النقد الأدبي

كتابة الرواية – لورانس بلوك

يفتتح المترجم د. صبري محمد الكتاب بتقديم عن الحبكة ما بين التنظير والتطبيق، متناولا الحبكة والتي تمثل جوهر الرواية وروحها والمحور الرئيس فيها والذي تتصاعد الأحداث حتى تصل للذروة والتي تكشف الحبكة الروائية فيها عن التغييرات في الأحداث ومؤثرات عناصر الرواية في الحبكة. فوفقا لأرسطو فأن الحبكة تمثل تأثير حدث في آخر وترابطها، أو ما يمكن أن نسميه بالسببية، ويحاول المترجم طرح المفاهيم التي وُضِعتْ لتعريف الحبكة من قبل الأدباء والنُقاد، ولا يمكن إطلاق الحبكة على أي حدثين أو أكثر متتابعين، فكأن: تقول استيقظ سمير في الساعة السابعة صباحا. وتناول فطوره بعدها. فليس هناك أي حبكة في هذين الحدثين، لكن بقولك: استيقظ سمير صباحا بعد أن ضبط منبه ساعته على السابعة، لأن في انتظاره عمل شاق مع صديقه أحمد وموعد في التاسعة مع مدير الشركة التي ينوي العمل فيها، تناول فطوره ثم خرج بعدها. فالحبكة هو في أسباب الاستيقاظ مبكرًا وترابط الحدثين الاستيقاظ المبكر مع العمل والموعد، وهنا يمكن أن نعرف الحبكة بأيسر شكلٍ هو تداخل الحدثين في شريط مكاني وزماني واحد أو أكثر، يكون تأثير أحدهما في الآخر واضحا. ويختلف تعقيد الحبكة اعتمادا على السير العام لأحداث القصة أو الرواية، هذا ما يُمكن أن نخرج به من المقدمة النظرية للحبكة، لكن تبقى الحبكة أكثر مرونة وأكثر عمقا من تعريفها أو تحديدها في تعريف، فقد تأتي بصور وأشكال لم يسبق أن عرفناها، وتختلف من شخص لآخر وفقا للمعايير التي يضعها للتعرف عليها أو في دراستها. 

في الشق الآخر من المقدمة الجانب التطبيقي من الحبكة، يتناول المترجم عملين هما “في حديقة الحيوان” وأحداث اليوم العشرين” محللا إياهما من أجل توضيح الحبكة وشكلها وسماتها في هذين العملين، التي يعمل الكاتبان على إذابتهما في المتن القصصي دون أن يُبرزاهما بشكل واضح وجلي، وهي إثبات على مرونة الحبكة وتماهيها مع الثيمة والإطار الكلي والشامل من القصة أو الرواية، والتي من الممكن أن تكون هناك أعمال بلا حبكة، لكنها تؤدي الغرض المراد منها، فكما تُعرَّف الحبكة وفقا للكلمة الإنجليزية Plot وهو الزيادة عن طريق الإضافة المتدرجة، فإن الحبكة تعتمد في الأساس على الاستمرارية، فحياة الإنسان مهما كانت هادئة أو صاخبة، فإن حبكة شريط العمر الذي ينتهي مع الموت، يكون ذا حبكة معينة تختلف حسب درجة التعقيد والصراع والمشاكل والانقلابات الفكرية والتغييرات التي تطرأ على المرء في حياته. فالحبكة متماهية مع وجود كل منا، ثمَّ على الكاتب أن يعرف ما هي الحبكة أهي تطور وتصادم وصراع في الأحداث والشخصيات والجو العام لمؤلَفه -سواء أكانت واضحة جلية أم متماهية خفية- أم هي إثارة للقارئ وجعل القارئ بدل أن يحاول كشفها أو البحث عنها أن يشترك فيها ويعيشها ويكون جزءا منها بل يكون هو الحبكة، من خلال ما يطرحه الكاتب أو يبعثه من رسائل -خفية أو جلية- أم عليه أن يجمع الاثنين: حبكة تكتب في العمل وأخرى يُجبر القارئ على خوضها. وهنا تبرز قيمة الأدب وفعاليته  في الانتقال من عالم الورق إلى عالم الواقع وتأثيره في أفكار وتوجهات القارئ. 

*يوجه الكاتب لورانس بلوك نصيحته في تقديم الكتاب، أن هذا الكتاب هو نتاج مسيرته وخبرته الشخصية، وأنه لن يضع طريقة كتابة الرواية، لأنه يؤمن أن كل كاتب له طريقته الخاصة التي يجب عليه أن يتبعها، وأنه سيبقى طوال حياته يبحث عن الطريقة المناسبة لكتابة الرواية. 

ملخص الكتاب: 

الفصل الأول: يستهل الكاتب لورانس بلوك الفصل الأول المعنون بـ”لماذا نكتب الروايات” بالحديث عن الأسباب التي تدفع لكتابة الروايات بكثرة، ويقرن السبب في الاندفاع لكتابة الرواية هو ركود سوق القصة القصيرة التجاري وانخفاض عدد المجلات الأدبية الرصينة التي تنشر أو تدفع ثمنًا يُمكّن الكاتب من كسب عيشه أو إثرائه، فالكاتب في النهاية يريد أن يعيش ويكسب بجانب الصيت الأدبي؛ المال. ويتوغل أكثر في هذا الموضوع مسلطا الضوء على جميع الزوايا التي يراها مرتبطة في سبب شيوع كتابة الرواية، ويطرح الأسئلة التي من أهمها أأبدأ بالقصة القصيرة، باعتبارها تمرينا وتدريبا للمهارات السردية والكتابية قبل الشروع بكتابة رواية؟ يجيب بالنفي على الرغم من أنه بدأ بكتابة القصة القصيرة قبل أن يبدأ بكتابة الرواية، كون الرواية ذات مساحة كبيرة وتعطي الفرص والمجال للتعامل مع المشاكل التي تواجه الكاتب بصورة أكبر، فضلا عن الفائدة التي تعود بها كتابة الرواية الأولى إذا لم تكن ناجحة، فهي أفضل مساعد ومدرب للكاتب في معرفة أخطائه وكيفية تلافيها مستقبلا في أعماله الأخرى. ويبدو لورانس في آرائه مدافعا كثيرا عن التوجه الروائي دون الحاجة للمرور بحقل القصة القصيرة والكتابة فيها. والتي أرى أن هذا الرأي نسبي ولا يجب أن يعمم على الجميع دون الأخذ بالأسباب وتجهيز كافة الأدوات اللازمة للكتابة سواءً من الناحية الفنية للعمل أو التكنيكية للكاتب. لكنه يوجه الخطاب لأولئك الذين يملكون المشروع والنية لكتابة عمل روائي أول في مسيرتهم مما يقلل عدد المخاطبين في كلامه. ويشيد بالرواية لكونها فرصة لاكتشاف الذات. 

الفصل الثاني من الكتاب، يتحدث فيه لورانس عن نوع الروايات التي ستبدأ بها، مستعرضا أمثلة عن بداياته وعن تجاربه الروائية وآرائه في هذا الموضوع، حيث يصب رأيه في موضوع الراوية التي ينوي الكاتب البدء بها حول الجانب الربحي أو الشهرة، أو الكتابة الفئوية الرائجة، وأن يعتمد الكاتب على قراءاته وحول ما يحب من مواضيع إن لم يحدد موضوعه مسبقا، وكان في حيرة من أمره، تبدو آرائه وبكل وضوح بعيدة كل البعد عن قيمة ورسالة الأدب الإنسانية، بل حول العوائد المادية والشخصية، ليخرج بالرواية من عالم الأدب إلى عالم السوق المجرد من أي قيم إنسانية؟  والسؤال هل هو مخطئ في توجهه الكتابي؟  لا يمكن أن أقول أنه مخطئ أو أنه مصيب، ففي الوقت الذي يجب أن لا ننسى ونتجاهل المردود المادي من الكتابة والشهرة والمكانة الأدبية، لكن بذات الوقت يجب أن لا تتحول الكتابة إلى وسيلة لكسب المال فقط. يجب أن يكون التوازن واضحا وأن تكون الكتابة في مقام أسمى وأعلى من التفكير الربحي البحت، وبذات الوقت يجب أن لا يتم إهمالها المرود المالي ، لكن وكما أرى وأميل أن يكون هدفا ثانويا وليس رئيسا. 

الفصل الثالث: القراءة والتحليل والدراسة. 

إذا اخترت المجال الذي تود الكتابة فيه، فينصحك لورانس، بأن تقرأ روايات في المجال الذي تود الكتابة فيه، وأن تقوم بتحليل الروايات التي قرأتها وتدرسها وتكتب ملخصا لها ولكل فصل، ذاكرا بدايات ونهايات فصولها، ثم تشرع بعمل مخطط لك على ضوء أو مستفيدا من التخطيط للروايات التي قرأتها، فإن نجحت في كتابة مخططات لما قرأت؛ فباستطاعتك أن تكتب مخطط روايتك الخاص، تبدو هذه الخطوات التي ينصح بها عامة ومجوفة ولا تملك أي ميزة خاصة، يُمكن أن تكون نافعة بصورة كبيرة أو مؤثرة، أو أنها تُعطي الروائي المبتدئ أسرار الكتابة، والتي أرى أن على الروائي أن يشق طريقه الخاص ويكتشف أسلوبه، دون أن يُضيع وقته في محاولة اتباع نصائح الآخرين التي لا توجد ضمانات أنها ستنجح معه، إن كانت فعلا هذه النصائح صادقة ويعمل بها كاتبها. 

الفصل الرابع: ابتكار أفكار الحبكة. 

كيف تصطاد أفكارك أو أفكارًا لحبكة الرواية من العالم المحيط بك، لن يقول لك لورانس كيف، لكن يرشدك إلى الطريقة التي من خلالها يُمكنك الوصول؛ أن تتحول إلى رادار كبير وفي حالة نشاط دائما لكل ما يجري وتدركه أو تقرأه أو تسمعه، وبإمكانك أن تحوله لرواية أو قد يكون خطا تنطلق منه لتشكيل وتكوين العمل. فقم بحمل دفتر ملاحظات وتسجيل أي ملاحظة أو فكرة فقد تتبلور إلى رواية، وهذه النصيحة لا تعدو أن تكون نصيحة تجارية، معروفة للجميع، إذ أن العمل الروائي وحبكته يحتاج إلى دراسة لهدف الرواية ومتن موضوعها، ولا يعني تجاهل العمل بنصيحته أو إرشاده، لكنه لم يكفي لحبكة فكرة روائية إن لم تمكلها وتكتشفها بنفسك دون الاعتماد على الحظ والقدر في إيصالها لك. 

الفصول الثلاثة اللاحقة الخامس والسادس والسابع، عن تطور الشخصيات والمخطط، اكتب ما تعرف وما لا تعرف. الحديث عن شخصيات الرواية وتطورها وأمثال من شخصيات روائية كتبها لورانس، يحكي فيها تجربته مع شخصياته وكيف أثّرت فيه أو أثّر فيها، والوسائل التي استفاد منها في اقتباس شخصياته، وحديث مُسهب عن مصادر الشخصيات الروائية. أما فصل مخطط الرواية، فهو عن جدوى المخطط وهل يكتب الروائيين مخططًا قبل الشروع في كتابة الرواية؟ تختلف طقوس الروائيين في هذا الأمر، فمنهم من يكتب بدوون مخطط ومنهم من لا يستطيع الكتابة بدون مخطط، وقسم آخرر يكتب مخططات لا تتعدى بحجمها حجم قائمة مشتريات، ومنهم من يفوق مخططه حجم روايته، أما الفئة الأخيرة من يضع مخططا ولا يرجع له إلا بعد إنهاء الرواية. تبرز للمخطط سلبيات وإيجابيات أثناء العمل أو قبله، منها الحد من حرية الكاتب والحد من تطور الرواية الحر، ونمو أحداثها بصورة تلقائية دون تخطيط مسبق، ويبقى الأمر معتمدًا على الكاتب وطريقة تعامله مع الرواية ومخططها، لكن ما يجدر الإشارة له فهو يؤكد على أهمية المخطط خاصة للروائي المبتدئ حتى يتجنب أي مشاكل قد تحدث له أثناء الكتابة، ومن يرى أن المخطط ليس مهما فلا بأس بالكتابة بدونه. أما كيفية كتابة مخطط لرواية أو تعلم كتابته، فابدأ بعمل مخطط لرواية قرأتها كما أوضح هذا الأمر في الفصل الثالث من الكتاب، ثم ابدأ بعدها بكتابة مخططك الخاص  بالشخصيات والأحداث وخط سير الرواية العام. أما الفصل السابع اكتب ما تعرف وما لا تعرف، فهو مرتبط بالفصل الرابع وابتكار الحبكة الروائية، والكتابة في المجالات التي لك فيها معرفة ويُمكن أن تجيد الكتابة فيها، والمواضيع التي لا تملك المعرفة فيها، فعليك بدراستها والبحث فيها، لكن لا أن تجعل البحث يُخرجك من مسار الرواية تجاه مسار آخر يُبعدك عنها، ولا يعني أن تكون خبيرا في المجال، فبعض المعلومات التي تؤدي الدور المناط بها يكفي، فمهمة المعلومة الصحيحة جعل الرواية تبدو حقيقية لا أن تكون حقيقية كما يُشير لورانس. وتختلف طرق البحث عن المعلومات المهمة لإكمال بناء الجسد الروائي سواء من خلال البحث الأكاديمي أو المكتبي الشخصي أو حتى الميداني، وبغض النظر عن الطريقة، فتبقى مهمة الروائي أن يجعل عمله بعيدا وآمنا من الأخطاء الساذجة التي تفتح عليه نيران الانتقاد من الجميع، وهو نصيحة للروائيين أن يجتهدوا ويحترموا عقول القُرّاء حين يتناولون مواضيع وأماكن تنتمي للواقع، بالبحث الدقيق والمعلومات الصحيحة.

الفصل الثامن، البداية في الرواية، وفيه يركز على بداية الرواية وفصلها الأول وأهميته في جذب القارئ، وكما ينقل القول عن أهمية وتأثير الفصل الأول: “الفصل الأول يبيع الرواية والفصل الأخير يبيع الرواية التالية”. وفيه تشديد على أهمية جعل القارئ ينشد لفصلك الأول، ولأجل هذه يقول هذه النصيحة لمعشر الروائيين الجدد: “ابدأ حيث لا تكون البداية”. ويعني أن تجعل الفصل الأول من الرواية هو حدث موقعه الحقيقي الفصل الثاني أو الثالث أو إلخ، وهذا ما يعني إعطاء نتيجة ثم العودة بالسرد لتوضيح الأسباب، قد تكون هذه النصيحة مجدية في روايات وغير مجدية في أخرى، فهي تعتمد على نوع الحدث وأسلوب الروائية ومحتوى الرواية، لكن ما يمكم استخلاصه هو عملية عقد صفقة مع القارئ منذ الفصل الأول بأن هذا العمل يستحق القراءة ويجب الاستمرار بقراءته. أما الفصل التاسع ألا وهو كتابة الرواية، عبارة عن تجارب شخصية للروانس بلوك، وطقوسه في الكتابة، وأوقات الكتابة وكم يكتب، وأين يكتب، وتفاصيل من سيرة حياته، إضافة إلى حديث عن صعوبة كتابة الرواية، مؤكدا على أهمية الانتظام في الكتابة، والالتزام بمقدار معين من الصفحات أو الكلمات قدر المستطاع، والمراجعة المستمرة لما يكتب حتى تكون السيطرة على علمه الروائي أسهل وأكثر رصانة مع التصحيح المستمر. الفصل العاشر، وهو عن المشاكل والعقبات التي يواجهها كاتب الرواية أثناء كتابة الرواية، والوسائل الممكنة التي من خلالها يستطيع تفادي وتجاوزها، ناقلا لورانس تجاربه الشخصية وما يقوم به من أجل عدم الوقوف طويلا أمام هذه العقبات والتي يسميها العقبات التافهة، والتي لا يتوقع الكاتب حين يخطط لكتابة الرواية أو أثناء كتابتها أن يقع فيها، كأن يترك الكتابة عند نقطة ما ويعود ليستأنف الكتابة ليجد صعوبة في استعادة شريط الأفكار، وهنا ينصح بالتوقف عند نهاية كل فصل أو مشهد في الرواية، أو في الأقل عند نهاية جملة معينة، حيث يكون الانتقال إلى الجملة التالية غير متعلق بها. أما الروائيون المبتدئون فإن ما يشدد عليه هو عدم ترك الرواية الاولى دون إتمام، فهي تجربة للتعلم منها وتلافي الأخطاء التي يقع بها الكاتب سواء في حالة نجاحها أو فشلها، أما تركها دون إتمام فهو يعني عدم القدرة على إتمام الثانية، فعليك إتمام كتابتها والاستمرار حتى نهايتها مهما كانت النتائج. 

الفصل الحادي عشر: الأسلوب، ما يميز كثير روايات هو أسلوبها الشائق والسلس وهو ما يعطي للكاتب مزيّات عن غيره ويقسم هذت الفصل لعدة أقسام هي: النحو واللغة والاستعمال، الحوار، مقابلة الزمن الماضي بالحاضر، ضمير المتكلم وضمير الغائب، وجهة النظر الواحدة مقابل وجهات النظر المتعددة، الانتقالات. 

– النحو واللغة والاستعمال: ملاحظاته حول هذه الخاصية، لها علاقة بلغة كتابته الإنجليزية، واستخدامه للغة التي فيها مزج ما بين الفصحى ولغة العامة، وكما يعلق متهكما عن عدم جعل شخصياته تتكلم بلغة معلم اللغة الإنجليزية، لكن لا يعني بذات الوقت استخدام أسلوب العامة أثناء الحديث الذي يكون مقتضبا أو موجزا ولا يصلح أن يكون لغة أدبية مستخدمة. ويمكن نقل ملاحظته حول جعل لغة الرواية أكثر حيوية وقربا من واقع القارئ وحياة الشخصيات خاصة إن كُنَّ ينتمين لنفس البيئة، واستخدام المفردات والأسلوب ما يناسب الشخصيات وخلفياتهم الثقافية التي يخصهم بها الكاتب، واستخدام لغة هي وسيطة وقريبة لذائقة القرّاء وجوهم العام دون التحذلق اللغوي التي يخرج لغة الرواية من الحيوية والمرونة والطبيعية إلى التكلف والتصنع اللغوي. 

– الحوار: من أهم مقومات الأسلوب والرواية وفيه يستطيع القارئ التعرف على الشخصيات وتوجهاتها بصورة أكبر، ويستخدمه الكاتب للتحرر من السرد أحوال وأفكار وجهة النظر -الشخصية الرئيسة-، والاعتماد على الحوار لكوسيلة يجنب نفسه فيها العرض المباشر والصريح لما يريد أن يوصله للقارئ عبر الشخصيات. ويستخدم مصطلح “الأذن الواعية للحوار” كميزان للإحساس بإيقاعات النثر ويقصد بها قدرة الإنسان على الاستماع لما هو مميز في الحديث. 

– مقابلة الزمن الماضي بالحاضر: وهو عن أفضلية الكتابة بالزمن الماضي الذي تُكتب فيه أغلبية الروايات أم الزمن الحاضر، ويتحدث في هذا القسم بصورة مركزة عن ما سماه بالزمن المضارع التاريخي، وهو الكتابة عن الزمن الماضي بصيغة الحاضر، وهي ما يقف ضدها، ويتحاشى قراءة الروايات من هذا النوع. 

– ضمير المتكلم وضمير الغائب: أيما أفضل الكتابة بضمير المتكلم أم ضمير الغائب، بالنسبة للروائي المبتدئ يفضل الكتابة بضمير الغائب وهي النصيحة التقليدية، لكنه يفضل القراءة لروائيين غير مشهورين روايات بضمير المتكلم كونها أكثر طبيعية وانسيابية. تبقى الكتابة بضمير المتكلم أو ضمير الغائب راجعة للكاتب وإمكانياته ومعرفته بإيجابيات وسلبيات كل ضمير كتابة، ويختلف رأي الروائيين من واحد لآخر كلٌّ حسب خبرته وتجربته الشخصية. 

– وجهة النظر الواحدة مقابل وجهة النظر المتعددة: هذا العنصر في عرض الرواية وهو كالكاميرا التي تُسلط على شخصية أو عدة شخصيات والتي من خلالها يتم عرض الأحداث وأفكار وبيئة الرواية العامة، وهي الأخرى لكل منها إيجابيات وسلبيات، وما هو متفق عليه كلما زادت وجهات النظر زادت المشاكل التي تواجه الكاتب في السيطرة على خيوط حبكة روايته وزاد تشتيت القارئ ومحاولته فهم الرواية من خلال متابعة وجهات النظر الكثيرة. لذلك تبقى النصيحة هو تقليل وجهات النظر في الرواية، ويعتمد الأمر أيضا على معرفة المؤلف بالنقاط الإيجابية والسلبية لكل من وجهات النظر الواحدة والمتعددة، واختيار المسار الذي يأمن عواقبه. 

وهنا شرح أكثر عن ضمائر السرد في الرواية ووجهات النظر: 

– الانتقالات: الانتقالات بين مشهد وآخر وفصل وآخر، لا يقل أهمية عن العناصر الأخرى، خاصة في تحديد مدى إنسيايبة وحيوية الرواية في كونها جسدا روائيا واحدا متماسكا، دون أن يكون التقطيع بين مشهد وآخر مفككا للرواية وأحداثها، وما ينصح به لورانس هو ترك فراغ بعد نهاية كل حدث والكتابة عن الحدث التالي، وترك الحدث يسير بصورة تلقائية دون تدخل أو محاولة لإعطاء التفسيرات والشروح عما دار في المدة الزمنية بين حدث وآخر ما لم يكن ما حدث في هذه الفترة الزمنية له علاقة بما سيحدث لاحقا.

الفصل الثاني عشر: وهو الفصل الخاص بطول الرواية، وما الطول المناسب، وما العلاقة بين طول الرواية والجانب التجاري والتسويقي للرواية؟ 

طول الرواية المتوسط والذي يكون محببا للقراء وكذلك له تسهيل تجاري وتوسيقي تتراوح به عدد كلمات الرواية ما بين ال(٦٥ -٧٠) ألف كلمة، وعدد الصفحات يكون ما بين ألـ (٢٠٠ -٢٥٠) صفحة، لكن يبقى طول الرواية يعتمد على طبيعة نمو الرواية وأحداثها وهل هي رواية فئوية أو إنها كُتبت بطلب من الناشر، كما أنه لا يجد حدود معينة تفرض نفسها على الكاتب، لكن الرواية الأولى للروائي قد تتعرض للتشذيب زيادة أو نقصانا، وهذا الذي يجب أن يُدركه الروائي، وإن الزيادة بعدد صفحات الرواية نظرا زيادة حجم مادة  الرواية، قد يعني صعوبة نشرها أو الترويج لها، مما يعني قلة احتمالية وصولها لمكتبات الكتب. وما يجدر الإشارة له، يذكر لورانس أن عملية زيادة حجم الرواية يتنامى مع تنامي خبرة الروائي وقدراته الفنية والأدبية في الكتابة. في كل الأحوال يبقى الطول المثالي للرواية غير متفق عليه أو معروف فهناك روايات قصيرة حازت ونالت الإعجاب والشهرة كرواية الشيخ والبحر لهيمنغواي، وهناك روايات طويلة نالت الإعجاب والشهرة كرواية الجبل السحري لتوماس مان. 

الفصل الثالث عشر: يتحدث فيه لورانس عن آخر خطوات كتابة الرواية، ألا وهي إعادة الصياغة، والروائيون على مذاهب شتى في هذه الخطوة، فمنهم من يعيد الصياغة عند كل فصل، ومنهم من يعيد الصياغة بعد كل صفحة، ومن يعيد الصياغة  على المسودات التي يصل عددها لثلاث أو أربع مسودات. لورانس لا يعطي أسلوبا معينا للتعامل في هذه الخطوة، كون الروائي الذي يكتب عمله هو أدرى به، لكن ما ينصح به أن يُعطي الروائية النسخة النهائية لقارئ يثق به وبرأيه من أجل التنويه والملاحظات التي يعمل على إعادة الصياغة إن رأى صواب رأي من طلب منه القراءة. وتكمن مشكلة إعادة الصياغة عند النشر، فبعض الناشرين يطلبون إعادة الصياغة لبعض محتويات الرواية وهذا الذي قد لا يوافق عليه الروائي مما يعرض روايته لعدم النشر وهو الذي يطمح أن تُنشر روايته وتصل أسواق الكتب واسمه مكتوب فوقها، ولا يعني بالمرة أن في حالة رفض ناشر معين نشر الرواية بصيغتها النهائية دون تغيير- عدم نشرها إطلاقا. لكن هذا قد يقلل من فرص نشرها، لذلك قد تضطر لإعادة الصياغة أحيانا خاصة إن كانت روايتك الأولى وكذلك حاول البحث عن ناشر غير مولع بالتغييرات. 

الفصلان الختاميان: هما النشر وكتابة رواية ثانية، إن عملية النشر التي هي المرحلة التي يتحول فيها العمل الأدبي من شخصي خاص بالكاتب إلى عمل عام يخص القراء، ويفتح المجال للنقد والتمحيص والدراسة بعد القراءة، وفقا لقيمته الأدبية وفنية. يقول لورانس إن عملية إنهاء الرواية هي أهم خطوة حتى وإن لم تُنشر وأُهنئ كل من يُكمل كتابة رواية. إذًا، فالأهمية أن تكتب وتنهي العمل قبل أي طموح أو خطوة أخرى. الناشر والوكيل الأدبي وطرق النشر في هذا الفصل، تخص الكاتب الأمريكي والوسائل الممكنة هناك، وأرى أن قراءة هذا الفصل هي الأفضل، كونه يحتوي على ملاحظات تُساعد من يُفكر بالنشر، وهي خطوات وملاحظات لا تستدعي التلخيص بل القراءة كاملة. وإني لأنتظر كاتب عربي يدلو بدوله ويكتب بصورة مفصلة عن عملية النشر في الوطن العربي خاصة بعد أن شابها الكثير من الجدل والاستفهام وتحول الكثير من دور النشر لمؤسسات ربحية تفكر بالمردود المادي فقط، ولا تُعير الجانب الأدبي أهمية تُذكر، بل يصل الأمر لاستغلال الكاتب الجديد على دفع تكاليف النشر كاملة، ويحذر لورانس من هذه الحركة، ويصفها بالفشل على المستويين الأدبي والتجاري. أما الفصل الأخير، فهو يُقسم إلى قسمين الأول: عن التأثيرات النفسية لمرحلة ما بعد كتابة الرواية، والتي يدخل بعض الروائيين بمرحلة اكتئاب تشابه حالة المرأة الحامل* بعد أن تضع مولودها الأول، غير أن الفرق بين الحالتين أن كاتب الرواية لن يجد من يأتي ويزوره ويبارك له مولوده ويحمل له الهدايا ويلاعب مولوده. القسم الآخر من الرواية، وهو إعادة عملية كتابة رواية أخرى، والتي هي  لا تختلف عن مراحل كتابة الرواية الأولى، لكن بكل تأكيد ستزداد خبرة الكاتب ويعرف مواضع الضعف من خلال ما قام به في روايته الأولى. تبقى إشكالية اختيار الموضوع هل يكتب في نفس الموضوع السابق إن كان يكتب رواية فئوية؟  هل يكتب سلسلة روائية، وهنا ينصح لورانظ بأنك في حالة كتابتك لسلسة لبطل تدور السلسلة حوله فعليك أن تكتب أعمالا قائمة بذاتها وليست متواصلة، ولا تظن أن القارئ قد قرأ أعمالك السابقة أو أنه مهتم بقراءتها. وللكاتب الحرية في اختيار الموضوع الذي يراه  مناسبا في كتابة روايته الجديدة فهو أعرف من غيره بذاته.

___________________

*للروائية التركية إليف شافاق بعنوان حليب أسود تتحدث فيها عن موضوع الأمومة ومرحلة ما بعد الإنجاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى