
استهلال
قصيدة الغراب واحدة من أشهر القصائد القصصية لإدغار آلان بو، نشرها في كانون الثاني/ يناير سنة 1845. تروي القصيدةُ على لسان شاعرها واقعةً غريبة إذ يسمع ذات ليلة طرقا فيتوهم أنّه آتٍ من الباب، ثم يتبين أنه من الشباك. بعد أن يفتحه يقتحم عليه المكان غراب أسحم ويشرع الشاعر في محاورته أو تخيّل أنه يحاوره. كان دخول الغراب، كاسرا وَحدة الشاعر بعد وفاة محبوبته المدعوة لينور، وموقظا أحزانه حتى حسب أنّه رسول من العالم الآخر، الأسطوريّ والدينيّ. أخذ في لحظة انهيار عصبي وتهدّم السدّ في وجه سيل الذكريات يسائل الغراب بل يطالبه أن يكشف له عن مصير محبوبته. ثم صار الغراب يجسّد عذاباته شاخصة قُبالة ناظريه فيطلب منه في آخر المطاف أن يغادره فلا يستجيب له، ويبقى جاثما في مكانه على تمثال نصفيّ لأثينا، الربة اليونانية الأسطورية. أدرك الشاعر أنه باقٍ في وَحدة موحشة يلفه آساه على فراق لينور، وأنّ هذا الغراب الآتي من “العالم الآخر” لن يذهب بروحه هو الآخر إلى لينور.
يكشف الحوار، وتخيّل الشاعر جواب الغراب عن سؤاله حين استعلم عن اسمه، عن حالٍ دامت طويلة من انقطاعٍ عن الناس واعتزالهم، فكان أن أدخله وصول الغراب في هلوسةٍ واعيةٍ وواقعٍ متخيّل بُني على أحزانه وجواه على لينور.
أضفى أسلوب بو الغنائيّ، وتناغم الأصوات، والجناس الاستهلالي، والقوافي الخارجيّة والداخليّة، على القصيدة، ذات المقاطع سداسية السطور، فضاءً من الضيق والهلوسة والانهيار النفسيّ في بيئة ذات سمة قوطيّة وسوداويّة. تُستفتح القصيدة في مقاطعها الأولى بنغم هادئ، ينعكس في شخصية الشاعر، وتنكشف لنا شخصيته المضطربة والمعتلّة والمحزونة على فقيدتها المحبوبة، ويحال الهدوء إلى هياج واضطراب ويأسٍ من اللحاق بلينور بعد موتها.
لم تكن ترجمة هذه القصيدة بمهمة سهلة، الأمر الذي دفعني إلى كتابة تعليق طويل عليها أُجلي فيه صعوبة ترجمة القصيدة ومحاولتي في محاكاة أسلوب بو بقدر ما تتيحه عربيّتي ومقدرتي في الترجمة ونظم الشعر. ووضعت التعليق بعد ترجمة القصيدة.
رسم الرسّام الفرنسي إدوارد مانيه في سنة 1875 رسومات مستوحاة من القصيدة، نُشرت في طبعة خاصة ثنائية اللغة إنجليزية – فرنسيّة. وحلّيتُ بهذه الرسومات ترجمتي بين يدي القارئ.



