كتب

فلسفة الموت

د. أمل مبروك

 “إن من يفهم أن الناس يموتون يفهم فكرة العيش” و “من يتعلم الموت ينسى العبودية… إن الموت المخلص يحررنا من القيود كافة ومن العبودية” و”إننا نعكر صفو الحياة بخشيتنا من الموت ونعكر الموت بانشغالنا بالحياة” ميشيل دي مونتين. 

ما زال سؤال الموت وسيبقى السؤال الذي يؤرق البشرية ولن يكلوا ما دام فيهم عرق ينبض في محاولة معرفة جوابه وأسراره وهزيمته والتشبث بالحياة أطول وقت ممكن والخلود، لكن أنّى لهم كل هذا. وقد دفعهم تشبثهم بالحياة أن يطيلوا عمر الإنسان فبعد أن كانت الأمراض تفتك ببني البشر وتخطفهم مقبلين عن الحياة أو مدبرين صغارا وكبارا، جاء العلم وتطور فهزم كثير الأمراض التي شكلّت الخطر الأكبر على حياته ولا سيما الطاعون الذي سلب أرواح الملايين على مدى القرون الخالية، وكان هذا الانتصار الأول على أحد أسباب الموت العاجلة والطارئة والسابقة لأوانها المدخل الذي ولج منه إنسان العصور الحديثة والمعاصرة في سباق هزيمة الموت بكل الوسائل الممكنة ليشكل له الموت هاجسا أكبر مما مضى فهزيمته اليوم تعني خلودا وفرض إرادة المرء على الحياة والكون والوجود والطبيعة وسنة الخالق في الكون ليلامس المحال في هذا ويرد خائبا في طموحاته وليصبح الموت أشد وقعا وأكثر رعبا فيقول يوفال نوح هراري ” ليس من السهل أن نعيش مع علمنا أننا سنموت لكن الأكثر صعوبة هو أن نموت ونحن نسعى نحو الخلود”. هذا السعي المحموم نحو الخلود لم تخلُ منه أمة من الأمم ولا توجد أمة لم تسعَ إليه، ولا دين أو ثقافة أو فكر لم يتطرق إليه. ولطالما رافق الخلودُ الموتَ، وسحقت صخرة الموت نبتة الخلود وبددت أحلام الفانين، فمن كلكامش إلى يومنا هذا، والموت والحياة ومعناها والخلود ومن أين جئنا وإلى أين سنمضي وما، وغيرها الكثير من المواضيع التي تدور في فلك الخلق والفناء باقية دون إجابة، فلا الأساطير والأديان ولا الفلاسفة ولا أي إنسان مشى يوما فوق الأرض منح جوابا شافيا أو قدّم تفسيرا مقنعا، لذا فإننا ماضون نحو الإجابة تلك التي تصارعت من أجلها الأفكار وتنهاشت حولها المعتقدات فسؤال الموت مرتبط بسؤال الحياة والآخران مرتبطان بسؤال الكون والوجود، وكل شيء يقودنا إلى سؤال الإله! فبوابة الموت الهائلة هي الحد الفاصل بين عالم الإنسان الفاني ذي المعرفة القاصرة والجهل و”عالم الإله الخالد ذي المعرفة الكاملة والعلم”، أو بالنسبة إلى آخرين و”عالم الغيب ونبع الحقيقة التي تتوق إليها النفوس”. غالبا ما رأيتُ الموت تجربة لا بد من خوضها، بل أحيانا أنجذب إليها كونه بوابة إلى عالم فريد من نوعه، حيث الخلود واللا موت، ويستمر المرء منا يحاول فهم الموت وتفسيره وفقا لما وصل إليه من علم وإدراك وتخيّله والكتابة عنه، وكتاب فلسفة الموت أحد هذه المحاولات التي تقدم فيها كاتبته محاولة في لملمة أطراف الحديث عن الموت عند السابقين واللاحقين في “دراسة تحليلية” مقسمّة كتابها إلى خمسة فصول ما بين أسطورة الموت تتحدث فيه عن مفهوم الموت والبعث عند المصريين القدماء وسكّان وادي الرافدين والإغريق، وفصول ثلاثة لاحقة في “الوعي بالموت والخوف منه والوجود نحوه” وفصل خامس أخير عن سيكولوجية الموت. 

حين اطلّعت على قائمة المصادر والمراجع في نهاية الكتاب والتي شارفت المئتين ما بين مصادر عربية وأجنبية، تشوّقت إلى الكتاب وحسبت نفسي سأحظى بوجبة دسمة تكشف الكثير مما يخص مسألة الموت، اللغز الذي لا يحل في هذه الحياة، لأفاجأ أن الفصول الثلاثة الوسطى، والتي تمثّل عماد الكتاب وقوامه، ليست بالمستوى المأمول، وما هي إلا إعادة طرح لما كتبه الفلاسفة والمفكرون وبعض العلماء والزهّاد والصوفية، مع اقتباسات لا تُعد شكلّت بنية النص وبل وكان لها اليد الطولى فيه، وما قامت به الكاتبة هو عملية ترتيب وجمع فغاب صوتها بين أصوات السابقين وذاب قولها في أقوالهم، فبدت ظلا باهتا معدوم الكيان، وأجد نفسي في بعض المواضيع بحضرة فوضى مُربكة وخيوط متعددة لا يجمع بينها سوى موضوع الموت، وأتساءل هل وظيفة الكاتب الذي يتصدّر الكتابة في هذه المواضيع ولا سيما أنه كتب “دراسة تحليلية” أن يعيد تدوير ما قيل ويعلّق عليه أو أنه يقرأ ما قيل ويهضمه ويشرّحه ويأخذ ما يتوافق مع رؤيته وفكره ويطرح ما يخالفهما، ثم يمزج ما يخرج به من دراساته وقراءاته ويعيد صبّها في قالبه الشخصي موضحًا رؤيته الخاصة لا أن يكون شاشة عرض لما كتبه السابقون. وكان الارتقاء التدريجي في مواضيع الكتاب ارتقاءً عشوائيًا غير منسق ولا مترابط ترابطا يمنح القارئ فكرا متماسكا ورؤية رصينة تتناسب مع “الدراسة التحليلية”، وإذا ما استثنيت العرض التاريخي لموضوع الموت والدراسة السيكولوجية في الفصل الأخير، فإن المحتوى مخيّب للآمال وسينتفع القارئ باقتباسات المفكرين والفلاسفة حول الموت لا غير هذا. وإن كان لا بد من إعادة طرح وجمع وربط وتوضيح ما كتبه السابقون عن الموت لكان من الأولى أن يكون دراسة آراء الفلاسفة في الموت، أو تقسيم موضوع الموت حسب المذاهب الفلسفية والمعتقدات الدينية، فأن نقرأ عن الموت عند كبار الفلاسفة من سقراط وحتى جهابذة القرون المتأخرة، وأن يقابل الموت ما بين مفهومه في المعتقدات البشرية ومفهومه في المعتقدات السماوية، ومحاولة الجمع بين كل هذا في ذات قوالب المواضيع التي اختارتها الكاتبة -أي ما بين وعي الموت والخوف من الموت والوجود نحو الموت- لكانت أكثر توفيقا والقارئ أكثر انتفاعا، فالكتب في الأخير ليست تجميعا للاقتباسات فهذه مهمة لن تصعب على أي قارئ حاذق. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى