لماذا لم توجد عصور وسطى إسلامية؟ – توماس باور

يقدم توماس باور، المستعرب الألماني وأستاذ العربية والدراسات الإسلامية، في كتابه هذا دراسة أكاديمية – تاريخية ينفي فيها وجود عصور وسطى إسلاميّة، ويرفض فيها تحقيب “العصور الوسطى” في العموم. ويرى في العصور الإسلامية منذ القرن السادس استمرارا للعصور العتيقة، متبنيا التحقيب الألفي ذا المساحة الجغرافيّة الواسعة لغاريث فودن، وإنْ كان يفصّل فيه ويضيف عليه. يقوم الرفض، كما يذهب باور، على أساس “أن يكون التعامل مع العصور الوسطى مماثلاً؛ فالعصور الوسطى كانت فقط هناك؛ حيث توجد أُورُبّا، وليس عند المايا، ولا عند الأزتيك، وهي من الندرة بمكان في الصين. ولكن عندما نطبق هذا المصطلح عنوة على المجتمعات الإسلامية في الشرق الأدنى ووسط أسيا، فإننا نغتصب هذه الثقافات من أجل تاريخنا الخاص، الذي نجعله بالتالي نموذجاً عالمياً للآخرين”. ولأنه “في حين يتم تعريف أُورُبّا من خلال العصور القديمة، والنهضة، والإصلاح، والتنوير، والحداثة، يتم تخزين العصور الوسطى وحجزها في العالم الإسلامي. وبعقلية القرن التاسع عشر نفسها، يقال أن المهمة التاريخية للعالم الإسلامي تمثلت، قبل كل شيء، في الحفاظ على معارف العصور العتيقة خلال أزمة أوائل العصور الوسطى ثم تمريرها إلى الغرب”. أما الرفض لـ”العصور الوسطى الإسلامية” عنده لأسباب ستة تشمل: عدم الدقة، استنتاجات خاطئة، الازدراء ما أمكن، الغرائبية، نبرة إمبريالية، مصطلح دون أساس موضوعي. يرى باور أن اصطلاح مصطلح ما ينبغي أن يكون له أربعة شروط، جميعها غير متوفرة في مصطلح “العصور الوسطى”: ينبغي أن يكون غير قيميّ، لا بد أن يسري على نطاق واسع، يجب أن يدمغ الحياة بشكل كامل، أن يكون لحقبة جديدة نهائية ودائمة (لا تكون الحقبة جديدة إلا بتغيّر ظروف الحياة وبعمق شاملة قطاعات واسعة من الناس لا النخبة وحدها). وفي صلب دراسته الرافضة لهذه التحقيب غير الموضوعي، والواصم، يضع معجم التطور المقارن ما بين الشرق والغرب في حقبة زمنية واحدة ما بين القرنين الخامس والحادي عشر، وهو يأخذ حروف المعجم الستة والعشرين ليمثل كلُّ حرفٍ تطورًا وجد في الشرق ولم يوجد في الغرب، مبددا بذلك “العصور الوسطى الإسلامية”، ومن الأمثلة الستة والعشرين: الأمية، والحمامات العامة، والنشاط الجنسي، والفرص المتاحة، والأعياد، والقرميد، والزجاج، والفردانية، واليهود، والفلوس النحاسية، والطب، والعلوم الطبيعية، والورق، والحكم الإلهي، وشبكة المواصلات، إلخ… لكن السؤال الذي يطرح نفسه فهو ما البديل التحقيبيّ للعصور الإسلاميّة؟ أشرت سلفا إلى اختياره التحقيب الألفيّ لغاريث فودن، ويجعله على مراحل عدّة تبدأ بالعصر النبويّ وما تلاه هي المرحلة الاستكشافيّة، تلتها المرحلة الكتابيّة أو النصيّة، ثم المرحلة التفسيريّة، ونتجت عن هذه المراحل الثلاث الأولى في القرن الحادي عشر تقريبا المرحلة التكوينية، أي مرحلة التي وضعت فيها كتب منهجية في العلوم والمعارف الإسلاميّة وخلاصتها، التي لا يمكن بلوغها من دون المرور بالمراحل الأولى في قرون من الزمن وتنقيحها، مثل النحو والبلاغة ونظرية الأدب ومعاجم اللغة والمنطق وأصول الفقه وفروعه وعلم الكلام والتفسير والحديث والطب والتصوف والفلسفة والرياضيات والبصريات. ثم مرحلة ما بعد التكوينية وهي تساهم في علوم ومعارف المرحلة التكوينية من دون إحداث قفزة تغييرية هائلة، والمرحلة الأخيرة هي المعاصرة أي مرحلة الحداثة. يخلص باور إلى ثلاث مراحل رئيسة: مرحلة تكوينية ما بين القرنين الأول والخامس للهجرة (السابع والحادي عشر للميلاد أو الثاني عشر)، مرحلة ما بعد التكوينية ما بين القرنين السادس والثالث عشر للهجرة (الثاني عشر والتاسع عشر للميلاد)، مرحلة المواجهة منذ القرن الرابع عشر للهجرة (العشرين ميلادي) حتى يوم الناس هذا.



