير منضبطة وعشوائية في تنقلاتها وقفزها بين الأحداث والأوقات، وهو بذلك يدخل حتى في عناصر ما بعد الحداثة وأسلوب ما وراء النص (حين يقر الراوي في هذا الأسلوب أن ما يقرأه القارئ هي رواية متخيلة)، والراوي يخاطب القارئ في غير موضع. أما العامل الثاني فهو قصة الرواية عن جيرمان الذي يعمل في شركة شوكولاته ويلتقي في أحد الأيام رجلا يشبهه تماما يُدعى فيليكس. تذكرنا ثيمة التشابه برواية المزدوج لدوستويفسكي، وإن لم يحبه نابوكوف. تبدأ هنا حبكة الرواية إذ يحاول جيرمان استغلال فيليكس من أجل ارتكاب جريمة يتنفع منها ماليا بفضل التأمين على حياته. غير أن جيرمان صوّر جريمته بطريقة فنّيّة، أي إنه عاملها معاملة إبداع العمل الفني مثل لوحة أو رواية، لذا لا يقدم الراوي أي موعظة أخلاقية ولا يبدي أي ندم حتى بعد ارتكاب جريمة القتل. ظل يعاملها على هذا النمط على مختلف مراحلها. لست أشك أن نابوكوف، وهو الناشئ في بيئة مثقفة وتعلم الإنجليزية قبل الروسية مما حدا بوالده بتعيين معلم له ولأخيه لتعلم الروسية، استمد هذه الفكرة من مقالة إبداعية للإنجليزي توماس دي كوينسي بعنوان “القتل فنا من الفنون الجميلة On Murder Considered as one of the Fine Art 1827”. يكتب دي كوينسي هذه المقالة المتخيلة ليناقش السارد فيها جريمة القتل من منظور فنّي بناء على أربعة عناصر هي: التخطيط، التوقيت، الوحشية أو ما أطلق عليها التعبير الصارخ، استقبال الجمهور (النخبة المثقفة). واستبدل دي كوينسي الإعجاب بالتنفيذ والبراعة والتأليف بالنفور الأخلاقي. وكانت مقالته الساخرة انتقادا لهوس المجتمع بجرائم القتل وتتبع أخبارها وتفاصيلها. يمكننا عد رواية اليأس إلى حد كبير تطبيقا روائيا عن القتل فنًا من الفنون الجميلة، التي انتهت على مبدأ ما من جريمة كاملة. يقول نابوكوف عن بطليه المجرميْن همبرت في لوليتا وجيرمان في اليأس: “ليس بوسعي التنبؤ ومنع محاولات العثور بين سطور رواية اليأس على شيء من الخطاب المسموم الذي غرزته بنبرة الراوي في روايات سابقة. يشبه بطل رواية اليأس وبطل رواية لوليتا همبرت فقط من زاوية إنهما تنانين متشابهة رسمها نفس الفنان في أوقات مختلفة من الحياة. كلاهما وغد ومريض عقليا، ومع ذلك يوجد ممر أخضر في الجنة حيث يسمح لهمبرت بالتمشي عند غروب الشمس مرة واحدة في السنة، لكن لن يفرج عن جيرمان من الجحيم بأي كفالة”. بهذا حكم نابوكوف على جيرمان، لأنه لم يفكر لحظة واحدة في تبعات جريمته الأخلاقية، وإن لم يغفل عن التبعات القانونية غير آبه لها، فكل ما رامه هو تنفيذها بالتمام عملا إبداعيا أصيلا وتحقيق مراده منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى