مقالات أدبية

موجز تمثلات الأوديسة وأوديسيوس في الأدب العالمي

تعد شخصية أوديسيوس اليونانية (عوليس باللاتينية) واحدة من أهم الشخصيات الخيالية والمؤثرة في الأدب العالمي. فمغامرات بطل هوميروس، صاحب أشهر رحلة عودة إلى بلاده في ملحمة الأوديسة وتعزى إليه فكرة حصان طروادة الذي تسبب باجتياح المدينة العصية على الغزاة كما في الإلياذة، لم تنتهِ بعودته إلى إيثاكا. 

فكان الشاعر Stesichorus من أوائل من تأثروا بأوديسيوس وكتبوا مغامرات جديدة له في القرن السادس قبل الميلاد. وتأثر به الشاعر الروماني فرجيل في ملحمة الأنيادة، التي تعد أصلا للأدب الروماني كحال ملحمة الإلياذة في الأدب اليوناني. لم تكن الإنيادة تتمة لمغامرات لكنَّها كانت ذات سياق شبيه ومقابل للأوديسة برحلة الطروادي آينياس، الذي سيصبح الجد الأعلى للرومان. استمر حضور أوديسيوس في الأدب العالمي، فيجعله دانتي (الذي اتخذ شخصية أوديسيوسية متنقلة في دوائر الجحيم شاهدة على العذابات في الجحيم ثم يصعد إلى المطهر مختتما رحلته في الفردوس) في كوميدياه الإلهية من أهل الجحيم عقابا له على حيلة طروادة. لكن دانتي يصف سعي عوليس الدؤوب للمعرفة ليبدو  بطوليا أكثر من كونه ملعونا. ويخبره أنَّه بعد تركه جزيرة إيا Eëa والإلهة سيرسي، تقوده رغبته في نيل الخبرات “المعرفة” إلى المجهول دون التوقف في إيثاكا، فيرى جبلا مظلما لكنَّ زوبعة ترسل إلى سفينته وتدمرها ويبتلعه البحر بعدها. أتمَّ نيكوس كازانتزايكس رحلات أوديسوس في ملحمته الشعرية الأوديسة- تتمة عصرية. وهي محلمة شعرية مكونة من 33333 بيتٍا شعريا (كل بيت مكون من 17 مقطعا صوتيا كما في شعر الهايكو الياباني، مقسمة على أربعة وعشرين جزءا كما في النسخة الأصلية للأوديسة). بدأ نيكوس بكتابتها بعد عودته من ألمانيا إلى كريت عام 1924 ونُشرت عام 1938، وكان قدكتب لها سبع مُسوَّدات مختلفة. يعدها نيكوس أهم أعماله التي أبان فيها عن سعة إطلاع في الأساطير. وفي هذه الملحمة يغادر أوديسيوس إيثاكا بعد عودته متجها نحو إسبارطة حيث التقى المُغُوية هيلين وأقنعها بالهرب معه. استقرت هيلين في كريت لكن أوديسيوس ذهب يستكشف مصر ووسط إفريقيا ووجد مدينة لأهلها دين جديد، وفي النهاية مات أوديسيوس في بحر قارة أنتاركتيكا بعد محاولته تدمير جبل جليدي. 

لم تتوقف مغامرات أوديسيوس ولا إثمارات التأثر بشخصيته التي امتازات بالذكاء والثقة بالنفس والقدرة على التخفي والتعامل مع الأوضاع المختلفة، وانتقلت إلى القصص التراثية اليابانية، فظهرت لنا شخصية يوريواكه Yuriwaka، البطل الياباني الشجاع لقصة الانتقام الياباني، الذي اشتهر بقوسه الحديدية الهائلة. فبعد انتصاره على القوات المغولية يخونه مرؤوساه، الأخوان بيبّو، ويتركانه في جزيرة، ويرحلان ليغتصبا مقاطعته. يرسل يوريواكا صقره (ميدوري-مارو) برسالة إلى زوجته، التي تتضرع بعدها في المعبد للتدخل العناية الإلهية ويعود يوريواكه إلى مقاطعته. يخفي بعد العودة هويته الحقيقية حتى اللحظة التي يثبت فيها مقدرته على القوس الحديدية،  وينتقم لنفسه من الخونة. تشير حبكة القصة بكل وضوح إلى أوديسيوس هوميروس على الرغم من أن بعض الباحثين نفى هذا، ويعود أقدم نص لحكاية يوريواكه إلى القرن السادس عشر. واستعار الشاعر ديريك والكوت من شخصيات وأحداث ملحمتي هومر الإلياذة والأوديسة في كتابة ملحمته الشعرية قصيدة Omeros، إذ يتجول فيها بطل باسم “آخيل” في المياه الكاريبية. واُختيرت هذه الملحمة الشعرية من قبل الواشنطن بوست والنيويورك تايمز ضمن قائمة أفضل كتب العقد الأخير من القرن العشرين، ودفعته لنيل نوبل في الأدب سنة 1992. واستبقها بكتابة مسرحية الأوديسة في فصلين عن رحلة العودة والوصول، وامتازت المسرحية بجوها الساخر وحواراتها البليغة. أما أشهر الأعمال المتأثرة بالأوديسة وشخصية أوديسيوس فهي رواية عوليس للروائي الأيرلندي جيمس جويس المنشورة في عام 1922 بباريس، بعد أن نشرت دوريا في مجلة Little review الأمريكية. اُقتبِس عنوان الرواية من اسم أوديسيوس وماثلت شخصياتها أبطالَ الأوديسة (بينيلوبي “زوجة أوديسيوس” = موللي “زوجة بلوم”، وتيليماكوس “ابن أوديسيوس”= ستيفن “صديقه”، وليوبولد بلوم = أوديسيوس) حيث يقضي البطل بلوم يومه في دبلن. تأخذ الرواية قارئها في رحلة داخل وعي أبطالها مستخدما جويس كل تقنيات تيار الوعي كالتداعي والذكريات والمونولوج الداخلي مع تدخلات سردية غير مباشرة، أضفت إلى الرواية مقاما خاصا في تاريخ تطور الرواية وأدب الحداثة. 

ظهرت شخصية أوديسيوس/ عوليس في الشعر العربي الحديث كما لدى السياب في قصيدة الوصية:

لو أنّ عوليس و قد عاد إلى دياره

صاحت به الآلهة الحاقدة المدمّرة

أن ينشر الشراع أن يَضِلّ في بحاره

دون يقين أن يعود في غد لداره

ما خضّه النذير والهواجس

كما تخضّ نفسي الهواجس المبعثرة

ومحمود درويش في قصيدة “في انتظار العائدين”:

أكواخ أحبابي على صدر الرمال

وأنا معَ الأمطارِ ساهرْ

وأنا ابنُ (عوليسَ) الذي انتظرَ البريدَ من الشمالْ 

ناداه بحارٌ ولكنْ لم يسافرْ 

لجمَ المراكبَ وانتحى أعلى الجبالْ 

مراجع:

1-The Fictional 100: Ranking the Most Influential Characters in World Literature and Legend by Lucy Pollard-Gott.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى