رواياتمقالات أدبية

صراع الرغبة والسلطة في أدب تانيزاكي الإيروتيكي

قراءة في روايات: فتاة اسمها ناوومي، المفتاح، يوميات عجوز مجنون

يخلّف كلّ روائي في أدبه ما يميّزه، فيُفصح عنه بأكمله في كتاب ثم يكرره في آخر أو يأتي مكتملا في عدة كتب أو متعدد الأمثلة غير أن الجوهر واحد. لا يختلف الروائي الياباني تانيزاكي عن أضرابه من الأدباء المبرّزين، فترك عشرات الأعمال الروائية والقصصية والمقالات، تُرجمت إلى لغات عدّة، رشّحته إلى جائزة نوبل في الأدب لسنة 1964 قبل سنة من وفاته. ومع أنه لم يفز بالنوبل فقد ذاع صيته واشتُهر ليكون واحدا من أبرز الأدباء اليابانيين ومن صفوتهم في القرن العشرين. كان تانيزاكي من الرافضين للتغريب الفج والقهري لبلده اليابان، التغريب الذي يُعدم تقاليد البلاد وأعرافها في نواحٍ كثيرة مثل العمران والأضواء والظلال والأدوات المنزلية والصناعية ومنظورهم لأساليب العيش والجمال والجسد والثياب والفن والنظافة والألوان إلى ما سوى ذلك في كل ما يدخل فكرُ أمة وخيالها في إبداعه منسجما مع بيئتها وطباعها. ويرى أن “الغرب قد سلك طريقه الطبيعي للوصول إلى وضعه الحالي، أما نحن فإننا لم نستطع، في حضور حضارة أكثر تقدما، إلا استيراد هذه الحضارة، غير أن ذلك تمَّ بصدمات. لقد دفعنا إلى أن ننعطف نحو اتجاه يختلف عن الاتجاه الذي سلكناه منذ آلاف السنين، أعتقد أن عوائق وخيبات عديدة تولّدت عن ذلك”. وأنَّ هذه الاستيراد يولّد “نتائج سيئة ناجمة عن استعمال أشياء مستعارة” تضرب في هُوية اليابان الثقافية والمعيشية. ويروم من الكتابة مقاومة هذا الضرر الناتج من التغريب، مع أنه مدرك أنَّ اللحاق بركب الغرب قد اكتمل وما عاد بالإمكان العودة إلى الوراء.

صارت الكتابة سلاحه الذي استخدمه على وجهين، الأول في تجسيد صراع الحفاظ على الهوية اليابانية بالتمسك بالتقاليد والعادات في مواجهة التغريب الذي بقدر ما يعطي فإنّه يغير، وأحيانا يمسخ، وكان منه في موقف شدّ وجذب. والآخر في تجسيد موضوعات شتّى أبرزها ظهورا وتكرارا نوازعُ النفس ورغبات الجسد وتأثيراتها في حياة شخصياته وسلوكياتهم في صراع بين الرغبة والسلطة، وهو موضوع مقالتنا. تسعنا ملاحظةُ منهجية واحدة ظهرت في رواياته: فتاة اسمها ناوومي (1924-1925)، المفتاح (1956)، يوميات عجوز مجنون (1961)، أي إنه على مدى عمره الكتابيّ كان مدركا لها، تمثّلت في عمل الشخصية الرئيسة، الرجل، على التلاعب بالهُوية الجنسية لشخصية رئيسة أخرى، المرأة، أو ما أسميه إعادة تشكيل السيكولوجية الجنسية وتغيير رغباتها وتوجيهها إلى نمط محدد من الرغبات التي يفضلها الرجل. تواجه هذه الشخصيات الرجالية مشكلة متكررة تُنقص من كمال المهمة، في لبّ عملية التحويل يبرز الصراع جليا بين رغبة الرجل وتطور هوية المرأة التلقائي ثم الانقلاب أو الخروج عن المحدد. يعمد تغيير هوية المرأة الجنسية وسيكولوجية الرغبة عندها على كونها غرّة بلا تجربة، أو لا تعرف هويتها الجنسية على وجه اليقين، لكنها في ذات الوقت قابلة للتشكيل وإعادة التعريف والتجربة والاكتشاف. في المقابل فإنَّ الرجل عارف برغبته وهُويته الجنسية ويعمد إلى تصيير شريكته إلى ما يريد، وغالبا ما يكون لديه مستوى مُعلّم يريد من المرأة بلوغه دون تجاوزه، ليستمتع بها على أتم وجه. يواجه الرجل هنا احتمالين، إما أن تبقى المرأة ضمن نطاق السيطرة من دون أن تتمرد على صانعها، وإما أن تخرج عن نطاق سيطرته وتتمرد عليه. بيد أن الصنعة المحترفة لا يمكن أن تحقق النتيجة المطلوبة وبلوغ الهدف المرجو من دون أن تستقل المرأة في رغباتها بعيدا عن الموجّه الأعلى، والمعلّم والمرشد، محددة هويتها الجنسية بنفسها وما ترغب فيه في تطور طبيعيّ إذا ما كان الرجل فاهما لشروط المسار الذي سلكه معها. 

جاءت روايته فتاة اسمها ناوومي، المنشورة في الأصل بعنوان “حب الأبله”، مثالا عن هذه الحال من الصراع والتغيير والخروج عن المحدد بل تُختتم بالتغيير العكسيّ. يتعرّف الشاب جوجي ذو الثمانية والعشرين عاما، والموظف في شركة هندسية، إلى الفتاة ناوومي ذات الخمسة عشر ربيعا. جذبه إليها منظرها الغربيّ وشبهها بالممثلة ماري بيكفورد، فما كان منه إلا أن تقرّب منها يبتغي تغييرها لتكون وفق النموذج الغربيّ الذي أحبّه في ثيابها وسلوكها وطعامها وشرابها. وأخذ يعلّمها الإنجليزية والموسيقا والرقص، حتى إنّه أسكنها في منزل بتصميم غربيّ مبتعدا عن النمط الياباني التقليدي في تصميم المنازل. راقب جوجي فتاته، التي تزوّجها، تكبر وتتغير وتكتسب العادات والسلوكيات الغربيّة، وزاد انجذابه إليها يوما تلو آخر ممارسا معها كلّ ما نفسه من رغبة بتمظهراتها المختلفة، لا سيما تلك التي عبّرت عن نفسها من دون أن يذكر الراوي جوجي ذلك صراحة والمتعلقة بميوله المازوشية. وكان مما أحبّه الزوجان أن يجعل جوجي نفسه على يديه ورجليه وتمتطيه ناوومي وتشدّ منشفة على فمه كأنه حصان. مارس الاثنان هذا الفعل في بداياته على أنه لعبة يلاعب بها جوجي فتاته، لكنها كشفت عن نمط من السلوك الخاضع في جوجي تجاه ناوومي. رافق تغييرَ ناوومي الظاهري الذي راقبه جوجي مدركا صغيره وكبيره تغييرٌ باطنيٌ لمّا ينتبه إليه جوجي، لا سيما أنها أبدت حذقا في تعاملها معه وعنادا، وإنْ جاء في نمط طفوليّ فسّره على أنه حب الحياة التي عاشتها وما عادت قادرة على تركها. عاشت ناوومي حياتين أولى برفقة زوجها وأخرى في العالم الذي بناه لها جوجي وأقحمها فيه، مبدية سلوكيات منحرفة متجاوزة النمط الغربيّ إلى حياة فاسدة بل فاسقة. كان يمكن لرجل نابه غير جوجي أن يلاحظه منذ أوله، لا يعني أن جوجي لم ينتبه إليه أو لم يكترث، حتى لو انتبه، وهذا ما كان لاحقا، لكنه أعجز من أن يوقف ناوومي. من طرفها عاشت ناوومي منغمسة في حياتها الاستهلاكية بتطرف شديد أنفدت به راتب زوجها ومدخّراته واضطرّته إلى الاستلاف من أمه لتبقى مشبعة نزواتها وملذاتها. واستغلت هوس زوجها بها فكان أن امتطته نفسيا وجسديا، فخلّفه حبّها لها في استسلام تام لإغراء ناوومي وإغوائها وفريسة سهلة لتحقيق طلباتها، حتى صار هذا الامتطاء الأمارة المميزة لعلاقتهما. أراد جوجي امتلاك ناوومي جسدا ونفسا، لكنه غرٌّ بلا تجربة حسب أنّ تغيير عادات ناوومي ومسخها عن نمط العيش اليابانيّ التقليديّ بلا ثمن، لم يقدّر ناوومي حق قدرها بل لم يفهم المرأة التي كانت عليها. نجح جوجي في مهمته لكن ألقى التغيير بظلاله الثقيلة عليه، وجعل يدرك يوما تلو آخر أيّ هوّة كانت تسقط زوجته وتجرّه معها رغم أنفه، وبعد فوات الأوان. 

شبَّت ناوومي متجاوزة الطوق الذي وضعه جوجي، وكسرت القيود، وابتعدت عن الحد الذي رسمه لها، وما استطاع أن يردّها إلى الوراء ولا أن يقوّم سلوكها، ولا أن يحدَّ من لأوائها، أو يشذّب أظفارها. وفي سعيه الضعيف لإصلاح ناوومي عمل على مواجهتها بانحرافاتها وخياناتها وتعدد علاقتها مع الرجال، وطلب منها أن تصلح من حالها وأنّه سيسامحها إذا ما أقرّت بخطئها، تسايره ناوومي فيما يريد ثم تمضي قدما من دون علمه فيما تريد. لم يتوقف جوجي عن مراقبة ناوومي وحتى محاولة إصلاحها، لكنّ العقبة في طريقه عجزُه أمام صنيع يديه المنغمسة في ملذاتها الشهوانيّة ورغبته في ألا يخسرها بغض الطرف عن دركة الانحطاط التي نزلت إليها. أراد جوجي أن يرتقي بها فإذا بها تنحدر على طريقتها وتحطّ به مزريةً حاله. في آخر المطاف لم يعجز كل عجز، فبعد أن بلغ سيله الزبى وضاق ذرعا بمفاسدها وحياتها الفاسقة، حزم أمره على فراقها فانفصل عنها حينا من الزمن طاردا إياها من بيته. عند تلك النقطة استنفد جوجي كل ما في جعبته من مقدرة على التغيير والتحمّل، نجح في تغريب ناوومي وفشل في امتلاكها، في تلك النقطة على وجه الخصوص أدرك أيضًا أنه غير قادر على مفارقتها. وفي هذه النقطة تبدأ ناوومي بالسيطرة عليه، لا بالخفاء والرغبة بل المصارحة العلنيّة. أمست تعود شيئا فشيئا إلى جوجي لا بصفتها زوجة بل زائرة تأخذ ما بقي من حاجاتها في البيت مرة تلو أخرى، وملهبة مشاعر جوجي ورغباته فيها من دون أن ترويها. وأخذت تُذل جماحه لتغييره كما غرّبها، فتُدنيه منها وتُقصيه، وتستفز جسده الخاضع في عقاب نفسي بلا تعذيب قوامه الاصطبار على اشتهائه إياها، وهي بقربه لا يسعه مسّها. غيّر جوجي من سلوكيات ناوومي الخارجية، وتغيّرتْ نفسيّتها بإرادتها الحرّة وبتطورٍ طبيعيّ في تفاعلٍ مع الذات والآخر حتى امتلكت ناصية ذاتها، والنتيجة أنّها بعد أن صارت تتردد على منزله لم تغيّر سلوكه الخارجيّ، الذي بدأ منذ أن جعلت تجرّه إلى مدرسة تعليم الرقص ثم الحفلات الليلية، بل غيّرت حتى هويته وسيكولوجيته الجنسية. حدث الانقلاب عندما خضع في إحدى الليالي وصار على أربع كما في السنوات الخوالي وترجى ناوومي أن تمتطيه، فامتطته آخذة تملي عليه شروطها بأن تعيش حياتها كما تريد، وهزّت المطيّة رأسها موافقة على كل شرط. يقرّ جوجي في الأخير “لقد عرفت طوال وجودي معها أنها متقلبة المزاج، أنانية، ولو أنها لم تكن كذلك لفقدت قيمتها. وكلما فكّرت فيها على أنها متقلبة المزاج وأنانية، زاد حبي لها، وزاد وقوعي في شركها. أدرك الآن أنني يمكن أن أضيع إذا ما تملّكني الغضب”. الغضب من سلوكها الفاسق وحياة الرذيلة التي انطمست فيها منذ زمن بعيد حتى عُرفتْ بها على مسمع من جوجي ومرآه ورضاه. 

نشر تانيزاكي في آخر سني حياته عملين بارزين هما المفتاح ويوميات عجوز مجنون، كتب كليهما بأسلوب اليوميات، وجليّ أنهما نتاج مزاج واحد ناقشا موضوعين منفصلين على تشابههما. يبدأ الزوج في المفتاح بعد عشرين سنة من زواجه إكوكو كتابة يومياته، لكنها يوميات يخصّها زوجته وحياتهما الحميمية، وكل رغباته الجسدية التي لم يستطع أن يشاركها إكوكو المتحفّظة والتقليديّة في سلوكها معه. غير أنَّ هذه اليوميات تمضي في طريق محفوف بالمخاطر، إذ تشرع إكوكو في كتابة يومياتها هي الأخرى بعد أن علمت بأن زوجها يكتب يومياته دون سعي منها لقراءة يومياته، وإن كانت قادرة على ذلك، ورغب الزوج في أن تقرأها. انخرط الزوجان في لعبة الاعترافات الجنسية والرغبات الجسديّة، كلٌّ على حدة، فالزوج يكتب منطلقًا من رغباته تجاه زوجته وأحوالها ثم عائدا إلى نفسه، أما إكوكو فتكتب عن نفسها لا يكون زوجها فيها إلا مخاطبا غير مباشر أو حتى تتمة لحديثها عن نفسها، فلم يكن هو محور يومياتها على النقيض منها في يومياته. يكتب الزوج الخمسيني يومياته لشعور في داخله يدفعه إلى الكتابة لعلّها تعيد إليه حيويّته في علاقته الجسدية بزوجته، ولا تبدو إكوكو مهتمة بهذه العلاقة الجسديّة إنما وظيفة تؤديها من دون خروج عن التقليد والعادة، بل ما عادت تراودها رغبة في ذلك. كان صديق العائلة الشاب كيمورا، والزوج المفترض لابنتهما توشيكو، يتردد عليهم في المنزل، لتسلك حينئذ اليوميات في درب محفوف بالمخاطر. شرع الزوج في النظر إلى كيمورا نظرة معيّنة، متخيّلا انجذابه إلى زوجته، مشعلا بذلك غيرته عليها، وألفى في الانغماس في هذه الخاطرة إيقادا لرغبته في زوجته، وإلهابها. في ذات الوقت مدَّ الحبل لإكوكو التي بدأت تدريجيا تعي ما يرمي إليه زوجها، لا سيما في الليالي الذي أفرط في سقيها الساكي كأسا بعد أخرى لتثمل. ومن طرف آخر أفسح الزوج المجال لكيمورا ليدخل في اللعبة وإنْ على خطّ التماس مشاهدا. فبعد أن أقرضه كاميرا أمريكية حديثة ليصوّر بها فأعادها، ثم رجع الزوج إلى كاميرا تقليدية استعملها في تصوير زوجته في وضعيات مختلفة في أثناء نومها، وفي حالات الإغماء التي انتابتها، طلب الزوج من كيمورا أن يحمّض له الصور فاسحا له المجال ليرى إكوكو في وضعيات مثيرة. بدأت الابنة توشيكو أيضا تُدرك الحال المشتركة بين هؤلاء الثلاثة فرغبت في السكن في مكان آخر متعذّرة بالدراسة، وصارحت الأم بحقيقة أن لدى كيمورا صورا لها في وضعيات شائنة من تصوير أبيها. انكشفت عند ذلك كلّ الأوراق بين الأطراف الأربعة من دون أن تكون المصارحة جماعية، فالزوج وكيمورا من جهة، وتوشيكو وإكوكو من جهة ثانية، وكيمورا وتوشيكو من جهة ثالثة، ثم في آخر المطاف كيمورا وإكوكو من جهة رابعة. تكوّن مثلث مدَّ الزوج الأسباب لاتصال أطرافه الثلاثة، أي إكوكو وتوشيكو وكيمورا، ثم وجد نفسه في تآمر مفضوح خارجه. أحجمت إكوكو عند بداية هذه اللعبة الخطرة عن الانخراط فيها، ووجدت نفسها بتأثير غير مباشر من زوجها وانجذاب إلى الشاب كيمورا في الولوج شيئا فشيئا، وتتخلى عن الذات التقليدية المتحفّظة القديمة. اكتشفت بفضل زوجها، الراغب في ضخّ دماء الحميميّة فيها وإذكاء رغبتها، أنّ ما كانت عليه ما هو إلا حبسا ألقت نفسها فيه فثبط جسدها محروما من إشباع شهوته. ما أراد الزوج إيقاظه في نفسه تجاه زوجته بالغيرة من كيمورا أيقظه أيضا في نفس زوجته لكن تجاه كيمورا. أخذت أكوكو، التي تعلم أنّ زوجها يقرأ يومياتها في أي فرصة تسنح له بذلك، إلى إرسال رسائل خفية توحي فيها بطهرها وعفّتها، وأنّ علاقتها بكيمورا بريئة حتى في خروجاتهما ولقاءاتهما في فندق، بل إنَّها لم تتجاوز حدّ العفّة. وبالغيرة والعفّة المتخيّلة اضطرمت شهوة الزوج لإكوكو ولضعف صحته أصيب بالجلطة. عند هذا الحد صار ليوميات إكوكو اليد الطولى في التلاعب بالزوج المخدوع، وعمدت إلى ترك غيرته متّقدة بعفتها حتى تبقى صحته مهددة بالخطر بعد أن نصحه الطبيب بتقليل مجهوده والخلود إلى الراحة. 

تتجاوز اللعبة الحدود المتخيّلة وتأثيراتها، ومارس كلٌّ من الرباعيّ دوره في الالتحام والتقاطع والتآمر. وتبقى يوميات الزوجين هي أداة المناورة والتأثير، وإنْ يقرّ كلاهما أنّه لا يقرأ يوميات الآخر ولا يريد قراءتها لكن لا يمكن الثقة بما يقولانه، لا سيما حين تبيّن الزوجة في آخر المطاف أنَّها كانت تتلاعب بزوجها لعلمها بأنه يقرأ يومياتها حتى ساقته إلى حتفه، وخرج الثلاثي المتآمر منتصرا. حسب الزوج أنّه قادرٌ على الحفاظ على موضعه آمنا، غير أنّه مثل جوجي، بخس من قدر إكوكو مطمئنا إلى أنها لن تخرج عما أراد لها بلوغه فأخطأ أيما خطأ. يشبه ما جرى في هاتين الروايتين ما لخّصه الراوي في التاريخ السري لأمير موساشي لتانيزاكي “ورغم ذلك، فإن الحقيقة القائلة بأن شوستسوين قد استمتعت، ولو للحظات، بتعذيب دوامي، وأنها قد انغمست في هذه اللعبة التي تقشعر لها الأبدان، والبعيدة كل البعد عن سلوكها العادي، يبدو أنها تقف شاهداً على وجود استعداد مسبق، عند كل النساء، إذا ما تم توجيههن بالشكل المناسب، للتمتع بالقسوة، وبتعبير آخر على وجود ميل بغيض إلى الوحشية. وعند معظم النساء، وبخاصة في حالة امرأة ذات ذهن سامٍ، مثل شوستسوين، فإن هذا السلوك لا يستمر طويلاً”. لكن لا ناوومي ولا إكوكو امرأة بذهن سامٍ ولا وليدة بلاط، لذلك انسلختا عن الهوية الفطرية التي ولدتا بها. في الطرف الآخر ما رضي جوجي ولا الزوج بامرأة محدودة المخاطر بل فجّرا مخاطرهما موقظَيْن الوحشين فيهما، فكان أول ما التهما أن التهماهما من دون أدنى شعور بالندم ولا أمل، فضلا عن رغبة، بالرجوع إلى الأصل. 

برزت رواية يوميات عجوز مجنون، آخر رواياته المنشورة، مثالا مكثّفا عن الشخصية المازوشية التي جسّدها الشيخ توكوسوكي ورغباته الخاضعة تجاه ساتسوكي، زوجة ابنه. في سن السابعة والسبعين وبعد أن بلغ من العمر عتيّا، وانتهشت جسده الأمراض، أبان الشيخ توكوسوكي عن رغبة وانجذب إلى الجميلة ساتسوكي، انجذابا دوّنه في يومياته. يوما بعد آخر يُفصح لساتسوكي عن رغباته الكاشفة عن سلوك مازوشيّ وحبٍّ لقدميها إلى درجة التقديس. سعى توكوسوكي بكل وسيلة إلى تحقيق مآربه متذللًا ومبذرًا لساتسوكي، التي كانت من طرفها تُدنيه منها وتستغله وتُلهب رغبته وترويها على حسب مزاجها بسادية مناقضة لخضوعيّته. هوى الشيخُ في حفرة الحسناء الفتيّة، حفرة من صنيع يديه، ومقاسيا أمراض أرذل العمر التي لم تمنعه مما يحب ويشتهي. أظهر في أثناء ذلك تذللًا تودديًا لساتسوكي وتلبية لكل ما تريد، وصرامة وقسوة لأفراد عائلته، وإنْ لم تكن بطابع تسلطيّ. وتمادى في هذه الرغبة المنجذبة بهوس إلى قدمي ساتسوكي حتى رغب أن يُصنع له من أثريهما، بعد أن طلى باطنيهما بالحبر وطبعهما على ورق، نموذجا على مقاس نصب قدمي بوذا المقدّس يضعه فوق قبره، فما من نعيم ألذُّ على قلبه من أن يبقى تحت قدميها بعد الموت. تتجلى في ذلك عبادة المرأة، وبالأخص عبادة قدميها، يبلغ بها توكوسوكي أقصى درجة في العبوديّة لساتسوكي. لا ينجذب الحمو إلى زوجة الابن من دافع انتهاك حرمة أو رغبة في المحارم إنما هو انجذاب الرجل إلى النموذج الأعلى من الأنثى الخالدة. ولا تفصح يوميات توكوسوكي إنْ كانت هذه الرغبة قديمة أو استجدّت مع هذه المرأة، لكن يسعنا من طبيعة علاقته بزوجته أن نتبيّن أنَّ هذه الرغبة دفينة أو سريّة غير مفصوح عنها حتى بلغ من العمر سنًا ما عاد عندها قادرا على كبحها، وأراد تخليدها بوضعها شاهدا فوق قبره مدركا أنَّ “معبودي الوحيد الذي يمكن تخيّله هو ساتسوكي”. إنَّ الشيخ الخاضع، المسلِّم زمامَه للمرأة المعبودة، مثال لأصالة الرغبة المتجذّرة في نفس الرجل لنموذج الأنثى الخالدة. بعد أن ماتت رغبة جسده بقيت رغبة روحه لا تموت، فيسعنا تأويل دوافع الرغبة عند الشاب فائر الشهوة تأويلات مختلفة، لكنها مع الشيخ العاجز لا تأوّل إلا بأصالتها وتجذّرها في روحه وجسده، فاختار توكوسوكي أن يموت مفصحا عنها بلا تورّع. ليس في علاقته صراع سلطة ولا رغبة في تغيير هوية ساتسوكي، إذ كانت كاملة، وإنْ سايرته أحيانا مبتزّة ماله، وعارفة بما يجول في نفس الشيخ ويريده، وهو الآخر عارف سلفا بحقيقة رغباته. اكتملت هوية الخضوع عند توكوسوكي فكشف عنها، واكتملت هوية السيطرة عند ساتسوكي فاستعملتها، كان نتاجُ التقائهما حتميا إذ وقع الحافر على الحافر، والتقت النفسان المتكاملتان. يصارح جوكيشي زوجته ساتسوكي في آخر الرواية، بعد أن علم بحال أبيه، “إنَّ رأس العجوز مملوء بأحلام اليقظة حول حوض السباحة كما هو حال الأطفال أيضا”. إنَّ تعلّق الشيخ بالأنثى الخالدة كتعلّق الطفل بأمه، فكلاهما لا يرى المثال إلا في المرأة المتجسّدة أمامه. الفرق أنّ الطفل يرى ذلك في أمه لأنه لا يرى سواها بالفطرة، ويرى الشيخ ذلك في الأنثى الخالدة لأنه رأى حقيقة نفسه واعترف بها ثم أبصر نموذج المرأة الذي حلم فيه.  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى