التراث الأدبيالتراث العربي

دعوة الأطباء – ابن بطلان

يُشرعُ كتاب دعوة الأطباء البابَ أمام سؤال هل كتب العربُ القدماء الرواية، بالمعنى المتعارف عليه اليوم وبمعاييرها البنيويّة. وهو سؤال لا بد من طرحه بعد قراءة هذا الكتاب، الذي هو على وجهٍ من الوجوه رواية كاملة كتبها الطبيب أبو الحسن بن بطلان في سنة 450هـ/ 1058م.   

أبو الحسن المختار بن الحسن بن بطلان، طبيب مسيحي من أهل بغداد. وكان معاصرًا للطبيب المصري علي بن رضوان وعلى خلاف معه، وما كتب أحدهما شيئًا إلا عارضه الآخر، وما توافقا حتى بعد لقائهما، إذ سافر بن بطلان إلى مصر بُغية الاجتماع به في سنة 441هـ، وتوفي سنة 458هـ. فرغ ابن بطلان من نسخ الكتاب بدير الملك المنيح قسطنطين بظاهر القسطنطينيّة في آخر أيلول سنة 450هـ، وصنَّفه، كما يشير، إلى نصير الدولة أبي نصر أحمد بن مروان. 

يكتب ابن بطلان في افتتاح كتابه: “هذه رسالة دعوة الأطباء على مذهب كليلة ودمنة تشتمل على مزح يبسم عن جدٍ وباطلٍ ينطقُ عن حقٍ، وخيرُ القول ما أغنى جده وألهى هزله. صنفها أبو الحسن المختار بن الحسن بن بطلان للأمير نصير الدولة أبي نصر أحمد بن مروان من أمثال الحكماء وكلام البلغاء ونوادر الفلاسفة، ليجد العالم فيها ما يوافق طريقته وينقاد المتعلم بسهلها إلى تسهيل غرضه، فيقرب عليه تناوله ويظهر للقارئ فضل الأطباء المهرة وعجز المخرقين بهذه الصناعة وهي اثنا عشر قسما…”.

ويستهلُّ القسم الأول بقوله: “قال بعضهم لما دخلت ميافارقين…”، ثم يشرع في رواية القصة.

نقف هنا على ثلاث مسائل لا بد منها: الأولى يقول إنَّها رسالة، وتحيل لفظةُ رسالة إلى النص المكتوب عموما، لا سيما الرسائل الأدبيّة النثرية التي تتناول موضوعًا بعينًا، ونص دعوة الأطباء ليس برسالة أدبية، وهو كذلك ليس برسالة موجَّهة إلى أحدٍ بعينه ولا يتبع أسلوب الرسائل. لكنَّه نصُّ تخيُّلي، والحال شبيهة برسالة الغفران للمعري فهي كذلك ليست برسالة بالمعنى المتعارف عليه. لذا فإنَّ الراجح أنَّه استخدم لفظة رسالة للإشارة إلى ما كتبه بأنَّه نصُّ قصصيّ، دون التفصيل والتبيين بالمقصود الفعليّ من قوله رسالة دعوة الأطباء إن كان له غايات خفيّة من النص. والثانية قوله “هذه رسالة دعوة الأطباء على مذهب كليلة ودمنة”، وكليلة ودمنة كتاب شهير  يجري على ألسن الحيوان وعالمه، كتبه بالعربيّة ابن المقفَّع في القرن الثاني للهجرة نقلًا عن الفهلويّة. يأخذ بنا الظن إلى الاختلاف بين كتابي كليلة ودمنة ودعوة الأطباء إذ الأول عن الحيوان والآخر عن الإنسان، وإن كان الكتاب على مذهب كليلة ودمنة فالمفترضُ أنه يجري في عالم الحيوان أيضًا، بيد أنَّ ما يتَّضِحُ لي أن ما يقصده ابن بطلان يذكره في كلمة الافتتاح إذ يقول “هذه رسالة دعوة الأطباء على مذهب كليلة تشتمل على مزح يبسم عن جدٍ وباطلٍ ينطقُ عن حقٍ، وخيرُ القول ما أغنى جده وألهى هزله… من أمثال الحكماء وكلام البلغاء ونوادر الفلاسفة، ليجد العالم فيها ما يوافق طريقته وينقاد المتعلم بسهلها إلى تسهيل غرضه ويظهر للقارئ فضل الأطباء المهرة وعجز المخرقين بهذه الصناعة”. وما أشبه هذا الكلام بكلام ابن المقفَّع “وينبغي للناظر في هذا الكتاب أن يعلم أنه ينقسم إلى أربعة أغراض: 

أحدها: ما قصد فيه إلى وضعه على ألسنة البهائم غير الناطقة، ليسارع إلى قراءته أهل الهزل من الشبان، فتستمال به قلوبهم، لأنه الغرض بالنوادر من حيل الحيوان. 

والثاني: إظهار خيالات الحيوان بصنوف الأصباغ والألوان، ليكون أنسًا لقلوب الملوك، ويكون حرصهم عليه أشد للنزهة في تلك الصور.                          

والثالث: أن يكون على هذه الصفة، فيتخذه الملوك والسوقة، فيكثر بذلك انتساخه، ولا يبطل فيخلق على مرور الأيام ولينتفع بذلك المصور والناسخ.                       

والرابع: وهو الأقصى، وذلك مخصوص بالفيلسوف خاصة”.                            

إذًا، فالغاية التعليميّة والإرشاديّة والنُّصحُ واضحةٌ، وهي عند ابن بطلان في قالب مزح يبسم عن جدٍ وباطلٍ ينطقُ عن حقٍ، وعند ابن المقفِّع على لسان الحيوان فتكون سريعة النفوذ إلى أهل الهزل وأنسًا لقلوب الملوك. وتبرزُ الغاية التنويريّةأيضا في إظهار فضل الأطباء المهرة عند الناس وعجز الكاذبين والدجاجلة منهم، وعند ابن المقفَّع في تنوير الملوكِ بسياسة الحُكم والمُلك، وغاية أخيرة لا يطال فهمها إلا الفلاسفة وذوو العقول الثاقبة. ثمة تفسيرٌ آخر لقوله على مذهب كليلة ودمنة، أنَّه يقصد قصة متخيَّلة غير حقيقيّة. 

والمسألة الثالثة في قوله “قال بعضهم لما دخلت ميافارقين…”، يُحيل هذا الاستهلال إلى المقامة وجملتها الاستهلالية بحدثّنا عيسى بن هشام قال عند الهمذاني. إنَّ هذه المسائل الثلاث تجتمعُ حول سؤال ما نوعُ (صنف) دعوة الأطباء هل هو رسالة أو مقامة أو رواية؟ كما بيَّنا فإن النص ليس برسالة، والمقصود أنه نص سردي. فهل هو مقامة؟ ذهب عبد الفتاح كيليطو، في كتاب المقامات، إلى أنَّ وجود إسناد الخطاب في النص مرتبطٌ بنصٍ يُسند فيه المؤلِّف القول لشخصية أو عدة شخصيات، وهو المشترك بين مقامات السيوطي ودعوة الأطباء ومقامات الهمذاني، فهو يُحيل دعوة الأطباء إحالة غير صريحة إلى نوع المقامات. دعوة الأطباء ليس بمقامة فبُنية المقامة مختلفة عن دعوة الأطباء، فإسناد الخطاب إلى مجهول في حين الراوي عند الهمذاني معروف. وكذا الحال مع التنكُّر والتعارف ثم الفراق، وهذا ما تشترك فيه حبكة دعوة الأطباء مع المقامات لكنه ليس باشتراكٍ يجعل النصّين من نوعٍ أدبي واحدٍ، فالحبكة في نص المقامة ذات بُنية ملاحقة بين عيسى والإسكندري، اللذان يعرفان بعض وهما الشخصيتان الثابتان في معظم المقامات، تبتعدُ عن دعوة الأطباء ذات بنية شبيهة بأدب المأدبة وباجتماعِ شخصيات، لا معرفة سابقة بينها، في مجلس طعام وشراب. وأسلوب المقامة ولغتها مختلفة تمامًا عن دعوة الأطباء ذات اللغة غير المسجوعة ولا الغارقة بالمحسنات اللفظية والمعنوية. والمقامات نصوص قصيرة ذات بنية متكررة ودعوة الأطباء نصّ طويل واحد، ومن مجانبة الصواب ضمها إلى فن المقامة. وثمة من يجعل دعوة الأطباء مشابهة للمقامة المضيريّة إذ يروي الإسكندري فيها كيف كان مدعوًا عند رجل في بيته على أكل المضيرة، وعند الوصول البيت يبدأ الرجل بوصفِ كلِّ ما تراه عينه في بيته توصيفًا دقيقًا مُسهبا حتى جعل الإسكندري يلعن المضيرة ويفرُّ من الرجل مغادرًا بيته ومقسمًا ألا يأكلها بعد اليوم. إنَّ التشابه بين المقامة المضيريّة ودعوة الأطباء واضحٌ سواءٌ في الدعوة إلى البيت، وموضوع البخل، ثم المفارقة، بيد أنَّ من الضروري تسليط الضوء على مسألة مهمة وهي أنَّ مقامات الهمذاني مرَّت بتطوراتٍ بُنيويّة حتى وصلت إلى البنية المعياريّة التقليديّة المعروفة، وانتهجها الحريري ومن جاءوا بعده. فالمقامة المضيريّة ليست ذات بُنية تقليديّة، وهي حكاية. وليس من المستبعد أن يكون ابن بطلان قد تأثر بفكرة المقامة المضيريّة وبُنيتها في كتابة دعوة الأطباء لكنه تأثير عام وليس مخصوصًا في محاكاة مقامات الهمذاني وأسلوبه.                     

فهل دعوة الأطباء رواية؟ يذكر بشارة زلزل، وهو أول من حقَّق النص ونشره في عام 1901، في مقدّمته واصفًا الكتاب بأنه “رواية كما نوَّر الزهر”. ويُصنِّفه سعيد الغانمي، في كتابه مفاتيح خزائن السرد، في فصل روايات وحكايات، نظرات في الروايات العربية القديمة. يستعرض الغانمي موضوع وبُنية دعوة الأطباء والأقوال الواردة في تصنيفه، ويخلص إلى أنَّ الكتاب رواية “لذلك فالعمل أقرب إلى روح الرواية التي تنتظم أفعالها المتعددة حبكة سردية واحدة”. يسهل علينا تصنيف دعوة الأطباء، وأي نصٍ غيره، وتبيان نوعه في تعريف الأنواع الأدبية، وكشف بُنيتها المعيارية، وعناصرها الفنيّة، ولغتها، وحجم النص، وبقراءة دعوة الأطباء يتجلَّى لنا أنَّه نص تخيّلي نثري، ذو بنية سرديّة مكونة من أحداث متعاقبة مترابطة بالفعل السرديّ المتقدِّم في زمن تصاعديّ، لها راوٍ وشخصيات رئيسة وموضوع رئيس واحد وحبكة تصل إلى العقدة ثم الحل والخاتمة، بلغة سرديّة بدون أي مميزات أسلوبيّة كالمقامة، وبحجم كبيرٍ نسبيًا أكبر من القصة والمقامة، وهو ليس بحكاية إطارية ولا حكاية أمٌ تضم في داخلها حكايات أخرى، ودعوة الأطباء نصٌّ كاملٌ البُنية والقصة يُقرأ من أوله إلى آخره حتى يُفهم وتُدركَ غايته.   

*

يبدأ الكتاب بذكر خبر الشاب الذي دخل مدينة ميافارقين، شمال ديار بكر، وبحث عن المتطببين فيها فأرشدوه إلى دكَّة العطارين حيث التقى بالشيخ الطبيب السبعينيّ، وجرى بينهما حديث بعد أن أخبره الشاب أنه طبيب، ذكرَ الشيخُ سوء حال مهنة الطب في هذه المدينة وتذكّر متأسفًا الأيام الخوالي وحياته في بغداد، ثم لما عرفَ من الشاب ضعف معدته وقلة شهيته دعاه إلى بيته للأكل والحديث. أفصحت هذه الدعوة عن طبيعة الشيخِ البخيلة وعدم رغبته بإطعام ضيفه، الذي أسفرَ هو الآخر عن رغبة بالأكل. وكلما أتى غلامُ الشيخِ بطعام ومدَّ الشاب إليه يده نهاه عن الأكل، وأبان له عن أضرار هذا الصنف وذاك، ويأمر غلامه برفعِ الأكل والإتيان بصنف آخر ويمنع الشاب من الأكل ناصحا إياه بعدم الأكل، وهكذا يبقى الشيخُ ينافح عن طعامه بذكرِ مساوئ الطعام والشراب ومضارهما على الصحة. ثم طلب الشيخُ من غلامه أن يدعو تلميذه أبا جابر الفاصد، وأصحابه أبا يوسف الكحَّال، وأبا سالم الجرائحي، وأبا موسى الصيدلاني. يبدأ بعدها بمباحثة الشاب ويسأله فيما يحذقه في الطب، فيشرعُ الشاب عند هذه الحال بإزالة أقنعته واحدًا تلو الآخر، والتخلّي عن تنكراته، التي نكَّر بها حقيقته، بإفصاحه عن جهله بالأجوبة التي جُوبه منها من كل اتجاه، حتى أقرَّ في آخر الحديث بحقيقته. قال الشاب أول الأمر إنَّه طبائعيّ، يُعنى بالطبائع (الأمراض الباطنة والصحة العامة)، فلما فشل في الإجابة عن أسئلة الشيخ التعجيزيّة قال إنه كحَّال فتصدَّى له أبو يوسف بأسئلة أعجزَت الشاب، ثم قال إنه جرائحي فوجدَ عند أبي سالم ما تركه لا يحير جوابا، ثم قال إنه فاصد فأخرسه أبو جابرٍ بأسئلته، ثم قال إنه صيدليّ فحاصره أبو موسى بالأسئلة. أُسقطَ الشاب حيئنذ بيده وكشف عن حقيقته بأنه رجل جاء بكتب إلى أهل هذه البلدة. وجدَ الشابُ نفسه محروما من الأكل والشرب عند الشيخ الطبيب البخيل، وما سعى إليه بالمكر والخديعة أخذه إلى شيخٍ حاذقٍ ماكرٍ لا يخدعه غرٌ ليأكل من أكله أو يشرب من شربه. يتذكَّر الشيخُ بهذه المحاولة الفاشلة لخداعه ما كان لفتى اسمه خاروف أبو الوفاء، اشتغلَ بالطب وكان مخادعًا لا لا علمَ بالطب، وله في كلِّ حالٍ شأنٌ وفي كل مقامٍ مقالٌ. وبعد أن لعب الخمرُ برأسه تشكّى من سوء حال أهل الطب، واستهانة الناس به، وذهاب ريحه وكساده، ثم بكى وغطَّ في نومه، وانصرف القوم. همَّ الشابُ بالذهاب بعد أن نامَ الشيخُ ويئس من الأكل في بيته فطلب منه الخادم والتلميذ أبو جابرٍ أن يبقى فيكون لهما عذرٌ بالأكل من طعام الشيخ فأكلوا اللحمَ والحلواء وشربوا الخمر، فلما أحسَّ الشيخ ورآهم فعلوا الأفاعيل بطعامه وشراب أقسم ألا يستضيف غريبًا في بيته، وخرجَ الشاب. ولما عاد بعد أيام أغلق الشيخُ في وجهه باب شباكه، وبه انتهى الكتاب.   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى