روايات

عالم صدام حسين

مهدي حيدر

رواية مُذهلة لا يكتبها سوى مبدع.

أظهر هذا العمل الروائي، الذي تمتزج فيه رواية التخيّل التاريخي مع السيرة الروائية الغيرية،  يتخللها أدب سياسي وأدب سجون، نتيجة خلّابة متقنة تسرد أحداثا مركزة على مدة خمس عشرة سنة (١٩٥٨-١٩٧٣) من تاريخ العراق المعاصر، ولا سيما تاريخ صدام حسين. بالرغم من إن الكاتب يوضح في بداية العمل بأن روايته ليست نصا تاريخيا، وإنما هي عمل تخييلي يستغل الواقع لبناء عالم خيالي موازٍ للواقع، يتفق معه أحيانا ويختلف أحيانا أخرى، فإنَّ هذه الإشارة حول “خيالية العمل” يجب ألا تمنع القارئ من الأخذ بهذه الرواية بمحمل الجد في بعض أحداثها ذات الحقيقية الواقعية، والكاتب كان مصرا على جعل العمل يتقاطع مع الواقع سواء بتغيير بعض الأحداث كما في نهاية عزيز الحاج الذي يُغتال في الخارج -وهذا عكس الواقع إذ لم يُغتل- على يدي موسى ويونس الخيّون. هاتان الشخصيتان اللتان لم أجد لهما أثرا، مما يدل على أنهما من خيال الكاتب لضرورة روائية تُضفي بعدا دراميا للعمل، إضافة إلى هدفه في إبعاد حقيقة النص التاريخي عن عمله. هذا الدمج بين الواقع والخيال في العمل الروائي، يجعل العالمين يتداخلان مع بعضهما تارة ويتوازيان في أخرى ثم يتقاطعان في مسارات مختلفة، تصبح الحقيقة خيالا والخيال حقيقة، مما يعطي العمل دفعة من الإذهال للقارئ والإرباك التشكيكي في التاريخ، وفي ضرورة إعادة قراءته، إذ الراوي يقدم رؤية شاملة للحدث، إذ من الأكيد الذي لا يقبل الشك أنَّ الراوي قد وقع على كمية كبيرة من المعلومات والوثائق التي ساعدته في عمله هذا، ناهيك عن قدرات سردية ولغوية وروائية كبيرة تكللت جميعها في هذه الرواية، التي حملت عنوان عالم صدام حسين. لم يُخطئ الروائي في هذا العنوان، إذ يتخذ من صدام حسين محور الرواية التي تتفرع منها بقية الأحداث، فمن طفل لم يرَ أباه ويعيش مع عمه في سنين حياته الأولى، هذا العم حسن إبراهيم كان له الأثر النفسي في شخصية صدام القاسية، لينتقل إلى بيت خاله خير الله طلفاح ليتلقى مبادئ البعث ويتعلم التاريخ والجغرافية، ويدخل المدرسة ليتعلم القراءة والكتابة لتتشكل النواة التي سيتبلور عنها رجلٌ وشخصية لها الأثر الكبير في تاريخ العراق والمنطقة مدة أربعة عقود تقريبا. يشملها الراوي بعلمه المطلق للأحداث، وبسرد راوٍ عليم، تبرز فيه أهمية العنوان “عالم صدام حسين”، فصدام حسين مجرد مدخل إلى عالمه الذي لا يقل أهمية عنه، فكثير الشخصيات الروائية لها أصل حقيقي واقعي أمثال: ناظم كراز، عبد الكريم الشيخلي، عزيز الحاج، عبد الخالق السامرائي، خير الله طلفاح، ساجدة خير الله، عدنان خير الله طلفاح، البكر، الملا مصطفى برزاني، عبد السلام وعبد الرحمن عارف، عقداء وقادة في الجيش، في الحزب، في الحزب الشيوعي، في السجن. هؤلاء الأشخاص الحقيقيون مع نُظرائهم الخياليين، يُدّعمون عمل الراوي في إقحام عالم بآخر، ليتشكلا حول صدام حسين، الذي يُظهره الراوي، بصفات توحي بالمهابة والدهاء وبعد النظر والحذر والقسوة والسادية وقلة الكلام والإجرام وحب الذات والرغبة بالسلطة المطلقة، صدام الذي ينهار أمامه أعداؤه، صدام الذي لم يكسره السجن من تحقيق طموحاته أو الوصول إلى ما يريد، بعض الصفات تُبين الجانب الخيالي الذي أضفاه الكاتب عليه، أو حاول من خلاله ملء الفراغات أو جعل صدام تلك الشخصية الشبيهة ببطل ماركيز في خريف البطريرك. أما كل من حول صدام من أشخاص وشخصيات، فهم لا يقلون أهمية عنه، فالراوي ذو خزين معلوماتي هائل -حقيقي وخيالي- يضخ المعلومات ويسرد حياتهم ومشاعرهم وأحيانا تاريخهم بصورة تميل نحو الحشو الذي يُمكن الاستغناء عنه دون أن يكون مخلا في بُنية العمل.

وبالعودة إلى الروائي فإن هكذا عمل بهذه التفرعات الناتئة من محور صدام، كانت بحاجة إلى تعامل متقن مع الزمن، فاختار الروائي -المجهول الهوية- الزمن الكرونولوجي التتابعي، لكن هذا التتابع يتفرع منه خطان فرعيان رئيسان، يستخدم في الأول تقنية الفلاش باك -الاسترجاعية- ويعود الى الوراء والماضي لدرجة أنه يخرج عن حدود زمن الرواية إلى ما قبل زمن الحدث الأول، والآخر هو تقنية الفلاش فورورد -الاستباقية- غائصا في المستقبل ومتجاوزا زمن خط النهاية إلى ما بعد زمن الحدث الأخير داخل الرواية. هذه المرونة التي تمتع بها في تعامله مع الزمن الروائي الكرونولوجي، جعلت عالم صدام حسين عالما شموليا لا يخص فردا دون سواه، بل هي رواية الكل، إذ يتوزع مكان الحدث ليشمل العالم أجمع، من بغداد إلى تكريت إلى البصرة إلى الموصل إلى الأهوار، ثم يتجاوز العراق إلى البلدان العربية ثم ينطلق إلى أوروبا وبقية العالم، فتأخذ كلمة “عالم” في العنوان معنين الأول مجازي يشمل الأشخاص والشخصيات -عوالم من الشخصيات- والآخر ما يدل عليه معنى كلمة عالم المعروفة، العالم الذي تعيش فيه البشرية بمختلف لغاتها وألوانها وأعراقها وتاريخها وجغرافيتها وصراعاتها وسياساتها ومآكلها ومشاربها. تمتاز الرواية أيضا بتقنية سرد اللوائح والتعداد التي تعد من سمات رواية ما بعد الحداثة بالرغم من قِدمها مع هوميروس. إن التعداد لأنواع الطعام أو الحاجيات أو الأدوات، جعلت الوصف السردي والمكاني نابضا بالحيوية، وتُثبت أن الروائي على درجة عالية من المهارة الروائية والسردية.

ما يثير الانتباه ويجذبه هو صوت الراوي، الذي بدا صلبا باردا، يسرد الأحداث من منظور المتابع الحيادي الذي لا يكترث بشيء، جريمة قتل، أو اغتيال، أو تعذيب، كل الأحداث تُسرد بصوت حيادي يقف في نقطة الوسط لا مع ولا ضد، فهو لا يُظهر تعاطفا مع أحد ولا يظهر عدائية أيضا، فصدام وغيره من الشخصيات، هم مجرد قوالب حقيقية مفرغة من الواقع ومملوءة بالسائل السري الذي جعل الراوي بمثابة مصور بآلة كاميرا يقف عند نقطة معينة من الخارج أو تراه يقتحم عوالم شخصياته التاريخية والفكرية والنفسية، ليسلط الضوء على مناطق الظل، أو كأنه مخرج وظيفته مراقبة جميع الممثلين والتدخل حين يستدعي الأمر. فلا يمكن أن نقول عنه كتب عمله ليمجد صدام أو كتبه لكي يهاجمه، هو يكتب فقط، هو يُظهر الشخصيات مجردة وعارية من أي هالة أو درع، والقارئ من يحكم. هذا العمل الذي أشاد به كثيرون، وهو دون شك يستحق، لكن في المقابل هناك من وجه انتقادات له متهمة إياه بتزييف الحقائق والتاريخ وإضافة شخصيات وهمية لم تفد العمل. لا يوجد عمل نال مقبولية الجميع لكن هذه الرواية هي إنجاز أدبي يستحق الاحتفاء بكاتبها!

من الكاتب؟ من صاحب الاسم مهدي حيدر الذي يظهر بصفته كاتبا للعمل في واجهة الرواية؟ هذا ما أسال الحبر أيضا في معرفة هويته الحقيقة، أعراقي هو أم من بلد عربي آخر؟ التكهنات كثيرة لكن لا يوجد اسم يمكن أن نقول هو ذا الكاتب، حاولت أن أتتبع هوية الكاتب عبر ملاحقة بعض المفردات مثل بندورة التي وردت ثلاث مرات وكلمة زلعوم التي وردت عدة مرات، هاتان الكلمتان تُشيران إلى بلاد الشام، لكن هذا مجرد تخمين قد يكون صحيحا أو خطأً لا سيما وأننا نتعامل مع روائي حذق لا يمنع إنه استخدم هاتين الكلمتين طُعما يُزحلق الباحثين عنه إلى هُويات أخرى ورنجة حمراء لتشتيت الانتباه. السؤال لماذا لم يكشف الكاتب عن هُويته الحقيقية؟ السبب الذي أراه هو الرواية نفسها والمعلومات التي وردت فيها التي قد تعرض حياة الكاتب للخطر، وقد قرأت أن الرواي قد يكون شخصية سليمان عبد الرزاق ذا المواهب المتعددة والمتحدث للغات مختلفة، وقد يكون الكاتب أيضا لا الراوي فقط. هذه الاسئلة لا يجب أن تُبعدنا عن حقيقة قيمة عمل كهذا- عالم صدام حسين-.

لم يقع الراوي في هفوات تاريخية -عرفتها- إلا في مناسبتين الأولى في بداية الرواية حين يذكر أن صلاح الدين فتح القدس سنة ١١٣٨، وهذا خطأ فبيت المقدس فُتح سنة ١١٨٧، والثانية في نهاية الرواية حين يذكر أن خير الدين بربروسا كان قرصانا، وهذا ما أشاع عنه المؤرخون الأوروبيون، فخير الدين بربروسا كان قائدا عثمانيا مجاهدا لأسطول بحري في البحر الأبيض المتوسط، وخاض ضد الأوروبيين معارك في البحر الأبيض المتوسط، وكان له دور في إنقاذ المسلمين واليهود من بطش الكاثوليكيين بعد سقوط الأندلس سنة ١٤٩٢. الأمر الوحيد الذي قد يُزعج القارئ أن العمل يحتاج إلى أجزاء تكميلية فالرواية تنتهي أحداثها في صيف سنة ١٩٧٣، أي أن أمامنا ثلاثة عقود كاملة عن صدام حسين وعالمه قد تحتاج إلى كتاب أو اثنين مكمّلين. وهذا ما أرى أنه فرصة للروائيين أن يكملوا هذا العمل وينشرونه تحت أسماء مستعارة، فكون هوية الكاتب الحقيقية مجهولة فهذا يفتح المجال أمام الجميع لإكمال هذا العمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى