فتاة اسمها ناوومي – جونيشيرو تانيزاكي

“لقد عرفت طوال وجودي معها أنها متقلبة المزاج، أنانية، ولو أنها لم تكن كذلك لفقدت قيمتها. وكلما فكّرت فيها على أنها متقلبة المزاج وأنانية، زاد حبي لها، وزاد وقوعي في شركها. أدرك الآن أنني يمكن أن أضيع إذا ما تملّكني الغضب”.
نشر تانيزاكي هذه الرواية مسلسلة في سنة 1924 في صحيفة أخبار أوساكا وطبعت أول مرة كاملة بعد سنة. جاءت الرواية بعنوان “حب الأبله”، عنوان ذو دلالة مهمة غيّبها العنوان الإنجليزي “ناوومي” والعربي “فتاة اسمها ناوومي” إذ نقل عتبة العنوان وبؤرة تركيز القارئ من الراوي جوجي إلى البطلة ناوومي، وهذا نقيض ما رامه الكاتب من روايته. حظيت هذه الرواية بشهرة مستحقّة، وكانت فاتحة مجيدة لأدب تانيزاكي الذي حظي بالإشادة والقبول المحليّ والعالميّ وذاع صيته بمرور السنوات، وما زالت الموضوعات التي طرحها وعالجها في رواياته غضّة طريّة لا سيما تلك ذات الطابع الإيروتيكيّ عن العلاقة بين الرجل والمرأة وعوالم الجسد والرغبة على غرار روايتي المفتاح ويوميات عجوز مجنون. وإذا ما أمعنا النظر في روايته ناوومي أبصرنا فيها نموذجا تاما عن كمال الصنعة الروائية على مستويات عدّة مثل الفنيّ والموضوعيّ والشخصيات وتطوّر الأحداث والتشويق والبنية الرصينة من دون استخدام أي حذلقات فنيّة ولا الانغماس في عناصر الحداثة وما بعد الحداثة الروائية. عكست الرواية في ذات الوقت عملية تغريب اليابان واتباعها النموذج الغربيّ المؤثر في الإنسان والحياة اليابانيّين بما ظهرَ في شخصياتها وتأثرها السلبيّ بهذا التغريب وما تركه في نفوسهم بعد أن شوّهها ومسخها. يروي جوجي الزوج حكايته مع زوجته ناوومي منذ أن تعرّف إليها، وهي بسن الخامسة عشرة وهو بسن الثامنة والعشرين، وأراد امتلاكها وتنشئتها على يديه بعد أن انتشلها من عائلتها حيث كانت تعمل نادلة. كان جوجي متأثرا بنمط الحياة الغربيّ وأبصر في ناوومي ما حفّزت فيه هذا التغريب، لا سيما أنها بدت له تشبه الممثلة ماري بيكفورد، فرغب في أن يصيّرها على النموذج الذي أحبّه، فأخذ يعلّمها اللغة الإنجليزية، والموسيقا، والرقص، وجعلها تلبس اللبس الغربيّ وتأكل الطعام الغربيّ، وسكن في منزل بطابع غربيّ مبتعدا عن المنزل الياباني التقليديّ وتصميمه الداخليّ. أبصرها يوما تلو آخر تكبر وتصبح كما أحبَّ وأراد، غير أنَّ ذلك لم يكن سوى بداية الكارثة التي أنزلها بنفسه. كان تغريب ناوومي الظاهريّ يرافقه تغريب باطنيّ لم يبصره جوجي، وكلما مرَّت الأيام انمسخت ناوومي باطنيا وعقليا عن التقليد اليابانيّ وفي كلّ حال. في ذات الوقت ازداد حبّ جوجي لناوومي وتعلّقه الهوسيّ بها، بجسدها، وهو ما تركه في استسلام تام لإغراءات ناوومي وإغوائها وفريسة سهلة تستغله لتحقيق طلباتها. أخذ إفساد ناوومي بالتغريب يُبرز آثاره عليها، ويلقي بظلاله الثقيلة على جوجي، وبدأ شيئا فشيئا يُدرك في أيّ هوّة كانت تسقط زوجته وتجرّه معها رغم أنفه. بيد أنّه أبله في حبّه ومشاعره وهوسه بهذه المرأة الفتيّة، ويحصد ما زرعته يداه، إذ شبَّت ناوومي متجاوزة الطوق الذي وضعه جوجي، وكسرت القيود، وابتعدّت عن الحد الذي رسمه لها، وما استطاع أن يردّها إلى الوراء ولا أن يقوّم سلوكها، ولا أن يحدَّ من لأوائها، أو يشذّب أظفارها. جسّدت ناوومي اليابان التي أسرعت في التخليّ عن ماضيها وتقاليدها وتلتحق بركب الغرب، وما عاد ممكنا أن ترجع عقارب الساعة إلى الوراء أو توقف حصان العربة المنطلقة بأقصى سرعة إلى الأمام. في سعيه الضعيف لإصلاح ناوومي عمل جوجي على مواجهتها بانحرافاتها وخياناتها وتعدد علاقتها مع الرجال، وطلب منها أن تصلح من حالها وأنّه سيسامحها إذا ما أقرّت بخطئها، تسايره ناوومي فيما يريد ثم تمضي قدما من دون علمه فيما تريد. ومثل بلده اليابان، إذ صوّر تانيزاكي محاولة استمداد المحافظين قوّة من الماضي محاولين الحفاظ على تقاليده في وجه السيل العرم الغربي الضارب دفاعات بلادهم الضعيفة في أفعال شخصيات روايته، حاول جوجي أن يرجع إلى الريف وترك حياة المدينة لكنه عجز عن ذلك. وبدت أمّه الطيبة التي لم تظهر في شخصية واضحة المعالم إنما نعلم حسبُ أنها تعيش في الريف وتستجيب غير مرّة لطلبه المعونة المالية، بسبب نفقات ناوومي الباهظة والمتطلّبة -اليابان الجديدة-، هي اليابان القديمة التي ما زالت تعين أبناءها الراغبين في الحفاظ على البلاد والإنسان من التغريب بما تمنحه إياهم من أعراف وتقاليد وتاريخ في كل جوانب الحياة. أدرك جوجي أيضًا في لحظة إشراق أن أولى خطوات إنقاذ نفسه من وحل ناوومي وإصلاح حياتهما أن يترك البيت ذا الطراز الغربيّ والعودة إلى البيت الياباني التقليديّ1، لكنه فشل في تحقيق ذلك إذ رفضت ناوومي العودة إلى الوراء، ناهيك بعجزه عن التأثير في ناوومي، يابانه المغرّبة. ينفصل جوجي عن ناوومي بعد أن بلغ سيله الزبى وضاق ذرعا بها، في أثناء ذلك تموت أمه -موت اليابان القديمة-، وأصابه اليأس وترك عمله حيث كان في شركه ورغب في نقل حياته إلى الريف، رغبة لم تتحقق. ثم أمست ناوومي تعود شيئا فشيئا إلى جوجي لا بصفتها زوجة بل زائرة تأخذ ما بقي ما حاجاتها في البيت مرة تلو أخرى، والتهبت مشاعر جوجي ورغباته فيها، حتى خضع في آخر الأمر إلى ناوومي موافقا أن تعيش حياتها كما تشاء من دون أن يتدخّل، لكن عليه في المقابل أن يقاسمها كلَّ أملاكه التي نالها من الريف بعد موت أمه -آخر ما يمكن لليابان القديمة أن تقدمه لليابان الجديدة- لتعيش حياتها المرفّهة والفاسقة على هواها وبرضاه المغصوب عليه، ويمكنه بدء حياة جديدة فرضت عليه شروطها بعد أن افتتح شركة تصنيع المعدات الكهربائية وبيعها.
1- كتب تانيزاكي في مديح الظل تأملاته في المعمار الغربيّ وتأثيراته السلبيّة في البيت الياباني.



