الدولة المستحيلة – وائل حلاق

يقدم وائل حلاق في كتابه الدولة المستحيلة دراسة مقارنة ما بين الدولة الحديثة والحكم الإسلامي، يقابل فيها ما بين العناصر البنيوية للدولة الحديثة وشروطها مثل مفهوم الدولة والقوانين ومصدرها وسيادة الدولة ومبدأ فصل السلطات والاقتصاد المعولم والمواطن وصناعة الذات والأخلاق، وبين عناصر الحكم الإسلامي وسلطة الشريعة والقضاة وصلاحيات الحاكم وصناعة النفس المسلمة والأخلاق، ويخلص في هذه الدراسة إلى استحالة قيام حكم إسلاميّ يتوافق مع شروط الدولة الحديثة، التي هي في أساسها وشروطها مناقضة للحكم الإسلامي، وإنَّ أيّ حكم إسلامي محكوم عليه بالفشل إذا ما أراد التماهي والاستجابة لهذه الشروط، وإنْ لم يتماهَ معها فإنَّ بقاءه سيحفُّ بحواجز كثيرة لا يسعه تجاوزها في عالم الدول المعولمة.
يقول في مستهل تقديمه للكتاب بوضوح: “أطروحة هذا الكتابة بالغة البساطة: مفهوم “الدولة الإسلامية” مستحيل التحقيق وينطوي على تناقض داخلي، وذلك بحسب أي تعريف سائد لما تمثله الدولة الحديثة”. غير أنه لا يقطع بديمومة هذه الاستحالة إذ يقول “إنَّ كلمة مستحيلة في عنوان هذا الكتاب، تنطبق على استمرارية الحالة الراهنة للمشروع الحديث بقدر انطباقها على الدولة الإسلامية”.
إنَّ الدراسة في حقيقتها قمينة بالاعتبار والنظر وإعادة النظر، ليس بالضرورة في كشف استحالة قيام هذه الدولة المحكومة بحكم إسلامي صريح ونقي إنما في تصويب الرؤية إلى هذا العالم المعولم والدولة الحديثة، وفي معرفة الموانع والحواجز الدوليّة، لنقف على بيّنة من الأسباب المانعة والظروف المحيطة بنشأة هذه الدولة. ولعلّ مثال “الدولة الإسلامية في العراق والشام” يعطينا صورة عن شكل هذا الحكم الإسلاميّ وتحدياته بصرف النظر عن مثالبها وسياق نشأتها وظروفها المحيطة، وكيف أنها واجهت مشكلتين رئيستين، الأولى داخلية والأخرى خارجيّة. تمثلت المشكلة الداخليّة في غياب وعي المسلم بأهمية حكم الشريعة وهذا ناجم عن الجهل الدينيّ بكون حكم الشريعة والرضا به من شروط الإيمان وقيام أركان الإسلام، فضلا عن مشكلات في التطبيق، أدّت إلى أن الحكم الإسلامي ولدَ محاطا بالتحديّات الداخليّة التي عجز عن تجاوزها، لا لعلة في آليات التطبيق المعاصر وحدها بل في عجز البيئة والمطبّق عليه عن قبولها. وتمثّلت المشكلة الخارجيّة، هي ما يمكن ربطها بأطروحة وائل حلاق في كتابه، في التعارض ما بين مفهوم الدولة الإسلامية والدولة الحديثة تحت مظلة النظام الدولي. إذ جاءت الدولة الإسلامية بثلاثة أسس رئيسة تخالف مفهوم الدولة الحديثة والنظام الدولي: الأول في السياسة والحكم بإعلان الخلافة وتحكيم الشريعة ورفض القوانين الوضعية. والثاني في حدود الدولة برفض الحدود الوضعيّة المتّفق عليها دوليا والمضي في مفهوم كسر الحدود والتوسّع بالقوة العسكرية. والثالث في الاقتصاد برفض النظام الاقتصادي والمالي العالميين وما يجرّه ذلك من تعطيل المصارف الربوية وسك العملة الذهبية وربطها بالذهب لا الدولار. ومع أنَّ تجربة الدولة الإسلامية في هذا الباب قصيرة نسبيًا لا يمكن الحكم عليها، لا سيما مع الحرب العالميّة عليها بتحالف دولي تقوده أمريكا، فهي تمنحنا صورة عن الحال عند قيام حكم إسلامي ومآلاته. في المقابل نرى دولة طالبان في أفغانستان تواجه عزلة دوليّة ولم يُعترف بها إلا في نطاق ضيق جدا، وأي قبول دوليّ بها يقابله تنازلات، وهذا ما أشار إليه وائل حلاق بأن هذه التنازلات التي سيساق إليها الحكم الإسلامي أو يُجبر عليها لحاجته للانخراط في هذا العالم ستؤدي في آخر المطاف لتخريب الحكم الإسلامي وانمساخه. والمثال الآخر متمثل في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، نجد أن الجهاد الإسلامي متمثلا بهيئة تحرير الشام بقيادة أبي محمد الجولاني قد وصل إلى سدّة الحكم بفضل دماء سُفكت من أجل “قيام حكم الشريعة”، لكن دخول قصر الحكم في دمشق بيّن أنَّ حكم سوريا مرهون بالانخراط في النظام العالمي، وأنَّ “حكم الشريعة” هو في أفضل الأحوال، في هذه الظروف والشروط الدوليّة، محدود جدًا وفي نطاق تنظيميّ يخص المواطنين المسلمين وليس في صلب نظام الحكم في سوريا ودستور البلاد وما يشمله ذلك من منظومة القضاء والاقتصاد وتطبيق الشريعة الموسع والشامل.



