الأخوات برونتيمقالات

العلاقة بين قسطنطين هيغر وشارلوت برونتي وكيف ألهمها هيغر كتابة رواية “جين إير”

كتابة: غدير

ترجمة: مؤمن الوزان

إنَّ شارلوت برونتي واحدة من أعظم كاتبات العصر الفيكتوري التي استلهمت رواياتها من حياتها الخاصة عمومًا لا سيما علاقتها مع رجل متزوج (كونستاتين هيغر) الذي ألهمها كتابة عدة روايات. ازدهرت العلاقة بين شارلوت برونتي وكونستاتين هيغر في بروكسيل وعلى نحو خاص في المدرسة حيث درست. لكن لا بد في بادئ الأمر من الوقوف على الأسباب التي دفعت شارلوت1 لاتخاذ قرار السفر إلى بروكسيل وتحزم أمرها تاركة عائلتها في بريطانيا. كان لدى شارلوت فكرة فتح مدرسة خاصة، وبعد النقاش مع أصدقائها قررت السفر بنيّة تعلم الفرنسية وتحسين الإيطالية (Gaskell 237). وصلت شارلوت إلى Pensionnat مدرسة هيغر الأستاذ الذي كان يديرها مع زوجته وقتئذ في عام 1842، وستلعب هذه الرحلة دورًا مهمًا في مسيرة شارلوت الكتابية وسيلهمها هيغر كتابة رواية “جين إير”.

توضِّح لكم الصفحات القادمة العلاقة التي ربطتهما، وكيف ألهمها استخدام اللغة الفرنسية -إلهامه في وصف شخصيات جين إير وبالأخص إدوارد روشيستر- ونهاية القصة السعيدة في الرواية التي تعكس جزءًا من حياة شارلوت العاطفية وكفاحها المعيشي.

نشأت جين إير في بيت خالها بعد وفاة ذويها، ولم تتلقَ معاملة حنونة إذ استثنتها زوجة خالها من أن تكون من أفراد العائلة. ثم ترعرت جين لتصبح معلمة في ذات المدرسة التي تعلَّمت فيها (مدرسة لووود)، وقادتها الأقدار بعدها لتصبح مربية في قصر ثورنفيلد. وقعت جين بعدها في غرام سيد القصر، إدوارد روتشيستر، الذي بادلها الحب أيضًا ثم قررا الزواج إلا أن افتضاح سر روتشيستر عرقل عجلة الزواج؛ إذ يُكتشف أنه متزوج سلفًا بيرتا ماسون. أوقعت شارلوت بطلتها جين في شِرك الظروف نفسها التي واجهتها، فكلاهما كانتا مربيةً وأحبتا رجلًا متزوجًا، لكن ما يميز حياة جين عن برونتي رغم تشابه الظروف أن برونتي منحت بطلتها نهاية سعيدة بزواجها روتشيستر. ويجب هنا معرفة نوع العلاقة التي ربطت شارلوت بهيغر: لم تكن مشاعر شارلوت تجاهه عادية، إذ تجاوزت حدود “المشاعر الطبيعية” التي تكنها الطالبة لأستاذها وبلغت تخوم حبه (Barker). كان هيغر زوجًا مخلصًا وأبًا لأطفال ورجلًا قويمَ السلوك؛ ساهم كل هذا في إضعاف محاولات برونتي في التقرب منه (Mcdonald 125). وتكتب شارلوت في واحدة من رسائلها إلى صديقتها: “ليعنْها [أي المرأة] الرب لو تُركت تُحبه بعاطفةٍ متقدة ولوَحْدِها” (Gaskell 216). على الرغم من أن شارلوت كتبت الرسالة قبل أن تلقتي هيغر ففي الحقيقة فإن المرأة التي أحبَّت حبًا غير متبادلًا هي من كانت بأمس الحاجة إلى العون. ولم يكن بإمكان شارلوت أن تحظى بكثير من المساعدة لو أنها خاضت في غمار علاقة شائنة، إذ لم تستطع أن تناقشَ الأمر مع الآخرين ما لم يكونوا أصدقاءَ حقيقيين. وعندما اضطرَّت شارلوت لترك هيغر في عام 1844؛ أبانت عن حبها في رسائلها فكتبت رسائلَ عديدة وبأساليب متباينة، وربما فكّرت لو أنها أصبحت “عقلانية” بدل التصريح بمشاعرها فقد يرد هيغر على رسائلها (Mcdonald 136). أرادت شارلوت رسالة واحدة، وكانت راغبة بقراءة أيَّ شيء يصلها من هيغر كما تكتب في إحدى رسائلها: “أخبرني بأيّ شيءٍ ترغب به، سيدي” (Mcdonald 113). توصَّل الاثنان بعدها إلى تسوية بأن تصلها رسائلَ منه، ووافقت عن طيب خاطر بإرسال رسالتين كل ستة أشهر، وعلى الرغم من أن الأمر لم يكن مُرضيًا أن تكتب إليه في وقت محدد فلم تملك غير خيار الموافقة. تتضح هذه الحقيقة في رسالتها وهي تقرن نفسها بابنه فتكتب: “لكن حاول أن تتخيل يا مسيو، ولو للحظة واحدة، بأن واحدًا من أطفالك يبعد عنك ستين فرسخًا، وأنتَ محكومٌ عليك أن تبقى مدة ستة أشهر دون أن تكتب إليه” (Mcdonald 121).

لم يكن هيغر ذا سمات فارقة، فهو رجلٌ متزوج وأبٌ لأطفال ولم يكن لافتًا للنظر كثيرا لامرأة عزباء أتت لتتعلم. ولم يكن كذلك خاليًا من المعايب أو وسيمًا ليُعشقَ، على النقيض تماما فهو رجلٌ قبيحٌ بوجه قط أو ضبع (Smith 36). ورغم هذا فقد استكشفت شارلوت شخصيته، ورأت ما وراء مظهره فلاحظت عطفه وخصاله الحميدة كاهتمامه بشؤون الآخرين وحاجاتهم. ووقعت بصيرتها على ذكائه وأسلوب تفكيره الفريد، وكان واضحًا أنَّ لديه ذكاءً فطريًا وأسلوبه الحَسَن (Harman). أثقلَ حبُ شارلوت ورفضُ هيغر كاهلها بعبء عاطفي فاضطرَّت للكتابة من أجل إزاحته والشعور بالراحة، وشرعت بكتابة القصص لتكون منفذًا للهرب من واقعها (Mcdonald 9). استخدمت شارلوت اللغة الإنجليزية لتسرد قصتها لكنها ضمَّنتها حواراتٍ باللغة الفرنسية. وتكتب في رسالة أُرسلت إلى هيغر: “عندما أنطق الكلمات الفرنسية يبدو الأمر كما لو أنني كنت أتحدث معك” (Orel 63). لذلك فإنَّ استخدامها اللغة الفرنسية مهمٌ لأنه يُشير إلى حقيقة لغة هيغر الأم، وكانت اللغة الفرنسية استثنائية لها، فهي رمزية عن هيغر والمعنى الوحيد من تواصلها معه بها إلى جانب اللغة الإنجليزية، وعَدَّت شارلوت هذه اللغة “ثمينة” فقدَّرتها. إضافة إلى حبها لهذه اللغة، فمن الوارد أنها أرادت مزاولة اللغة عند كتابتها الرسائل فتكتب في رسالة: “إنني أنسى اللغة الفرنسية” (Orel 69). وتحمل اللغة الفرنسية في روايات شارلوت دلالة منح “حرية الخطاب” لشخصياتها (Eells).

عاملت السيدة ريد (زوجة خال جين) وأبنائها جين بظلم، فآذوها جسديًا ونفسيًا، وعندما بدأ جون ريد بالإساءة إليها لفظيًا ثم جسديًا فقد ردَّت عليه ضاربةً إياه بعنف وتكتب “استقبلته على نحو مسعور”(Jane Eyre 7). كان جون ريد سيئ التصرف في العراك، والعقاب الوحيد الذي نزل على جين هو حبسها في الغرفة الحمراء وحينما رغبت جين بوصف شعورها فقد عبّرت بدايةً باللغة الإنجليزية “استخففت بنفسي” ثم عبَّرت مجددًا مستخدمة تعابير اللغة الفرنسية “أو خارج ذاتي كما سيقال باللغة الفرنسية” (Jane Eyre 7). سمحَ لها استخدام اللغة الفرنسية بالتعبير عن ذاتها على نحو أكبر، ومنحتها “معرفة الفرنسية” حرية تغيير “مشاعرها” بما يتناسب مع الظروف (Eells). مثَّلت شخصية الطفلة آديل اللغة الفرنسية في الرواية، وعلى الرغم من تعليم جين إير إياها الإنجليزية فإنها حين قابلت روتشيستر بعد حين من الزمن؛ تحدَّثت معه بلغتها الأم. وبما أنَّ كل شخص في اللقاء كان بإمكانه فهم اللغة الإنجليزية فبمقدور إير استخداهما بدلًا من أي لغة أخرى قد تكون صعبة على بعض الشخصيات كالخادم. إضافة إلى ذلك، كان بمقدورها استخدام اللغة الإنجليزية لتثير إعجاب روتشيستر بما أنها لغة لسانه الأولى، لكنها في المقابل أيضًا وجَّهت الخطاب إليه بالفرنسية. إنَّ اللغة الفرنسية عند شارلوت وسيلةٌ لبدء علاقة، فعندما تحدثت آديل إلى روتشستير؛ فكَّرت أنه قد حان الوقت الملائم لتلفتَ نظر روتشيستر إلى إير التي لم يوجه الحديث إليها. وأرادت بدء محاورة بينهما بسؤالها إياه فيما إذا أحضر هدية لجين أم لا  “N’est-ce pas, monsieur, qu’il y a un cadeau pour Mademoiselle Eyre dans votre petit coffre?” (Bronte 105). أُلهمت شارلوت هذه الفكرة من تراسلها مع هيغر ولعبت اللغة الفرنسية دورًا مهمًا في رسائل شارلوت إليه، ويمكننا قراءة رسائلها -التي ما تزال موجودة- لنرى استخدامها اللغة الفرنسية  كثيرا إلى جانب بعض الجمل الإنجليزية.

ومثل آديل، فقد تقرَّبت شارلوت إلى هيغر بلغته المحلية، وكان الغرض من استخدام اللغة الفرنسية فضلًا عن الاقتراب منه تكوين علاقة عاطفية معه. وكحال جين إير، فلا يُمكن تجاهل استخدام شارلوت للغة الفرنسية، فقد اعتادت على استخدامها وسيلةً للكشف عن عواطفها. إذ لم يكن بمقدور شارلوت في بروكسيل الإفصاح عن مشاعرها لكونه سرًا مُخجلا (Barker). وبعودتها إلى بلدها فقد أتاحت لها الرسائل الفرصة بكتابة ما كانت تحاول إخفاءه، أحسَّت شارلوت بالخجل وراء إرسال هذه الرسائل العاطفية ولكي لا تلاقي الخزي الذي قد تشعر به عند إعادة قراءة الرسائل فقد كتبتها باللغة الفرنسية، بل وقد “حرَّرها” استخدام لغة بديلة من لغتها ومنحها حرية قول ما ترغب به بدقة (Barker).  

رغبت شارلوت بنقل حقيقتها مع هيغر إلى حيز آخر ما دام أنها لم تستطع أن تنساه ولا أن تتماشى مع حقيقة كونه متزوجًا. نشرت “جين إير” وعدَّتها قصتها البديلة مع هيغر2. درست شارلوت شخصية هيغر ومظهره ومثَّلته في الرواية في شخصية إدوارد روتشستير، المتزوج، ووصفت نفسها بشخصية جين إير.  يتجلَّى مظهرهما الخارجي في الرواية موضوعة ذات أهمية، فقد قررت شارلوت ألا تصف بطلتها على أنه امرأة غاوية التي قد تفتن نوع الرجال بالكامل. وكان مظهر جين إير مثل شارلوت، فكلاهما كانت “عادية” (Barker). ولم ترغب شارلوت أن تصف نفسها بالجمال ولا الثروة، لأن في هذه الحالة سيكون هيغر في الرواية كما هو الحقيقة على النقيض من حالها. ووصفت شارلوت روتشيستر بأنه ذو مظهر واقعي، وذكي بوجه قبيح ورسمت شخصيته في قالب بايروني (رومانسي ساخر من مجتمعه) الأمر الذي ألمحَ أن روتشيستر سيكون رجلًا جذَّابًا، وعلى أي حال، فهو مثل هيغر لم يكن بالجذّاب ولا الوسيم (Milton 20-21). لم تبحث شارلوت ولا جين عن الحب عندما التقيتا رجليهما- فإير عملت لجني المال كحال شارلوت. ثم إن ظروف لقائهما لرجليهما هي ذات الظروف- فشاولوت عندما قررت أن تفتح مدرسة وارتحلت إلى بروكسيل، وجين عندما قررت رؤية المزيد من الحياة.

كان اللقاء الأول الذي جمع جين بروتشيستر عند حلول المساء وهبوط الظلام حين سقط روتشيستر جريحًا وكانت جين الشخص الوحيد الذي بإمكانه مدَّ يد المساعدة له كما أعلمت القارئ برفضه الغريب “حتى لو ابتسم لي هذا الغريب وكان رائق المزاج معي حين خاطبته […] لوجبَ عليَّ المضي في طريقي […] لكن اكفهرار وفظاظة المسافر جمَّداني في مكاني”(Jane Eyre 99). بيَّن شرحُ إير للحدث بأنَّها امتلكت سلوكًا سلبيًا تجاه الجمال كما أخبرتنا بأنه لو كان وسيمًا لم تكن لتصرَّ على مدِّ يد المساعدة إليه. وكذلك يوضِّح الموقف أن لدى إير سلوكًا إيجابيًا تجاه ما هو غير عادي، فلو كان الرجل لطيفًا ما كانت لتعرض المعونة كما فعلت مع هذا الغريب. يُنبئ الموقفُ كذلك بأنها يمكن أن تُغرم بشخص لكن يجب أن يكون فريدًا، وبتعبير آخر، رجلٌ لن يتصرف وفقًا لما يراه المجتمع أو يسعدُ الآخرين لكنه سيتصرَّف وفقًا لمعتقداته الخاصة. تكتشف إير في اللقاء الثاني أنَّ المسافر كان سيد القصر الذي تعمل لصالحه، وأما روتشيستر فقد عرف هذا من البداية حينما سألها عن مكان إقامتها (Jane Eyre 99). قررت إير أنها إذا تلقَّت معاملة قاسية كالتي تلقَّتها عند زوجة خالها فإنها ستترك عملها في الحال (Jane Eyre 81). وحين رتَّبت جين لقاءها الرسمي الأول مع روتشيستر والأناس الآخرين لم يكترث روتشيستر لوجودها وحاولت إير الوصول إلى المعنى الكامن من تعبيره “بحق الشيطان، ماذا يعنيني لو كانت الآنسة إير هنا أو لا؟ وليس مطلوبًا مني الشروع في محادثتها” (Jane Eyre 105). لم يتصرف روتشيستر هنا مثل زوجة خالها لأنه بوضوح لم يكن راغبًا في تبادل أطراف الحوار معها. لم يُطْرِها أو يحاول أن يكون لطيفًا معها، وكشف روتشيستر عن هُويته التي كانت ساحرة لإير منذ أن كان من الصعب عليها أن تردَّ على لطفه. “لم يكن بمقدوري أن أبادله أو أرد له جميله بكياسة الجواب ورقيِّه من جانبي” (Jane Eyre 105). وضَّحت إير بأنها لم تكن قادرة على رد حسن أدبه وربما لم تكن ترغب أن تكون منافقة أو تتصرف خلافًا لطِباعها، ولم ترغب أن تكون مثل النساء في سنِّها اللائي يُذللن أنفسهن لجني المال أو المحافظة على عملهن حين تظاهر روتشيستر بأنه عرَّافة غجرية في مشهد آخر، وحدَّثها عن جبهتها قائلًا: “أستطيع العيش وحيدًا، إذا تطلَّب احترام الذات والظروف مني القيام بذلك” (Jane Eyre 176).  وعلى الرغم من أنَّ إير أُهملت مجددًا فقد كان هذا الإهمال الثاني جديدًا عليها، إذ شعرت باهتمام لما قد يحدث لاحقًا لكونها تلتقي لأول مرة في حياتها شخصًا لا يتصرف وفقَ ما يستوجبه الموقفُ أو ما تطلبه آداب المعاشرة الاجتماعية، بل وفقَ نفسه فحسب. وحين شرعا بمحادثة بعضهما؛ تحدثا عن الخرافات (الحكايات الخيالية)- موضوع غريب ليكون فاتحة حوار، وازدهرت صداقة بينهما من هذه المحاورة الغريبة. ثم بدآ باكتشاف هُوية الآخر وبدأ روتشيستر يستمتع بلقائها، وهو الذي شرعَ العلاقة بالتصرّف على أنه صديق لجين ثم أخذ يتحدث عن نفسه أكثر معها، لتبدأ هي الأخرى بالاستمتاع بالحديث معه كما تخبرنا: “انتابتني بهجة متقدة في تلقي الأفكار الجديدة التي عرضها، وفي تخيّل الصور الجديدة التي رسمها” (Jane Eyre 128). كانت إير سعيدة بحضرة شخص ما يمكنه أن يُريها العالم الذي لم تحظَ بفرصة أن تَخْبِرَه، ومنحها روتشيستر آراءً وأفكارًا لم تخطر لها على بال من قبل مُسليّةً إياها. لقد مَثُلَ روتشيستر وهيغر خلف تطلعات شارلوت وإير، فرسمت شارلوت إير امرأةً غريرةً وروتشيتسر رجلًا ذا تجارب زار العديد من الأماكن، فكان هذا الفكر والاحترام المتبادل الذي أخذ صداقتهما إلى صُعد منيفة. لم يتبع كلاهما معايير الناس في ذلك الوقت، فروتشيستر مثل هيغر لم يرفضا جين وشارلوت تواليًا لكونهما “أنثى”.

امتاز الاثنان بخاصية غير مُحبَّذة، وأُغرمت كلا من شارلوت وجين بالرجل القوي، وذي الخبرة، وحتى النَزِق. ولقد كان روتشيستر رجلا قويًا ويتصرف بوقاحة أحيانا، ويقوده غضبه أحيانا لأن يسيء التصرف بسلطته سيدًا للقصر كأن يأمر الناس بخشونة كما فعل مع جين حين أمرها الذهاب إلى المكتبة بنبرة فظَّة (Jane Eyre 108). ومثل روتشيستر، فقد كان هيغر أستاذًا يفقد أعصابه بسرعة أيضًا. وفي رسالة كتبتها شارلوت لصديقتها تحدثت فيها عن تبويخ أستاذها لها بسبب كتابتها السيئة، وأخبرتها أنها بكت لتنهي الجدال (Smith 36). ثمة خاصية أخرى غير محبَّذة لدى الرجلين وهي أنهما لم يكونا وسيميْن، ووعت إير بعدم امتلاكه الجمال كما أوضحت بأنه لم يكن مائزًا في مجتمعه لوسامته، ثم قالت: “لكن كان ثمة ما يهمني أكثر من الجمال، فقد كانت سماته طافحة بما يثير الاهتمام، وذات تأثير يُخضعني تمامًا” (Jane Eyre 153). إنَّ الانجذاب بين إير وروتشيستر، وذاك الذي دفع شارلوت نحو هيغر من النوع الحقيقي، فلم يكن قائمًا على الافتتان الجسماني منذ أن كان كلاهما غير مُنعَمٍ عليه بهبة الجمال. على أي حال، امتلك الرجلان قوة عقلية التي قادت شارلوت وإير إلى الوقوع بحبِّهما. ولم يكن لتدوم أهمية الجمال في العلاقة، فقد شرعت إير بتثمين ملامحه القبيحة وعدَّتها شيئًا جميلًا ومتفردًا. وفي الواقع، حتى برونتي شرعت في عدِّ هيغر مخلوقًا جميلًا كما تخبر في إحدى رسائلها بأنها فور أن تجني مالًا ستسافر إلى بروكسيل لتراه ولو للحظة واحدة (Smith 52). ولم يكترث روتشيستر هو الآخر لوجه إير العادي كما أخبرها “عقلك هو كنزي” (Jane Eyre 266). هنا يوضِّح روتشيستر بأن انجذابه لجين لم يكن لفارق السنِّ مع الشابة التي تصغره كثيرا (قرابة عقدين) لكن لأنه وجد امرأة يُمكن أن يُحبَّها “لقد وجدتُ للمرة الأولى ما يمكنني أنَّ أحبه حقًا، لقد وجدتُكِ” (Jane Eyre 278). وفي الواقع فقد وجد كل منهما الآخرَ، واستمتَعما بكونِهما معه. كانت العلاقة بين جين إير وروتشيستر من العلاقات الناجحة لذا قررا الزواج، وابتهجا في تلك الأيام، تقول جين لروتشيستر عندما أخبرها بشأن الزواج “لا يستمتع الإنسان أبدًا بسعادة كاملة” (Jane Eyre 227). لم تتخيل جين أنَّ حياتها قد تكون مليئة بالسعادة، وكان من الصعب عليها أن تستوعب حقيقة أنها التقت رجل حياتها وعلى وشك أن تتزوجه. وكما هو معلوم، فإن زواجهما يُلغى بافتضاح السر المظلم الذي حاول روتشيستر إخفاءه عنها؛ إذ كان متزوجًا سلفًا.

مثل حال جين، لم يكن بمُستطاع شارلوت الاستمتاع بسعادتها على نحو كامل حتى مشاعرها تجاه هيغر لم تتمكن من الإفصاح عنها له. وتُحوِّل حبها إلى شيءٍ مُخزٍ لم تقدر على الحديث به دون أن يتنابها شعور بالخزي (Barker). لم تصرِّح شارلوت بحبها إلى هيغر ولا أن تُعلن عنه وأصبحت متحفِّظة بشأنه. لكنها في العالم المتخيّل منحت “بطلتها” قوة التعبير عن عواطفها تجاه من أحبَّت ونرى جين إير تُخبر روتشيستر عن حبها بافتخار (Barker). يتمثَّل الفرق بين هيغر وروتشيتسر المتزوجيْن أنَّ الأخير لم يرغب بالارتباط بزوجته إذ حبسها داخل غرفة، أما هيغر فقد كان زوجًا مخلصًا لزوجته  (Mcdonald 125). وعندما اُفتضحَ السرُّ؛ قررت جين أن تتخلى عنه ما دام أنها لا تستطيع الزواج من رجل متزوج. وعلى العكس منها فقد كانت شارلوت غير قادرة على نسيان هيغر وبدأت بكتابة الرسائل إليه. وفي كلا الحالين فقد كانت شارلوت وجين مُضطرتين للمغادرة فثمَّة زوجة تظهرُ مُشكِّلةً عائقًا في طريقهما. ومنحت شارلوت جين الأسلوب نفسه الذي استخدمته عندما ودَّعت أستاذها “وداعًا سيدي العزيز- ليحفظكَ الله بعين رعايته وخالصها” (Smith 69).  تكرر هذا الأسلوب في وداع جين لروتشيستر “ليباركك الله يا سيدي العزيز” (Jane Eyre 281). أما اسم “إير” العائلي فيعني “مكان” باللغة الفرنسية، ومن الوارد أنها بحثت عن مكان قد يمحضها إحساسَ الانتماء (Eells). كان هذا المكان لإير هو قصر ثورنفيلد، لكن في الواقع فإن هذا المكان الخيالي لشارلوت هو بروكسيل، وقد استمتعت كلا من شارلوت وجين بإقامتهما في هذين المكانين (Watson). وحين قررت إير في المرة الأولى مغادرة قصر ثورنفيلد بعد اعتقادها أنَّ روتشيستر سيتزوج بلانش إنغرام كما تقول “حزينة لمغادرة ثورنفيلد؛ أحبُّ ثورنفيلد: أحبها، لأني عشتُ فيها حياة ومسرَّة كاملتين- لحظيًا في الأقل (Jane Eyre 222)”. نبعَ أسى جين إير من حقيقة أنها اضطرَّت مغادرة روتشيستر بعد أن كانت على وشك الزواج منه لكن الظروف أجبرتها على ترك المكان الذي أحبَّته، وكذلك فكرة وجود امرأة أخرى قادتها لفعل هذا. وكذا الحال مع شارلوت التي شعرت بالحزن عندما غادرت بروكسيل وكتبت في رسالة إلى صديقتها: “أعتقد مهما طالت بيَّ الحياة فلن أنسى ما كلّفني إياه الانفصالُ عن مسيو هيغر” (Smith 47). لذا فقد اضطرت شارلوت لمغادرة بروكسيل وربما لم ترغب زوجة هيغر في ببقائها بعد في المدرسة حين شعرت أنَّ شارلوت مغرمة بزوجها (Hinz). وكما تقول شارلوت فإنَّ المغادرة كلفتها الكثير من المعاناة، وعندما عادت شارلوت إلى منزلها فقد كانت تبدو بحال حسن لكنها عليلةٌ ذهنيًا (Ceri). ولعلَّ مصداق هذا افتتاح شارلوت لروايتها “لم يكن ثمة احتمال” (Jane Erye 1). ولم يكن ثمة فرصة لتكون في علاقة مع هيغر حتى ولو في إطار صداقة ما دام أنه لم يعد مكترثًا لعلاقته بها. ومن هذا الواقع القاسي؛ أنهت رواية جين إير نهاية سعيدة.

ذاقت شارلوت طعم بعض السعادة مع هيغر حين قابلت رجلًا ذكيًا مثله وتناقشت معه. ولم يكن بمقدورها أن تستمرَ طالبةً عنده أو صديقة له، وربما هذا ما قادها إلى كتابة تلك النهاية السعيدة. وإني أومن بأنها كانت على قدر كبير من السعادة في بداية علاقتها مع هيغر مثل سعادة روتشيستر عندما وجد جين. وربما استمتعت بشعور الحب معه ونالت ما تيسَّر من البهجة منه حين أخبرته بأن رسالتها أنعشت روحها (Smith 68). كان يكفيها أن تستلم كلمة أو اثنتين منه طالما قرنت نفسها بـ”الفقراء” الذين جلَّ ما يرغبون به فتات متساقط من مائدة “الأغنياء”، وأعلنتها صريحة بأنها ترغب بنزر قليل من الحب من أولئك الذي تحبهم (Smith 58). ثم بدأت شارلوت بمرور الشهور ترغب بالكثير منه إذ لم يكن كافيًا لها أن تستلم رسالة كل ستة أشهر. ولم تستطع أن تحظى بنهاية مثالية مع هيغر لكنها منحتها لجين (Barker). إذ ابتدأت فصل النهاية السعيدة في الرواية “أيها القارئ لقد تزوجته” (Jane Eyre 397). لم تكن هذه النهاية محض لمِّ شملٍ مع روتشيستر بل كذلك في كونها في علاقة مقدَّسة معه ألا وهي الزواج. كان هيغر إلهامَها طوال مسيرة حياتها الأدبية، فقد بدأت بكتابة أول رواياتها “الأستاذ” التي ألهمها إياها هيغر، وكانت روايتها الثانية “جين إير” التي أذاعت اسمها وشهرتها- ثمرة حبها الضارب الجذور في أعماقها تجاهه. أعاقت شارلوت مسيرة بطلتها بما واجهته في حياتها هي؛ حيث امرأة تمثل عقبةً كأداءـ لكن النهاية السعيدة كانت حليفة بطلتها. ومنحتها الاتحاد الذي لم تتمكن من التعبير عنه ما دامت غير قادرة على رؤية هيغر. لكن هذه السعادة المائزة التي خصَّت بها بطليْها بمنحهما فرصة الزواج- لم تكن مُقدَّرة لشارلوت مع هيغر لتكتبَ “أيها القارئ لقد تزوجته”. على أي حال، فقد ساعد هيغر شارلوت لتصبح واحدة من أفضل الكاتبات الفيكتوريات، وأن تكون أفضل أعمالها، جين إير، رواية خالدة كُتبت بحب صادق كنته له.                                                         

الهوامش:

1 سافرت شارلوت رفقة أختها إيميلي أول مرة إلى بروكسيل وعادتا مدة وجيزة بسبب وفاة خالتهما، ثم رجعت شارلوت وحدها إلى بروكسيل لإكمال الدراسة والعمل قبل أن تغادرها بلا رجعة. المترجم.

2 هذا ما يُفسر كتابتها عبارة “An autobiography سيرة ذاتية” على مخطوطة روايتها التي أرسلتها إلى الناشر وظهرت تحت عنوان الطبعة الأولى. المترجم.

Works Cited  

Bronte, Charlotte. Jane Eyre: London, Wordsworth Editions Limited, 1992. Print.

Barker, Juliet. The Bronte: London, Hachette Digital, 1994. Web.28 Dec.2017.

Çeri, Mine Özge. Traces of the Life of Charlotte Brontë in Jane Eyre. Sùleyman Demirel University, Turkey, May 5-7 2011.

Web.11 Oct.2017.

MacDonald, Frederika. The Secret of Charlotte Bronte; London, 1914.

Web.10 Oct.2017.

Smith, Margret., ed. Selected Letters of Charlotte Bronte: Oxford University Press Inc, 2007.

Web.9 Oct.2017.

Gaskell, Cleghon, Elizabeth. The Life of charlotte Bronte.2nd ed. London: Smith, Elder, 1857.

Web.10 Oct.2017.

Claire, Harman.”The Real Rochester”. Telegraph (2015).

Web. 26. Dec.2017.

Milton, Joyce. Jane  Eyre; Barrano`s Educational series, 1984. Web. 26. Dec.2017.

Eells, Emily. “The French aire in Jane Eyre “. Openedition (2013). Web.20.Dec.2017.

Orel, Harold. The Brontes Interviews and Recollections; Springer, 2016.

Web 15.Dec.2017.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى