
عاد المؤرخ يوفال نوح هراري بعد أن ذاع صيته في العقد الماضي بكتب مثل الإنسان العاقل: موجز تاريخ البشرية، والإنسان الإله: موجز تاريخ الغد، – بكتاب جديد نشره في سنة 2024 بعنوان الرابطة موجز تاريخ شبكات المعلومات. جاء الكتاب مُكمِلًا مسيره في تتبّع تاريخ الإنسان وإنجازاته والأخطار المحدقة بمستقبله على الأرض، ومنتهجا الأسلوب نفسه في السرد الحكائي في عرض مادة كتابه وأفكاره ورؤاه في الموضوعات التي تناولها بتفصيل. عاش البشر منذ آلاف السنين تجمعهم في الحياة روابط كثيرة من أهمها المعلومة، بوصفها الجزيء الأصغر المكوّن لأي معرفةٍ مهما عظمت أو صغرت، وهي رابطة بينهم على اختلاف العصور وتنوّع المعارف وتباينها. تناقل البشر المعلومات في شبكات تصغر أو تكبر حسب الحاجة والسلطة، وتُحُكِّم في تدفّقها ومساراتها حتى أضحت في أوقات كثيرة سلاحا بيد القوّة الحاكمة، لا سيما في أوقات الصراع أو رغبة السلطة في التحكم بالشعب وإخضاعه الكامل لأوامرها وأهدافها وتُسيّره على النُهج التي تختارها. غير أنّ السؤال ما المعلومة؟ وما شبكة المعلومة؟ وما سُبُل تنقّل المعلومة وتناقلها؟ كيف تُحفظ المعلومة؟ ما أدوات حفظها؟ كيف يُسيطر عليها وتُستغل أو تُستثمر؟ كيف أثّرت المعلومة في الفكر وحياة الإنسان؟ ما العلاقة بين السلطة والمعلومة؟ كيف تحتكر السلطة المعلومة؟
يشرع يوفال في الجزء الأول من كتابه، وهو بعنوان الشبكات البشرية، في الإجابة عن هذه الأسئلة ومناقشتها منذ بدايات الإنسان في فجر التاريخ وتقادمه وتطوّر سبله المعرفيّة والحياتيّة. إنَّ المعلومة التي يقصدها يوفال في كتابه في أبسط صورها هي العلم بالشيء وما نتصوره عنه، وهي لا تعني الحقيقة بالضرورة، وشبكة المعلومة هي آليات حفظها ونقلها إلى آخر. فشروق الشمس معلومة عن ظاهرة تأذن ببداية النهار، وغروبها معلومة عن ظاهرة تأذن بنهايته وبداية الليل، وهلّم جرَّا من أدنى ما يعلمه الإنسان إلى أعظمه وأعقده مثل قوانين فيزياء الكم وعلوم الفيزياء النووية والكيمياء والرياضيات وما سواه من علوم متقدّمة. وإخبار أحدنا لآخر بأنّ شروق الشمس هو بداية النهار للخروج إلى الصيد وجمع الثمار هي شبكة بشرية بسيطة تنقل المعلومة بين إنسان وإنسان آخر. واختراع الكتابة تقنية تعلّمها الإنسان أنتجت معلومة، ونقلها إلى آخرين تعلّموها. وما وضعه الإنسان على اللوح الطيني أو ورق البردي هو حفظ للمعلومة، وبقاء اللوح أو ورق البردي لجيل آخر من الناس هي عملية انتقال المعلومة من مكان إلى مكان، وزمان إلى زمان، أي إن الكتابة على مادة صارت وسيطة انتقال لما وضعه الإنسان من علم وأضحت بانتقالها إلى الآخر شبكةَ نقل المعلومة. تراكمت بتقادم العصور معارفِ الإنسان وعلومه، وتطوّرت شبكات انتقال المعلومات من الرسوم في الكهوف ثم النقش على اللوح الطيني والرسم على ورق البردي، مرورا بالكتابة بالحبر على الورق، إلى اختراع الطابعة، انتهاء بعصر الحاسوب والبرمجة والذكاء الصناعي. في هذا المقام يطرح يوفال هل المعلومة خيّرة أو شريرة، أو بصيغة أخرى هل العلوم والمعارف وتعلّمها خير أو شر؟ إنّ المعلومة وما يترتب عليها من علم ليست خيرًا في ذاتها ولا شرًّا، إنما الخير والشر في الإنسان وسبل استخدام المعلومة واستغلالها، ناهيك بأنّها قد تعبّر عن الحقيقة والحق وقد تعبّر عن الزيف والباطل. يكتب يوفال “تمثل المعلومة الحقيقة في بعض الأحيان، ولا تمثّلها في أخرى، غير أنها تربط دائما بين الناس وهذا أهم خصائصها”. إن الجمع بين الناس بالروابط والشبكات يترتب عليه نشأة نظام بشري في مجالات الحياة كافة من الأسرة والمجتمع إلى الدولة والحكومة. وقد تجمع المعلومة الناس أو تفرّقهم مثل الكتب السماوية والأديان، ومبادئ المعلّمين والمرشدين مثل سقراط وبوذا، والأيديولوجيات مثل الاشتراكية والرأسمالية.
إنَّ ما نعرفه عن الواقع Reality، أو ندرك وجوده، ماديّا أو عقليّا، ينقسم إلى ثلاثة أنماط من الواقع: الموضوعيّ Objective، والذاتيّ Subjective، والبينيّ Intersubjective. فالواقع الموضوعي هو ما يُدرك أو يتحقق بوصفه قائما أو مستقلا عن إدراك الفرد مثل الأجسام المادية والظواهر؛ والواقع الذاتي ما ندركه بالعقل أو الحس أو التجربة مثل الشعور بالخوف أو الجوع أو نتذكره من أحداث ماضية، والواقع البينيّ هو ما نتشاركه من معلومة أو معرفة ونتّفق على وجودها أو قيمتها أو دلالتها مثل النقود أو المعتقدات أو اللغات. والمعلومة هي وسيطة نقل هذه الأنماط من الواقع بين الناس في الشبكات والروابط، في حال اتفاقهم أو اختلافهم عليها، وهي ما تُنشئ تجمّعات ماديّة أو تخيّليّة، ويتأتّى منها مشتركات عقليّة أو نُظُم حاكمة. يشير يوفال إلى أن تعامل الناس مع المعلومة ينشطر شطرين رئيسين، الأول هي النظرة السطحية للمعلومة، فكونها معلومة (أو معرفة في تراكمها) فهذا يجعلها عند بعض الناس سبيلا إلى الحقيقة، وتتفرّع عن الحقيقة الحكمةُ والسلطةُ. أما الشطر الآخر فهي نظرة أكثر إدراكا وشمولا تاريخيا للمعلومة، فكونها معلومة (أو معرفة) فهي تؤدي إلى الحقيقة وكذلك إلى النظام، وتتفرّع من الحقيقة الحكمةُ والسلطةُ، غير أن السلطة متفرّعة عن النظام أيضًا. توضح الصورة من الكتاب أدناه تصوّر يوفال للفرق بين النظرة الساذجة للمعلومة ونظرة أكثر اكتمالا عنها.
إنّ أهم ما في هذا التنقل من المعلومة إلى الحكمة والسلطة هو النظام المتحكم بالمعلومة لا حقيقة المعلومة أو معناها، أي بنية الشبكة التي تحدد من ينتج المعلومات، ويملكها، ويستثمرها، ويوزعها ويملك المقدرة على حذفها، ويحدد ما يظهر منها وما يختفي ومتى وأين وكيف. في بيان ذلك يستفيض يوفال في أخذ نموذجين من أنظمة الحكم وتحكمهما في المعلومة وهما النظام الشموليّ والنظام الديمقراطيّ. يتراءى في أول الأمر أن النظام الشموليّ أسوأ من الديمقراطي في سيطرته على المعلومة وشبكاتها لكونها تصبُّ إلى المركز الحاكم دائما ثم تعبر منه، أو ما يُراد له أن يعبر، إلى الأطراف، ويأخذ يوفال النظام السوفيتي مثالا على كيفية احتكار المعلومة وسبل انتقالها. في حين أنَّ انتقال المعلومة في النظام الديمقراطي لا يمر بالمركز ثم إلى الأطراف، بل هو قائم على لا مركزيّة المعلومة وتناقلها، وهو ما يتيح حريّة تنقل المعلومة ويمنع السلطة من احتكارها. غير أنّ الأنظمة الديمقراطية وإنْ بدت أفضل من الشموليّة، لا سيما الشموليّة المتطرفة منها، ليست في منأى عن التحكم بالمعلومة وتناقلها ومنع المعلومة التي لا تريدها. أبان الغزو الروسي لأوكرانيا أن أوروبا على سبيل المثال تُعاملُ المعلومةَ الروسيّة معاملة مختلفة، فهي تمنع وصولها إلى سكان أوروبا بحظر وسائل الإعلام الروسيّة سواء في القنوات الفضائية أو في مواقع التواصل الاجتماعي، وإبقاء المواطن يتلقّى الملعومة من مصدر واحد، أي مصدرها هي. من يهيمن على شبكات المعلومات يهيمن على المعلومة ثم الحقيقة ونوعها.
كان احتكار المعلومة والسيطرة على شبكاتها واسعا وكبيرا في عصر ما قبل الحاسوب والذكاء الصناعي، إذ قام على الإنسان أو بعض الآلات التي يمكن التحكم مركزيا فيها مثل الإذاعة والتلفاز والصحف والكتب. بمقدور سلطة من السلطات أن تتيح المجال لأناس وتغلق الباب في وجه آخرين، وتُسمعُ الناسَ أصواتَ من تريد وتُصمُّ آذانَهم عن آخرين، وتنشر في الصحف ما تريد من أخبار وتمنع أخرى، وتطبع ما تريد من كتب وكتّاب وتحظر آخرين من النشر. من دون شك فإنّ حرية المعلومة في الدول الديمقراطيّة أفضل من الدول الشموليّة، ويبقى ذلك في حدود ما دامت السلطة لا ترى في معلومةٍ ما بعينها خطرا يهدد مصالحها وأمنها. غير أنّ مع عصر الحاسوب والذكاء الصناعي لا سيما في النصف الثاني من القرن العشرين حتى يوم الناس هذا فصاعدا، في الغالب، فإنّ كلا النظامين الشمولي والديمقراطي صار قادرا على زيادة سلطته أو أن يكون عُرضةً لخطر يتهدَّده بارتخاء قبضته المتحكّمة بالمعلومة وسبل تناقلها في الشبكات.
يناقش يوفال في الجزء الثاني من كتابه عصر شبكات المعلومات غير العضويّة/ الجامدة/ الصناعيّة أي الحاسوب والإنترنت والخوارزميات والذكاء الصناعي وأدواتها. دخلت البشرية في عصر جديد صار للشبكات الصناعية يدٌ في توليد المعلومة والسيطرة عليها ونقلها والتحكم بها واستخدامها في أغراض خاصة يُحددها مشغّلوها. غير أن خطر هذه الشبكات، كما يرى يوفال، هو في مقدرتها على التحكم الذاتيّ في التأثير في البشر. يأخذ مثالا على ذلك بذكر دور خوارزميات فيسبوك في الصراع في ميانمار وتأليب البوذيّين على الروهينغا المسلمين في سنة 2017. كان هدف فيسبوك زيادة عدد ساعات بقاء المستخدمين في فيسبوك، وبُرمجت الخوارزميات على إبقاء المستخدم أكبر عدد ممكن من الساعات. استنتجت الخوارزميات من بيانات الاستخدام أنّ المستخدمين يقضون وقتا أطول في متابعة المواد المعروضة ذات الطابع العنيف والدموي ويتفاعلون أكثر معها، وأقل تفاعلا وانخراطا في المواد ذات الطابع الهادئ والسلمي. زادت الخوارزميات، بفضل ما جمعته من بيانات عن تفاعل المستخدمين مع المواد العنيفة أو المنشورات التحريضية، عرض هذه المواد على المستخدمين فزادت عدد ساعات بقائهم في فيسبوك، مما يعني تحقيق الهدف الذي وضعه المبرمجون لها وسياسات الشركة العاملون فيها. في حين أن المبرمجين أو الشركة المشغلة ليسوا بالضرورة يوافقون على عرض المواد العنيفة أو ما ينتج منها، وهذا ما كان لاحقا بفرض رقابة أكبر وحظر المواد العنيفة. غير أنّ ما كان هو أن الخوارزميات أخذت المبادرة، إن صح التعبير ولو مجازا، في التأثير في حياة الناس وتوجهاتهم، وأن نظاما خوارزميا صُمم لأهداف تجارية وربحية أنتج آثارا اجتماعية لم يحددها مبرمجوه صراحة. شهدت حرب الإبادة في غزة سياسات صارمة في فيسبوك على المحتوى الفلسطيني، شمل ذلك موقع إنستغرام المدار من الشركة نفسها، فحظرت حسابات وحذفت منشورات وقيّدت وصول المنشورات إلى المستخدمين، في تحكم واضح وجليّ بالمعلومة. هذا تأثير آخر أيضا من الخوارزميات في حياة الناس وتوجهاتهم، وقبل كل في أرواحهم، إذ تقييد سبل نقل الواقع الإبادي في غزة إلى العالم الخارجي مما قد يقلل من الضغط الشعبي على الحكومات، وتخف إثر ذلك غالبا مسؤولية الحكومات في اتخاذ سياسات أو إصدار قرارات تمنع أو تحدّ من مقدرة واستمرار إسرائيل في إبادة الناس في غزة. يخلص يوفال في دور الخوارزميات في حياة الناس إلى “استعمل الأنبياء والشعراء والسياسيون اللغةَ في آلاف السنين للتلاعب بالناس وتشكيل المجتمع، أما اليوم فقد تعلّمت الحواسيب أن تفعلها كذلك. وهي ليست بحاجة إلى إرسال الإنسان الآلي لقتلنا بل يكفي أن تتلاعب بالبشر وتجرّهم إلى أهدافها”.
إن الخوارزميات الحاسوبية وهي “مجموعة من التعليمات والخطوات المنطقيّة والعمليات الرياضية مصممة لتنفيذ مهمة أو حل مشكلة حاسوبية معيّنة” يمكن أن تستخدم أو تُبرمج على أهداف تضر بالمستخدمين بقصد أو دون قصد. وهي لا تملك إرادة ذاتية إنما مسلوبة الإرادة ويتحكّم بها في المقام الأول سياسات برمجة وأهداف تجارية واقتصادية وسياسية، انتهاء في المتحكم الأخير وهو المستخدم وفق شروط وقوانين المبرمجين والحكومات وغايات سياسية واقتصادية ونفعية خاصة. غير أنها قد تحصل على هذه الإرادة الذاتية والتحكم وفق ما تمنح من بيانات وما يُطلب منها أهداف تحققها دون برمجتها على طريقة وصول بعينها. وفي حال الضرر والاستخدام الخاطئ فإن اللائمة عند في المقام الأول على سياسات البرمجة وأهداف الشركة أو السلطة الموجّهة له، ولا يعفى المستخدم من مسؤوليته هو الآخر. إن هذه الأداة غير العاقلة وغير الحية عاجزة عن توليد خيار أو اتّخاذ قرار من تلقاء نفسها، في الأقل حتى الساعة، ولا يمكن محاسبتها إذ ليس لها كيان حي ماديّ وواعٍ، وفي حال الضرر فليزم محاسبة صاحب اليد العليا عليها إن ثبتت مسؤوليته وليس بمبادرة غير مطلوبة من الخوارزميات على وجه مباشر. وهي في ذلك تفرق عن الإنسان المرؤوس الذي ينفذ أوامر رئيسه لأنه يملك الإرادة الحرّة والقدرة على الرفض، وهذا ما لا يوجد في الخوارزميات والحواسيب والذكاء الصناعي.
أدّى التطوّر الحاسوبيّ والبرمجيّ إلى إنشاء شبكات نقل معلومات جديدة، فبدلا من شبكات انتقال معلومة بين الناس صار عندنا شبكات نقل معلومات بين الحواسيب والأجهزة. ومن الأخطار “المتخيّلة” عن ذلك هو إمكانية أن تُنشئ الخوارزميات معرفة برمجية بينيّة تتناقلها بين الحواسيب والأجهزة في منأى عن إدراك المبرمجين والمستخدمين. فإذا استطاعت إنشاء ذلك، وهذا غير ممكن حتى اليوم، فإن عصر الذكاء الصناعي دخل في مرحلة القدرة على السيطرة واتّخاذ القرار. غير أنّ المشكلة هنا، وهي كبيرة جدا إلى حد يكاد يتكسّر على صخرتها كلُّ المخاوف والأخطار وحتى التطور المستمر للخوارزميات، وهي المشكلة اللوجستيّة في إدامة البنية التحتية اللازمة لتخزين البيانات ومعالجتها. تستهلك مراكز معالجة المعلومات “1-1.5 %من إنتاج الطاقة العالمية، وتشغل مراكز معالجة المعلومات الكبرى ملايين الأقدام المربّعة من المساحة، وتستهلك مئات الآلاف من لترات الماء النظيف لتبريدها”. أي إنّ الذكاء الصناعي في المستقبل يواجه مشكلة متمثلة بالطاقة والمساحة والماء فضلا عن الكلفة التشغيليّة. وفقا لذلك فإنّ أي مستقبل لحاسوب والذكاء الصناعي مشروط بالإنسان والمصادر الطبيعية، ومن دون ماء ولا مساحة ولا طاقة تكفي احتياجات هذه الآلات هو محفوف بمشكلات تحدُّ من تطوّره أو تبقيه عند نقطة معيّنة، ما لم يستطع الإنسان تجاوزها بإيجاد حلول أرخص كلفة أو لربما حلول على حساب البشر أنفسهم.
في خضمّ هذا التطور الحاسوبيّ والخوارزميّ المتسارع فإنّ أول ما يتهدد الإنسان هو نهاية الخصوصيّة وخضوعه للرقابة المستمرّة من الأجهزة الرقميّة والخوارزميّات. لن تفرق هنا الأنظمة الديمقراطيّة عن الأنظمة الشموليّة سوى في الممتلك لهذه البيانات ومراكز حفظها ومراجعتها وسياسات الملكية والقوانين المفروضة من الحكومات. ستكون للشركات الكبرى والحكومات اليد العليا في السيطرة على الناس ومراقبتهم والتحكم بهم وحتى تهديد حياتهم، وليست حادثة البيجر في لبنان عنّا ببعيدة. استطاعت إسرائيل بفضل اختراق حزب الله، بعد تزويد الحزب بأجهزة النداء اللا سلكي البيجر بشرائح متفجّرة، من تفجير أجهزة البيجر فأودت الحادثة بعشرات القتلى وآلاف الجرحى. ومن علامات انعدام الخصوصيّة هو علم هذه الشركات بساعات استخدام المواطنين لمواقعهم وأجهزتهم، وتوجهاتهم كافة، والتلاعب بها، أو تعريضهم لمحتوى محدد وإعادة تشكيل هذه التوجهات بسبل مختلفة.
ناقش يوفال في الجزء الثالث من كتابه سياساتِ الحاسوب، أي العلاقة القانونية الناشئة بين شركات الخوارزميات والذكاء الصناعي من جهة والحكومة من جهة أخرى والفرد المستهلك بينهما. وما السبل القادرة على تنظيمها والسيطرة عليها، والحد من قدرتها على انتهاك حقوق الفرد، وضمان ألا تقع في أيدي قلّة أو حتى الحكومة واستغلالها سياسيّا لتأييد سياسات معينة ومحاربة أخرى، أو ربحيّا ببيع بيانات المستخدمين. ما زالت الحكومات والأفراد يتعاملون مع الخوارزميات والذكاء الصناعي بطريقة استكشافيّة، وبسبب التطور السريع والمستمر فإنّ المواكبة سواء في فَهم آليات الاستعمال والنشاط أو سنّ القوانين تبدو بحاجة إلى الكثير من الجهد والتعاون، مع التأكيد أنّ الكثير من القوانين تأتي لاحقة على استعمال الخوارزميات وأدوات الذكاء الصناعي، فتأتي بعد اكتشاف المشكلات ولا تمتلك المقدرة غالبا على توقّعها أو توقّيها. أدى مثلا تغوّل استخدام الذكاء الصناعي في إنتاج المحتوى المكتوب والمرئي إلى إقرار الاتحاد الأوروبي ابتداء من آب/ أغسطس الجاري التزاماتِ شفافية على مزودي الذكاء الصناعي، وناشري منتجاته في نطاق محدد، بوضع علامة يمكن منها تمييز المحتوى المعد أو المعدّل من الذكاء الصناعي. غير أن الخطر المحدق، أو لعله النازل بكثير منّا اليوم، هو في الاعتماد المفرط أو الساذج على الخوارزميات والذكاء الصناعي وأدواته وتحليلاته في كلّ الجوانب الحياتية. يمنح هذا الاعتماد سلطة للخوارزميات أو أن يكون لها يدٌ في التحكم بالناس كما في استخدام البوت Bot لأغراض حميدة أو خبيثة. إنَّ السلطة الممنوحة للذكاء الصناعي قد لا تؤثر في حياة المستخدم فقط بل وفي مستقبل البشريّة. يعرض يوفال ذلك في فصل “معضلة الدكتاتور”، ومفادها “لا يمتلك الطغاة آليات التصحيح الذاتي، وإنْ وجدت فهي ضعيفة، وهم في خطرٍ دائمٍ بأن يُطاح بهم من أتباعٍ أقوياء. يزيد صعود الذكاء الصناعي من الطين بلّة ويفاقم المشكلة، وتتركهم شبكة الحاسوب في معضلة عويصة. إذ يسع الطغاة أن يتخلّصوا من الأتباع المشكوك فيهم بالثقة المطلقة في التقنيّة ذات العصمة المفترضة من الخطأ، ويمسون إثر ذلك دُمية بيد التقنيّة. وإذا ما جنحوا لبناء مؤسسة بشرية تتحكم بالذكاء الصناعي فإنّ ذلك قد يحدُّ من سلطتهم أيضًا”. فهذه المعضلة تجعلنا بين خيارين، لا الدكتاتور وحده، هل أثق ثقة مطلقة في الذكاء الصناعي وتطبيقاته وأدواته أو لا أثق إلا بدرجة محددة؟ لكننا ما أن نستشيره أو نستعمل التطبيقات الرقمية فإننا واقعون تحت تأثيره سلفا بدرجة تكبر أو تصغر. فكم منا مثلا يثق في خرائط غوغل عند الذهاب إلى عنوان يريده أكثر من ثقته في كلام رفيقه في الرحلة؟ ومع ما نراه من استشارة الذكاء الصناعي في الطب والاقتصاد والعلوم والآداب والدين فإنَّ الاعتماد لا يقف على الثقة المفرطة بل مدعاة إلى الخمول العقلي والكسل الفكري.
ينهي يوفال الحديث في كتابه عن مستقبل المخاطر الرقمية والذكاء الصناعي وظهور أجيال جديدة من الحروب كحرب الفيروسات والخوارزميات، واحتمال انقسام العالم في إمبراطوريات رقميّة لا سيما أمريكا والصين، وما يجرّه ذلك من استعمار رقميّ بأن تسيطر هذه الدول على بيانات صحية وإحصائية واقتصادية وتجاريّة ثم بيعها أو الاستفادة منها في دراسة الدول الأخرى والمجتمعات والتجسس عليها.
*
مما يلاحظ على يوفال في كتابه هذا أن فيه الكثير من الهذر والتكرار والاجترار، فالفكرة نفسها تطرح من عدة زوايا في فصول مختلفة، ولو اختُصر نصفه لما قلّت قيمته. وتغلب عليه نظرة تشاؤمية سوداوية يحاول نفيها، ويكون في مقام تقديم حلول ساذجة لمشكلات كبرى يتناولها في كتابه مثل تلك المتعلقة بنهاية العالم. يكتب “ما دام البشر مهتمين بالحقيقة فما زالت الفرصة سانحة للحلّ السلمي لبعض النزاعات في أدنى الأحوال، سواء بالمحادثة، والإقرار بالأخطاء، واعتناق أفكار جديدة، وتنقيح القصص (يقصد الأديان والأيديولوجيات) التي نؤمن بها. فهذا هو الافتراض الأساس الذي تقوم عليه شبكات المعلومات الديمقراطية والمؤسسات العلميّة. وهو الدافع أيضا والمحفز الأول لكتابة هذا الكتاب”. فأن يقترح حلولا في صراعات إمبراطوريات التسليح المعلوميّ والاستعمار الرقميّ تتمثل في المحادثة والإقرار بالخطأ وتغيير التوجهات والاعتقادات فهذا أبعد ما يكون عن الواقع والتنفيذ بين الأقطاب المتنافسة. والعودة إلى افتراض أخلاقي بقدرة البشر على تغليب الحقيقة والمصلحة العامة على القوة والمصلحة الذاتية غاية بعيدة المنال. بيد أنه يراها ممكنة لمشكلات “إذا ما شططنا في التعامل مع الذكاء الصناعي فلربما استطاع أن ينهي سلطة البشرية على الأرض وحدها بل ويطفئ ضوء الوعي نفسه، محوّلًا الكون إلى مملكة الظلام الشامل. ها هنا تمكن مسؤوليتنا للحيلولة دون وقوع ذلك”. ولعلّه يبلغ قاع غير الممكن تحقيقه حين يكتب “أو لعلّنا لبناء شبكات معلومات أكثر حكمة يلزمنا أن نتخلص من الآراء الساذجة والشعوبيّة عن المعلومات، ونعرض صفحا عن خيالات العصمة [الدينية والذكاء الصناعي]، ونلزم أنفسنا ببناء مؤسسات صلبة وذات نزعة دنيويّة بآليات تصحيح ذاتيّ قويّة. وربّما هذا أهم ما يطرحه هذا الكتاب”. لا أعني هنا انتفاء صواب هذه الحلول أو بعضها بل في التغاضي عن طبيعة العالم المتصارعة والمتنافسة وطباع أهل السلطة والثراء الذين لا يفكرون في خير البشريّة ولا صلاح مستقبلها إنما بنفع أنفسهم ومصالحهم. وهنا تكمن المفارقة في الكتاب، فقي الوقت الذي يفكك فيه هراري شبكة المعلومات وسياسات التحكم بها ناقدا النظرة الساذجة للمعلومة في أنها ستقود إلى الحقيقة ثم الحكمة والسلطة ثم إلى اتخاذ الصواب. فنراه يعمد إلى افتراض ساذج في أن الفضائل البشرية والمؤسسية قادرة على الحد من الاستخدام المضر لهذه الشبكة من أصحاب اليد العليا، من دون طرح سبل عملية وواقعية للوصول إلى استخدامات نافعة وخيّرة أو في الأقل تقليل المخاطر. لكن السؤال متى كان العالم فردوسا لا يتصارع فيه الناس أو يتنافسون على السلطة والسيطرة؟ هذه طبيعة بشرية لا يمكنها كبحها لكن الحد منها، فما السبيل إلى بناء شبكة معلومات يُحال دون أن تصير أداة محتكرة بيد السلطة لتنفيذ سياساتها؟ إنها مسألة تقنية ومؤسسية، وما زالت بحاجة إلى حل أو محاولة حل جادة وممكنة.



