كتب

رسائل كافكا إلى ميلينا

من بين كلّ نساء كافكا اشتهرت ميلينا أكثر من سواها لا سيما رسائله إليها. تسلم كافكا في عام 1919، قبل وفاته بخمس سنوات تقريبا، رسالة من أديبة شابة، هي ميلينا جيسينسك، ترغب في ترجمة قصة “الوقّاد” لكافكا من الألمانية إلى التشيكية. استمر الاثنان في تبادل الرسائل بعدها، وتوّلدت علاقة حب قصيرة الأمد لم يتلقيا خلالها إلا مرتين. وانتهت بقطع كافكا لأواصرها لأن ميلينا لم تكن ترغب كما بدا لكافكا أن تنفصل عن زوجها. نُشرت رسائله إلى ميلينا في عام 1952. 

كانت ميلينا، حين تعرف إليها كافكا، بعد أن طلبت من ناشره ترجمة بعض قصصه إلى التشيكية، امرأة متزوجة بيهودي نمساوي ناطق بالألمانية اسمه إرنست بولاك. ما كان هذا مانعا لكافكا أن يكتب لها ويحبها. ولميلينا حياة مضطربة، إذ كانت تسرق من ذهب أبيها وتعطيه عشاقها، وما كان من أبيها إلا وضعها في مصحة. وبعد خروجها من المصحة تزوجت إرنست بولاك وذهبت للعيش معه في فيينا. كان بولاك رجلا عضوا في دائرة الوضعية الجديدة في فيينا، وما أخفى عن ميلينا خياناته الزوجية، ولا أدخلها دوائره الاجتماعية. وشعرت أنها غير محبوبة ومعزولة، وتعاطت أحيانا الكوكايين. ولحاجتها إلى المال عملت في الصحافة. وتشير رسائل كافكا إلى أنه كان يرسل إليها مالا أحيانا. لكنها في الوقت نفسه بقيت محبة لزوجها كما استشفّ كافكا من رسائلها، ويرى بعضهم أن هذا سبب فراقهما. ومما أخبرت ميلينا كافكا أنها كانت تستمتع كثيرا بتلميع حذاء زوجها. 

تصفُ ميلينا كافكا “ما يرتسم على كافكا من غرابة أطوار هو في حقيقة الأمر سمته الرئيسة. لقد رافقته نساءٌ عاديات لم يعرفن حياةً يعشنها سوى حياة النساء. وإني لأختارُ أن أومن بأننا جميعا -الدنيا بأسرها، كلُّ الناس- سِقامٌ وهو الإنسان الوحيد السليم الذي يُدركُ العالمَ.. ويشعرُ به على النحو الصحيح، الإنسان النقيّ الوحيد. يعرفُ كافكا العالمَ عشرةَ آلافِ ضعفِ ما يعرفه أيٌّ منا. لقلقه أساسُه الراسخ، وهو مؤمنٌ على الدوام بأنه امرؤ مذنب وضعيف. لكن ما من أحدٍ في هذه الدنيا يملكُ طاقته المهولة، وعزيمته، وسعيه غيرَ المشروط إلى الكمال، والنقاء، والحقيقة”.

ومما جاء في رسائله (رسائل إلى ميلينا، ترجمة: الدسوقي فهمي): 

– كتابة الرسائل… معناها أن يتجرّد المرء أمام الأشباح. وهو ما تنتظره تلك الأشباح في شراهة، ولا تبلغ القبلات المكتوبة غايتها، ذلك أن الأشباح تشربها في الطريق. 

– أرجوك يا ميلينا، اخترعي لي إمكانية أخرى لكي أكتب لك اليوم. فإن أرسل لك بطاقات تمتلئ بالأكاذيب لهو أمر بالغ السخف، كما أنني لا أعرف دائما أي كتب يفترض أن أرسلها إليك، وأخيرا فكرة أنك قد تذهبين ذات مرة إلى مكتب البريد بلا طائل هي فكرة لا تحتمل. فأرجوك اخترعي إمكانية أخرى. 

– إن الأمر لك في النهاية لتحكمي بنفسك، والمرأة هي التي تحكم دائما في النهاية.

– لقد قضيت فترة ما بعد الظهيرة كلها في الشوارع، أتلوى ملتقطا الطعم من سنارة اليهود، (رَعاع أقذار) سمعت أحدهم ينعت بها اليهود منذ بضعة أيام. أليس السلوك الطبيعي هو أن يغادر المكان الذي تبلغ الكراهية له فيه هذا الحد؟ (لهذا السبب، لا حاجة بنا إلى الصهيونية أو الشعور القومي). إن البطولة التي تتمثل في البقاء على الرغم من كل هذه الكراهية هي بطولة الصراصير التي يتعذّر أيضا إبادتها من الحمّام. 

– انهريني ما دمت صادقة في هذا، ربما كان هو التعنيف الذي توجهينه إليّ، يسعدني أن أكون تلميذك، وأن أرتكب الأخطاء طوال الوقت، فقط لمجرد أن تعنفيني طوال الوقت. إن المرء ليجلس في مقعد الدراسة ولا يكاد يجرؤ على التطلع إلى الأعلى، فتنحنين أنتِ عليّ، ويتألق طرف أصبعك الذي ترفعين به احتجاجاتك، هل هذا صحيح؟.  

– يحذر كافكا من التقبيل عن بُعد ‏”إن القبل المكتوبة لا تصل إلى عنوانها، بل تمتصها الأشباح في الطريق، وعلى هذه النعمة الوافرة، تعتاش وتتكاثر على نطاق واسع”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى