النقد الأدبي

تاريخ النقد الأدبي الحديث – رينيه ويليك

حركة النقد الأدبي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر

تاريخ النقد الأدبي الحديث من الكتب الموسوعية التي رصدتْ تطور النقد الأدبي منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر وإلى نهاية النصف الأول من القرن العشرين. يتوزع هذا التاريخ في ثمانية أجزاء كتبها التشيكي-الأمريكي رينيه ويليك في نصف قرن تقريبا وبقي يعمل عليه حتى قبيل وفاته بثلاث سنوات عام 1995. 

يتناول ويليك في الجزء الأول أو بالأحرى الكتاب الأول من هذه الموسوعة النقدية -نظرا لاستقلال مادة كل كتاب عن لاحقه وما التشابه إلا في مادة ك كتاب وكونه مكملا لمادة الكتاب السابق زمنيا- بدايات النقد الأدبي الأوروبي (الفرنسي والإنجليزي والإيطالي والألماني)، والكتاب يؤرخ بدايات النقد في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وهي مرحلة مهمة من التاريخ الفكري الأوروبي. إن حصر النقد الأدبي الحديث في القارة العجوز فيه من الحيف الكثير بحق آداب الأمم الأخرى، حتى وإن لم يكن لبقية الأمم القواعد القوية والراسخة في الانطلاق نحو مشروع نقدي قويم يعد البداية لها، ولا تخلو أمة من الأمم من آداب خاصة بها ونقد لهذه الآداب وإن لم تتضح ملامحه، فعنوان “تاريخ النقد الأدبي الحديث” يعني بالضرورة إلى أن يكون الأدب هنا عالميا والنقد عالميا، لكنه يحصر في دولٍ معدودة، هذا وإن كان في أرض الواقع أمرٌ ملموسٌ ولا غبار عليه لكن من الأولى التعامل بشكل أكثر ذكاءً مع الكلمات، فالقارئ يجد أن المحتوى حين يتكلم عن الحركة الكلاسيكية الجديدة في أوروبا وعصر التنوير، وهي من المراحل المهمة في تاريخ الفكر الأوروبي ولها تأثيراتها العالمية، يرى إقصاء كل ما هو غير أوروبي، هذا الإقصاء النابع من الذاتية الفوقية الأوروبية والتمركز الغربي في كونه القائد للعالم الحديث. وقد يسأل سائل أين النقد الأدبي للأمم الأخرى؟ وما دورها من معادلة التغيير العالمية؟ وهي أسئلة حقة ومشروعة وقد لا نجد لها أجوبة مقنعة لكن انعدامها أو عدم تبلورها في رؤية أو منهج نقدي لا يلغي وجودها ولا يحل النقد الأوروبي بديلا عنها، ففي النهاية النقد الأوروبي يتناول الأدب الأوروبي المعاصر والأدب الإغريقي القديم والآداب المكتوبة باللاتينية، اللغة التي كانت لغة الآداب حتى استخدمت اللغات الشعبية والمحلية وإن بشكل خجول في القرن الخامس عشر وبشكل تصاعدي في القرون اللاحقة حتى اضمحلت اللغة اللاتينية وانزاحت من دورها لغة للأدب، ودخلت اللغات المشتقة منها كالفرنسية والإنجليزية والألمانية في خط المنافسة حتى حلّت محلها في القرنين “الثامن والتاسع” عشر. والنقطة الثانية التي تحدد النقد الأدبي في القارة العجوز هو كونه نقد محدد بحدود جغرافية القارة العجوز التي تتشابه الأقوام فيها فكريا وعقائديا واجتماعيا وسياسيا، فنرى أن العصر الحديث ورحلات الاستكشاف للعالم الجديد، والتطور الفكري والحضاري والأدبي والثقافي كان مقره القارة العجوز، ولم يتعدَ إلى مناطق خارج القارة العجوز. كل هذا يوحي برؤية مفادها أن الآداب الحديثة وما تجره من نقد فتأريخ للنقد هو خاص بالأوروبيين، وبقية الأمم خارج معادلة التأثير، لذا كان لزاما أن يكون العنوان تأريخ النقد الأدبي الأوروبي الحديث. ونلاحظ حتى عند الخروج من القارة العجوز في الكتب اللاحقة من الموسوعة يشمل النقد الأمريكي والنقد الروسي، لم يكن خروجا إلى مناطق ذات آداب ورؤى وأفكار مختلفة عن الفكر الأوروبي بل إلى مناطق ذات ثقافة وفكر تعد امتدادا لأوروبا كأمريكا وروسيا فكرا وثقافة وتأثيرا. لذا فإن أول ملاحظة على القارئ أن يسترعي لها انتباهه إن ما يقرأه يخص الآداب الأوروبية وما دار في فلكها حصرا، ففي الكتب الأخيرة من الموسوعة تنحصر المدة الزمنية ما بين 1900-1950، وهنا أضحى يقينا أن بعض كتب الموسوعة تخص نقد بلدٍ معين دون آخر وفقد صفة الكلية والعالمية. 

نعود إلى مادة الكتاب، فهي ليست دراسة للمناهج النقدية في أوروبا بل عملية تأريخ لهذا المناهج وعرضها ودراسة أعلامها ومناهجهم النقدية بل ولنكن أكثر دقة فإن الكتاب الأول والثاني الخاص بالحركة الرومانسية ليسا تأريخا للنقد الأدبي الأوروبي لكنه دراسة وتأريخ لأبرز النقاد والأدباء الذين اشتغلوا في النقد أو كانت له رؤاهم النقدية ونرى هذا واضحا وجليا في الموسوعة. ويكون الأولى عنونة الموسوعة بـأعلام النقد الأدبي الحديث، وهو عنوان أقرب لمادة الكتاب ومحتواه. يبتدئ ويليك موسوعته مع النصف الثاني من القرن السابع عشر وهو الزمن  المتمثل في عصر التنوير والحركة العقلانية الأوروبية التي كان لها الدور الكبير في تشييء القارة العجوز سياسيا وفكريا وأدبيا وثقافيا واجتماعية، وكان من أبرز ما تأتى عنها الثورة الفرنسية في عام 1789، والتي يعد روسو وفولتير من أهم المنظرين لهذه الثورة وإن لم يشهدوها إلا أن إنتاجهم الأدبي والفكري والفلسفي الذي سبقها كان له الدور في تهيئة المجتمع لها وهذا ما حصل. لكن الكتاب لا يتناول هذا العصر إلا من الجانب الأدبي حصرا وعقلانية هذه المرحلة والحركة الكلاسيكية الجديدة التي انبثقت فيها. ويعلق ويليك على مصطلح عقلاني فيقول: إن مصطلح “العقلاني” مضلل إذا ما جرى تفسيره على أنه يعني أن النقد الكلاسيكي الجديد يتصور النقد على أنه بناء من العقل الواعي إلى حد استبعاد الشعور والتخيل، بل وحتى اللا شعور. إن نظرية الأدب هي موضوع العقل الواعي، لكن ما من ناقد محترم يقول إن الإبداع الفني نفسه ليس سوى سيرورة عقلانية مدركة. ليفصل بعدها في معنى عقلانية هذه المرحلة وتأثيرها المحوري في النظرية الكلاسيكية الجديدة في الأدب، وهنا لا بد أن نفهم أن الكلاسيكية المقصودة هي الكلاسيكية الإغريقية بكل أعلامها والتي تعد المعيار المثالي والمرجع التي عاد إليه أعلام الفكر الأوروبي منذ عصر النهضة في القرن الثالث عشر على أيدي أدباء الإيطاليين مثل دانتي وبوكاشيو ثم الفرنسيين كرابليه ومونتين وتاسو والإسبان في عصرهم الذهبي كلوبي دي فيجا وسرفانتس، ليأتي بعدها أعلام عصر التنوير ولا سيما الفرنسيين والإنجليز لإكمال مسيرة تطور الفكر الأوروبي مع النظرية الكلاسيكية الجديدة في الشعر والمسرحية وما تفرع عنهما من أنواع مختلفة كالملهاة والمأساة والشعر الرعوي والملحمي والغنائي والوجداني والفطري، وهنا يتضح لنا تحدد هذه النظرية الكلاسيكية الجديدة في جنسين أدبيين بشكل مبرّز وهما الأقدم: الشعر والمسرحية، والرواية مبعدة عن النقد إلا ما ذكر بشكل عرضي وطفيف، ويوضح ويليك سمات هذه النظرية: 

– محاكاة الطبيعة، والمحاكاة هنا لا تعني النسخ ولا النزعة الطبيعية الفوتوغرافية بل في التمثيل. وإن ما يطرحه الشاعر عبر هذا المصطلح هو ليس الطبيعة نفسها بل قصده أن يمثلها. ومصطلح الطبيعة لا يعني “الطبيعة الميتة” (الطبيعة الصامتة أو منظر خارجي) على نحو ما يستخدم كثيرا اليوم بل المقصود به الطبيعة الإنسانية. ويضيف حول المقصود بالطبيعة في النظرية الكلاسيكية الجديدة: “إن المصطلح يعني أشياء مختلفة جدا بالنسبة لمختلف الناس. فمحاكاة الطبيعة كثيرا ما فهمت على أنها تعني الواقعية…”. لكنه يخالف هذا ويقول: إن التفسير لـ”محاكاة الطبيعة على أنها نزعة طبيعية أو نسخ لم يكن سوى تيار واحد من النقد الكلاسيكي الجديد”. 

– تجاوزت النظرة القاصرة التي اعتقدت أن الفن مجرة عبارة عقلية عن القواعد الأخلاقية، وقد فهم النقاد -في أحسن الأحوال وأسوأها- أن الأدب هو جزء من السياسة بالمعنى والواسع للكلمة، وأن الشاعر شاء أم أبى هو مشكل وصائغ النفوس الإنسانية. 

– إن أهم ما جاءت به النظرية الكلاسيكية الجديدة هو في تحول الاهتمام النقدي إلى رد فعل الجمهور، مما أفضى إلى تحلل الكلاسيكية الجديدة إلى النزعة الانفعالية والنزعة العاطفية. 

**

أما فيما يخص التاريخ الأدبي الناجح، فإن ويليك يعد أن بدايته في القرن التاسع مع بيوترفك (فيلسوف وناقد ألماني) والأخوين شليجل وفلمين وسيسموندي (مؤرخ واقتصادي سويسري)، لكن الإعداد لهذا التاريخ الأدبي الناجح سبقه إعداد في القرنين السابع عشر والثامن عشر (وهو ما خصه ويليك بالدراسة في هذا الكتاب)، ويؤكد ويليك أن التاريخ الأدبي كان قاصرا على الأدب القومي، لأن أحد دوافعه هو النزعة القومية (التي علا شأنها ولا سيما في نهاية التاسع عشر وكانت السبب الرئيس في الصراع السياسي الذي انتهى بالحرب العالمية الأولى) ولكن كان هناك وعي متزايد بالآداب وأوجه النشاط الأدبية للأمم الأخرى. تنقسم دراسة هذا الكتاب للنقد في أربع جهات أدبية هي الفرنسية متمثلة في فولتير وديدرو وآخرين، والإنجليزية متمثلة في دكتور جونسون وآخرين، والإيطالية التي يتناولها بالعموم، والإنجليزية، والألمانية موزعة في لسّنج، وحركة “العاصفة والاجتياح” التي تعد من الحركات المضادة لعصر العقلنة وكان جوته وهردر من أبرز روادها، والفيلسوف كانت وشيلر الذي جمعته صداقة مع غوته. إذًا، فالكتاب يتناول بالتفصيل هؤلاء وما كتبوه من مقالات وكتب وآراء ودراسات نقدية عن أعمال سواء معاصرة أو سابقة لهم، منطلقين من الآداب الإغريقية القديمة وأشهر الشعراء والمسرحيين. يعطي الكتاب تفاصيل في قالب أكاديمي متخصص يمنحه الضبط والإتقان والجفاف، لكنه مهم لكل دارس ومهتم بالنقد الأدبي. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى