1958 عام من الوجد – أمل الخطيب

في أواخر سنة 1957 أرسلت أمل الخطيب، الطالبة في المرحلة الأخيرة في دار المعلمين العالية، أول رسالة إلى حبيبها وخطيبها، وزوجها لاحقا، صالح الطعمة، وكان أستاذا في دار المعلمين، تستهلّها بالقول: “شاعري.. وأخيرا وجد هذا القلم من يكتب إليه من دون خجل أو دموع…”، لتشرع في درب من التراسل دام عاما كاملا، وانتهى مطافهما بالزواج في مطلع سنة 1959. حُبٌّ أوقدت نيرانه على عجلٍ والتهب بزواجٍ دام نحو خمس وستين سنة. فبماذا حمّلت رسائل هذه السنة (نحو مئة رسالة)، وما يصادف القارئ فيها، والأهم ما قيمة هذه الرسائل لا سيما بعد حب توّج بزواج ناجح، وهل تكون كل المشاعر الغضة في لُهاب الحب الأول بعد الزواج إلا ذكرى وثّقت في كلمات؟ إنَّ قراءة هذه الرسائل تفصح عن مشاعر وأشواق وأحلام وآمال وموانع اجتماعية وتقاليدية في وجه الحب وأناس بمختلف الأنماط والسمات. لكنها في المقام الأول تكشف عن امرأة عاشقة غيور وشجاعة ذكية ذات حيلة، لم تستسلم حين هبّت ريح الرفض على أشرعة سفينتها في بحر الحبّ في بلد تعصف به كل رياح التشتت والتمزّق والثورة. تُذكِّرنا رسائلها تارة برسائل كافكا، لا سيما رسالتها إلى أبيها (الرسالة الوحيدة غير المرسلة إلى حبيبها في الكتاب)، وتارة، حين تصبح ذات طابع اليوميات ومشاغلها بعد خطوبتهما، برسائل نابوكوف إلى زوجته فيرا، وهو يُعلمها بتفاصيله اليوميّة التي لا تعدو أخبارا يذهبُ بأهميتها غروب شمس نهارها.
كتبت أمل الخطيب رسائل، ربما، لو قدِّر لها الانتشار لأمكن أن تعد من أروع رسائل عربية تكتبها امرأة إلى حبيبها في العصر الحديث، بل ربما لصنّفت من ضمن أفضل كتب الرسائل الأدبية. نعيش معها مشاعر الحب والكره والفرح والأسى والسخط والغضب وكل ما يعتلج في النفس البشرية من أحاسيس ويخامرها من خواطر، فتأتي تعابيرها وألفاظها بعيدة عن التكلّف بل واضحة صادقة مباشرة بليغة. وترشح أحيانا بعين روائية تصف شخصيات من عالمها لا سيما عائلتها وبالأخص أبوها. تكتب عن الحزن “أنا لا أملك غير شعوري الآن. أجل، فقد انتهت عيني من الابتسام، وبدأ الناس يتساءلون عن سر عيني، حين لا يرون فيها الدموع. والأمر المعتاد أن يسأل الإنسان عن سبب البكاء، لا عن امتناعه!”. وتصف عائلتها في رسالة ساخطة بعد معارضة أبيها زواجها بصالح ”أجل إنني لا أملك غير حبي يا (…)، ولأجل هذا الشعور أريد أن أبعد بك عن عائلتنا فإنها أتفه عائلة وجدت للآن. كان يحكمها إله. أجل، بالرغم من أنه جاء في القرآن الكريم “لا إله إلا الله”. كان يقبض على أبوابها عينا رجل قاسيتان، خاليتان من كل تعبير، إلا حب الذات الذي يفسره هو بأنه حب لنا، وفائدة مستقبلنا”.
بذلت أمل الخطيب قصارى جهدها لتذلل صعاب كادت أن تحول بينها وبين تحقيق مُناها وزواج من تحب، لكن المرأة الشجاعة تعرف كيف تصبر وتنتصر بعد أن تستنفد كل جهدها وتقدم على مذبح الحب كلّ أضحيّة. نقف في هذه الرسائل على روح باسلة اعتلجت في صدر أمل المرأة المحبة والأديبة الأريبة.
بيد أننا قبل ذلك لا بد أن نسأل مَن أمل الخطيب التي نقرأ رسائلها؟ امرأة عراقيّة ولدت في سنة 1936 والتحقت بدار المعلّمين العالية/ جامعة بغداد وتخرّجت فيها سنة 1958. عُرفت لها محاولات أدبية شعرية ونثريّة، وتبين رسائلها أنها استعملت موهبتها في نطاق كتابيّ ضيّق. هاجرت أمل الخطيب إلى أمريكا برفقة زوجها في سنة 1963، حيث عمل في منصب الملحق الثقافي بواشنطن ما بين (1963-1964)، فاستقرا هناك بعدئذ. أكملت في أمريكا دراستها العليا في علم المكتبات، وعملت في المكتبة العامة لمدينة بلومنجتون بولاية أنديانا الأمريكية أكثر من ثلاثين سنة حتى وافتها المنية في الحادي والثلاثين من شهر آب/ أغسطس سنة 2025. أما المُخاطَب في رسائلها فهو صالح جواد الطعمة المولود في سنة 1928 أديب وشاعر ومترجم عراقي صدرت له عشرات الكتب في العقود الماضية، تخرّج في دار المعلمين بغداد لسنة 1952، وحصل على شهادة الماجستير والدكتوراة من جامعة هارفارد بأمريكا في سنتي 1955 و1957. عمل بعد عودته في سنة 1957 أستاذا في دار المعلّمين العاليّة حيث كانت أمل، الطالبة المتلهّفة للحب. ويبدو من تاريخ أول رسالة لها أنَّها ما انتظرت كثيرا لتهوي في هواه أو يهوي في هواها، فتعرّفا إلى بعض وعلى عجلٍ وجدا إلى الوصال سبيلا.
وقف الأب في أول الأمر عائقا بين رغبة الاثنين في الزواج، لكنّ بعد لأي ومشقّة ورفض وعناد خضع الأب ورضي بزواجهما الذي دام نحو خمس وستين عاما، معظمها في أمريكا. مكثت الخطيب الشهور الأخيرة من حياتها، كما تبيّن الورقة المنشورة من يوميات زوجها في ختام الرسائل، بعد أن أصيبت بالسكتة الدماغية في 23/8/2024، في مركز رعاية الذاكرة Memory Care، الأمر الذي ألقى بظلاله الثقيلة على زوجها في وَحدة فاقمها غيابُ زوجته، ونراه يستوحش فراشه وطعامه وبيته، لكنها هذه الظلال استحلكت ظلاما عنيفا بعد وفاتها مخلّفةً إياه وحده ينتظر لمَّ شملهما على شفا جرف قرن من العمر.
*
ستصدر إن شاء الله في قادم الأيام في مجلة فصلية قراءة نقدية موسعة عن هذه الرسائل.



