الأخوات برونتي

صيرورة أسطورة برونتي من الحقيقة إلى الخرافة

The Brontë Myth by Lucasta Miller

انجذبتُ إلى الأخوات برونتي منذ أول مرة تعرَّفت عليهن في إحدى المقالات الأدبية التي ترجمتها عن الأخوات، ومع أن المقال ركَّز أساسا على الأختين الكبريين شارلوت وإيميلي، فإن ما جذبتني إليها بقوَّة كانت آن، الأخت الصغرى، وما تعرَّضت له من إقصاء وتهميش على حساب أختيها المُقدَّمتين أدبًا وشهرة، وأنَّ آن ليس سوى ظلٍ لأختيْها. من حسن حظي وقتها أني كنت أتجول في أحد متاجر الكتب ووصلت إلى قسم خاص بكتب السير الذاتية لأقع على سيرة حياة آن برونتي، لوينفريد جيرن -من أشهر من كتب عن آل برونتي-، فاشتريته دون تردد أو حتى تفحُّص وشرعت بقراءته فلم أنهِه حتى ذهبتُ واشتريت روايتيها الوحيدتين، أغنيس غري ونزيلة قصر ويلدفيل وما وجدته من روايات شارلوت. قررت أن أقرأ روايات الأخوات تصاعديًا من الصغرى إلى الكبرى حتى لا يؤثر فيَّ أي حكم سابق على روايتي آن، مع أني لا أستبعد تأثير سيرة وينفريد جيرن العاطفي فيَّ تجاه آن. اكتشفت بعد قراءة روايتيها كاتبةً حسنة الأسلوب جريئة الفكر لا تقل عن أختيها في شيء بل أنَّ روايتها الثانية لا تقل عن رواية جين إير أشهر روايات شارلوت الأربع في حين تتربع رواية إيميلي، مرتفعات وذرينغ، على عرش الصدارة بين إنتاج الأخوات برونتي الأدبي، فهي رواية حصينة وجسورة ومفعمة بقوى لا تُسبر كأنها جزءٌ من شخصٍ إيميلي، التي تصفها شارلوت بأنها ’لم ترَ قطَ ما يوازيها في أي شيء. أقوى من رجل، أبرأ من طفل، متفرِّدة في ذاتها‘. قررت بعدها الغوص أكثر في عالم الأخوات برونتي، حياة الأخوات برونتي، كيف نشأت الأسطورة، التي ما زالت تتكشَّف وتتفتَّح قُبالتي ببطء وعمق، فعدت إلى ذات المتجر السابق واتجهت مباشرة إلى قسم السير الذاتية وبدأت بتكويم كل كتاب يحمل اسمهن في حِجْري وخرجت بسبعة أو ثمانية كتب، وطلبت ما عرفته من مشهور الكتب ولم أجده هناك، وكان من بينها كتابين لوينفريد جيرن، عن حياة شارلوت والآخر سيرة إيميلي، وكتاب “حياة شارلوت برونتي” للروائية البريطانية وصديقة شارلوت، إليزابيث غاكسل. لم يتوقف هذا الهوس بالأخوات برونتي وما زلتُ محمومًا برغبة شراء ما أجده عنهن من كتب، وتعريف القارئ العربي بهن قدرَ الإمكان وما يتيحه الجهد والوقت. وهو ما يدفعني لأسطِّر هذه الكلمات وأكتب بحبٍ عن الأخوات. إنَّ السر في الاهتمام بحياتهن يكمن عندي في محاولة الولوج إلى أسباب تشكُّل هذه الأسطورة الأدبية، ولا أعلم عائلة ضمَّت ثلاث أخوات أدبيات عاصرن بعضًا في بيت واحد، فما هو السرُّ في هذا النبوغ الأدبي؟ جواب يتعذَّر التأكد من إجابة أكيدة عنه لكن محاولة الإجابة تُشرع أمام القارئ أبوابًا كثيرة لا تُحصى. ولا أجانب الصواب لو قلتُ أن قراءة ودرس حياة الأخوات برونتي لا يقل متعة عن قراءة أدبهن بل ولن يُفهم أدبهن تماما من دون الاطلاع ولو يسيرًا على حياتهن وما واجهنه من يُتْمٍ مبكر فعشن حياة بلا أم -يلاحظ القارئ غياب الأم في رواياتهن أو وجودها الهامشي في روايتين فقط من أصل سبع- ووالدٍ عملَ خوريًا طوال حياته وعُرف بالشدَّة والصلابة لكن بقلبٍ طيّب وسلوك صارم وأسلوب حياة رواقيّ، وانعزال في قرية هاورث عن عالم المدينة والحضر، وتعليم تنوَّع ما بين مدرسيّ وذاتيّ، وغلب التعليم الذاتيّ عليه، تقول إليزابيث جاي في تقديمها لكتاب غاسكيل ’قامت أسطورة شارلوت على عنصريين جذَّابين الأول هو الجهود غير المنقطعة في التعليم الذاتي، وطبيعة العبقرية الاستثنائية المتعذِّر كبحها‘، ويمكننا كذلك معرفة دور شارلوت في تعليم أختيها الصُغريين بما تعرفه وتعلَّمته لا سيما بعد عودتها من مدرسة الآنسة وولر في سنة 1832 أو ما تذكره في رسالة إلى أختيها تنصحهما بأن يقرأوا في الشعر لكومبيل، وساوثي، وسكوت، وثومسون، وغولدسميث، وكذلك شيكسبير،  وميلتون، وبوب، وبايرون. وتحثهما على قراءات مسرحيات شيكسبير الهزلية و”دون جوان” لبايرون. ولا تنتهي أهمية القراءة عن حياتهن في هذه الأسباب بل لا بد من التعريج أيضًا على وظيفة التعليم التي عملت فيها شارلوت وإيميلي فكانت سببًا لانعطافة مهمة في حياة شارلوت والمربيّة Governess التي عملت فيها شارلوت وآن وهي الوظيفة المؤثرة في أدبهن وحياتهن بل وحياة أخيهن برانويل ونهايته المأساوية. كانت وظيفة المربية شائعة لدى الشابات في إنجلترا الفيكتورية وظروفها القاسية، فتعمل المربية بأجور زهيدة في تعليم الأطفال ساعات طويلة بمنزلة أعلى من الخادم وأقل من فرد في العائلة. وهكذا تكون متذبذبة القدر والمكانة والتعامل معها. اضطرَّت الأخوات برونتي على العمل فيها وتظهر تفاصيل هذه المهنة في رواية أغنيس غري لآن، وكانت بيانَ دفاعٍ عن المربيات كونهن بشرًا وسلَّطت الضوء على معاناتهن من معاملة سيئة وامتهان مُذلٍ. وتكتب السيدة أمبيرلي (واحدة من أوائل النسويات الإنجليزيات المطالبات بحق الاقتراع والمدافعة عن حق التحكم بحبل المرأة) في يومياتها: “أقرأ أغنيس غري، وعلى كل عائلة تملك مربية أن تقرأها، وسأقرأها مجددا إذا حظيت بمربية لتذكرني أن أكونَ إنسانًا”، وتشتكي شارلوت في رسائلها من هذه المهنة فتقول في إحداها لإيميلي: “مربية خاصة ليس لها كيان، ولا تُعدُّ كائنا ذات وجود عقلي وحياتي إلا فيما يتعلق بواجبات متعبة عليها أن تنفذها”.  أما إيميلي فلم تعمل في هذه المهنة حتى إنها لم تكمل دراستها واستبدل مقعدها الدراسي بآن لذلك نرى غيابا تاما لهذه المهنة في روايتها الوحيدة مرتفعات وذرينغ. أثرت هذه الوظيفة في المنظور السردي لدى شارلوت أكثر من آن فنجد أن الساردة الداخلية سواء في جين إير أو فيليت، تسرد كأنها موجودة وغير مرئية، وهنا تمتزج الآلية السردية بقدر الوظيفة فاختفاء السارد رغم وجوده يعكس اختفاء المربية الإنسانة في حياة الأسرة التي تعمل لديها. ويكمن الفرق بين شارلوت وآن في تركيز شارلوت في روايتها على المحيط انطلاقا من الخارج إلى الداخل، في حين ركزت آن في روايتها على الذات فكان الانطلاق من الداخل إلى الخارج.

إنَّ حياة الأخوات برونتي متاهة يحلو الضياع فيها، ورغم أنَّ متاهة غير معقَّدة المسالك ظاهريًا فإنك تلتمس خطوة إثر خطوة بأنَّ ما يظهر لك عكس الحقيقة، وكيف يمكن الوصول إلى هذه الحقيقة، ففهمها هي فهم الذوات والرابطة الأسرية التي جمعتهن لكنه جمع مفصول بحفظ ممكلة كل واحدة على حدة دون خلط أو عزل.

لم تتوقف حياة الأخوات برونتي بوفاتهن في حيواتهن القصيرة إذ انتقلت هذه الحياة إلى العالم الأدبي، وشيئًا فشيئًا تشكَّلت صدَّفة كبيرة حول الأخوات ضمَّت كتبًا ودراسات وبحوثا وقصصا وروايات لينتهي بها المطاف أسطورةً أدبيةً. ولهذه النهاية جانب مظلم يكمن في كون كل ما يتعلَّق بالأخوات برونتي قد يطاله التغيير البطيء والتحوُّل فيصعب على القارئ أن يميزه صحيحه من خطأه ويفرض على الباحث أن يتفحَّص كل ما كُتبَ عنهن ويقابل الحوادث مع بعضٍ، ولا يتعجَّب القارئ حين يعلم أن أول سيرة نُشرت عن الأخوات، كان كتاب “حياة شارلوت برونتي” لإليزابيث غاسكل بعد سنتين من وفاة شارلوت عام 1855، ضمَّت هذه السيرة قصصًا وحوداثَ مشكوك بصحتها منها ما يتعلَّق بشارلوت نفسها وأخرى بإيميلي وعلاقتها مع الحيوانات، وبرانويل، وباتريك الأب الذي قال بعد نشر هذه السيرة ’لم أعلم أنَّ لي عدوًا في هذا العالم، يريد أن يُشهِّر بي قبل موتي. كل ما ذُكر في ذلك الكتاب [حياة شارلوت برونتي] ويتعلَّق بسلوكي تجاه أسرتي إما مزيُّف وإما مُحرَّف. لم أرتكب أيًَّا مما نُسب إليَّ. بيَّنتُ ذلك في رسالة إلى السيدة غاسكل طالبًا منها حذف هذه الأقاويل الزائفة المكتوبة عني في طبعة كتابها التالية. وحتى الآن لم أتلقَّ أيَّ جواب من السيدة غاسكل التي يبدو أنها غير راغبة ولا قادرة على الكتابة‘. وما تجاهل غاسكل لباتريك برونتي عن قناعة بما كتبته بل لأنه رجل محترم مسكين أحبَّ أن يخرج كتابٌ عن ابنته الأديبة، كما أنه لم يُرد تصعيد الأمر ضد غاسكل ويرفع عليها قضية كما فعل آخرون ذُكروا في الكتاب منهم ليديا سكوت، التي أحبها برانويل وكانت سببًا في هلاكه، فأجبرت غاسكل أن تعيدَ كتابة كل ما كُتب عنها وحذف أيَّ اتهامات تجاهها. بداية التحول إلى أسطورة لفَّها الخطأ من أناس عاينوا آل برونتي واختلطوا بهم وتراسلوا معهم كما هو غاسكل، فكيف بالذين أتوا من بعدهم، وبمرور كل سنة وحقبة يزداد عالم برونتي تشعُّبًا وتوسعا وتختلف الطرائق والمناهج والأساليب في قراءة حيواتهم ورواياتهم وسيرهم والتعامل معها دون أي زيغ. ولأجد من الصعوبة بمكان أن نمضي في هذا السبيل دون أن يخدش ذراعنا خطأ أو ندوس على صواب أو نمرَّ بفكرة غامضة أو نرى تهمةً جائرة أو نلحظ قصة مختلقة مُحلِّقة، ولا ينتهي بنا المطاف إلا وبجَعبتنا من المزيَّف أكثر من الأصيل. لكن السؤال كيف سنعرف هذا، فالرحّالة بين متون الكتب بحاجة إلى الحِذْقِ والدقةِ والتيقُّظ، ليس ثمة إلا الحظ لتخرجَ برؤية صحيحة تمامًا لا يشوبها خطأ. كل ما نعرفه عن حياة الأخوات برونتي لا بد أن يؤدي بنا إلى حقيقة واحدة فحسب أننا لا نعرفهن إلا من رواياتهن وشعرهن ورسائلهن والناجي من كتاباتهن. إنَّ أدب برونتي هو ما يحكي للقراء عن الأخوات، وما سوى ذلك هو الهامش على المتن. ويعلِّق هنري جيمس عن حياة الأخوات ’لا يزال الإرث الرومانسي لآل برونتي للأجيال اللاحقة مُساعدًا بقوة مستقلِّة عن قدراتهن المستخدمة- بالصورة الشاخصة لحياتهن الكئيبة والفقيرة ووَحدتها، وتاريخها المأساوي. عُلقت هذه الصورة قُبالتنا بإصرارٍ وحيوية كأي صفحة من رواية جين إير أو مرتفعات وذرينغ. وإذا كانت هذه الأمور “قصصا” كما نقول، وقصصًا ذات فائدة زاهية، فإن الوسط الذي انبثقت منه في المقام الأول قصةً في ذاته، وقصة كهذه ستنال بإنصافٍ أحقيَّةَ تقديرنا. إنها تغطي وتدعم مادَّتهن، وأرواحهن، وأساليبهن، وموهبتهن، وذوقهن؛ إنها تجسِّد في الواقع الأحجية الفكرية الأكمل، إنْ لم أبالغ في القول، التي حققها جمهورنا الرائع في سؤال الأدب‘.   

* 

كل ما كُتب عن برونتي فهو ناقص في تمامه وقاصر في كماله، وليس كتاب أسطورة برونتي لـلوكاستا ميلر بمنأى عن هذا. تكتب في مقدمتها أنَّها ستقتصر على الأختين شارلوت وإيميلي في دراسة صيرورة أسطورة برونتي على حساب آن لأنها كانت في الظل ولم تطلها الدراسات وما كان لها من تأثير وظهور إلا مؤخرًا. فهي وإن كانت مصيبة في اقتصارها على شارلوت وإيميلي في مراحل معيَّنة من تشكُّل الأسطورة فإنَّ آن جزء لا يتجزَّأ منها وما إقصاؤها إلا اسثناء خاطئ ما يزال يقع به الباحثون. فلا يمكن أن تُقصى آن بحجة عدم ذيوع صيتها وإلا ما دَورُ كتب السيرة والنقد والدراسات إن لم تُعطِ للكاتب حقه لا سيما وأنَّه جزءٌ من حلقة أكبر تضمُّه وآخرين هم جزءٌ منه كذلك. كان يُمكن لهذا الكتاب بدراسته المعتبرة ومنهجيته شبه الشاملة أن يكون أكثر تميُّزًا لو سُلط الضوء ولو بفصل وحيد على آن هي الأخرى لا تجاهلها تمامًا كأنها غير موجود مع أن الكاتبة تذكر في إحدى فصولها أن روايتها “نزيلة قصر ويلدفيل” قد أثارت جدلًا اجتماعيًا لأنها تعاملت مع مواضيع لم تتطرق لها شارلوت وإيميلي، وأنها من أوائل الروايات النسوية بموضوعها الجدلي في المجتمع الفيكتوري، ولا نغفل أنَّ شارلوت لم تكُ راضيةً عن موضوع هذه الرواية ووصفت العمل بالغلطة الكاملة ومنعتْ إعادة نشره بعد وفاة أختها. هذه الأسباب وغيرها تجعل من آن برونتي جزءًا من هذه الأسطورة. وفي الوقت الذي نرى حضورًا كبيرًا لبرانويل مع أنه لم يكن روائيًا فإن حياته ومأساته الشخصية كان لها دورها وتأثيرها في أدب الأخوات وتشكُّل الأسطورة بل ودخوله منافسًا، كما ذهب بعضهم، لإيميلي منازعًا إياها على ملكية تأليف رواية مرتفعات وذرينغ. في النهاية فإن النقاط الإيجابية في هذا الكتاب أكثر من سلبياته وتقديمه صيرورة هذه الأسطورة وسيرورتها تستحق الإشادة والثناء. 

ارتكز الكتاب في نصفه الأول على شارلوت برونتي ورواياتها ورسائلها في تكوُّن الأسطورة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر إثر وفاتها بفضل سيرة إليزابيث غاسكل. ثم لحقت إيميلي بركب أختها في النصف الثاني من الكتاب في تعزيز هذه الأسطورة على نحوٍ طفيف في نهاية القرن التاسع عشر ثم صعود نجمها في القرن العشرين لا سيما مع تطور علم النفس وفروعه وتطبيقاته والمناهج البحثية والأدوات التي ساعدت الكتَّاب والباحثين في إعادة اكتشاف إيميلي برونتي وروايتها مجددًا. مرَّت هذه الأسطورة بمراحل نتبيَّنها تباعًا.

*

لا بد من صيرورة كل أسطورة من بداية حقيقية بعيدة عن كل التضخيم والمبالغة والتأويل والتوسُّع الذي يطالها لاحقًا، وأسطورة الأخوات برونتي ليست استثناءً. لعبت حياة الأخوات برونتي القصيرة نسبيًا دورًا مهما في تلقِّي قصَّتهن الحياتية، وينطبق هذا تمامًا على نوع الحياة الانعزالية في هاورث، والانغماس في الطبيعة المحيطة بهن لا سيما آن وإيميلي، فالطبيعة لدى إيميلي مصدر رئيس للإلهام والإبداع وهي تكاد تتوحَّد معها كصوفيّ آمن من صميمه بوحدة الوجود وجُذبَ بعيدًا عن عقله، وكذا هي إيميلي بانجذابها إلى الطبيعة لتغيبَ عن نفسها وهي في ذات الوقت تغرف من نبع الطبيعة الأصلي. ثم كان لمأساة حياة آل برونتي من وفاة الأم مبكرًا ثم وفاة الأختين الكبريين ماريا وإليزابيث في صغرهما دورٌ في إضافة صبغة من الحزن والكآبة على قصة الأخوات. ولا تنفرد عما سبقَ طفولةُ الأخوات وتعاملُ باتريك الأب الرواقيّ المتَّسم بالشدة نوعا ما (يُصوَّر بغلظة شديدة أنكرها هو نفسه ابتدأت مع سيرة غاسكل وبقيت لصيقة به حتى لا يُمكن إثباتها أو نفيها) والفاقةُ التي عانت منها الأخوات، وفي خضمِّ كل هذه الأسباب المكوِّنة لتربة آخر ما يتوقَّع فيها الإبداع الأدبي، ورغم كل شيء، بزغت نبتةُ الإبداعِ في هذه التربة العصيبة والشديدة التكوين. جاءت البداية غير مبشرة بخير بفشل ديوان الأخوات المشترك في عام 1846 بيد أنَّ الأخوات كنَّ أذكى من يحبطهن هذا الفشل فاتَّجهن نحو الرواية التي كانت ذات سوق رائج وفي بداية صعودها واستحواذها على مشهد الأدب العالمي لاحقًا. حالف النجاح رواية جين إير في أول الأمر دون أختيها، فوصفتْ بأنها رواية الموسم وانهالت عليها المراجعات ما بين إشادة وذم فوصفها الفريق الآخر بأنها أبذأ الكتب التي طالعناها على الإطلاق. 

أثار الاسمُ الذكوري المجهول الهوية والحسُّ الأنثوي بلبلةً في التعامل مع روايات الكتَّاب الثلاث كورير وإيليس وأكتون، انتهت قصة الأخيرين بعد وفاتهما في عامي 1848 و1849 وكشف شارلوت عن هويتهما في عام 1850 في بيان سيرة لمقدمة روايتهما “أغنيس غري” و”مرتفعات وذرينغ”، لكنها حافظت أمام جمهور القراء على اسم كورير. أما في دوائر لندن التي كشفت فيها هويتها بعد عام 1849 فحاولت الفصل بين هُويات شارلوت وكورير وجين إير، والفصل بين شارلوت الإنسانة وشارلوت الكاتبة، وهذا ما أوقعها في مواقف مُحرجة مع ثاكري الذي سعى لمضايقتها بدمجه بين شخصيتها وشخصية جين إير حتى إنه تواقحَ في إحدى المرات حين ادَّعى أن جين إير حاضرة معهم، مع أن شارلوت كانت تقدُّره كثيرًا وأهدت إليه رواية جين إير في طبعتها الثانية ووصفته بأنه مصلح مجتمعنا الأول، وكان هذا قبل أن تتعرف عليه وتلتقي به وجهًا لوجه. بقيت شارلوت في مسعى دائم لأن يحكمَ النقاد عليها بكونها كاتبةً لا امرأة. شهدت سنوات شارلوت الأخيرة نشر روايتي شيرلي وفيليت ثم حلَّت وفاتها في عام 1855.  

تمثَّلتْ المرحلة الثانية في أسطورة برونتي مع كتاب إليزابيث غاسكل “سيرة شارلوت برونتي” وهو كتاب له الفضل الأول في تبلور الأسطورة لأسباب عديدة منها أنها جاءت كاشفة لجمهور القراء هوية كورير بيل، الكاتب الذي أثار الجدل كثيرا بروايته الأولى، ولأنها أول سيرة ذاتية طويلة تكتبها امرأة عن امرأة، ومنها ما يخص غاسكل نفسها وأسلوبها في كتابة السيرة الذي أضفت عليها الطابع التخييلي وافتتحتْ الكتاب واصفةً الطريق إلى هاورث ومنزل شارلوت والكنيسة القريبة من البيت والتلال كأنها بداية رواية قوطية منهية الفصل الأول التقديمي بوصف قبور المُتوفينَ من آل برونتي والموجودين داخل الكنيسة. ركَّزت السيرة على مأساة ومعاناة شارلوت برونتي في حياتها فكان للكاتب دافع استعطاف القراء مع شارلوت لذا فالكتاب يكاد يكون سيرة حزن وأنشَّأ صورة “الآنسة برونتي المسكينة” وعززها فحياة الألم والمشَّقة والفاقة والموت التي عاشتها شارلوت برونتي جعلتْ منها، كما ذهبت السيرة في عرضها، صنيعة العذاب، وأن خلف هذه الروايات روحٌ معذَّبة لا سيما رواية شيرلي التي كتبتها شارلوت مقاومةً بالكتابة مشاعر الأسى على فقدان أختيها وأخيها. بيد أن الدور الأكبر لسيرة غاسكل هو في تحويل حياة شارلوت برونتي إلى قصة أدبية ونقلها إلى عالم الأدب. وما عادتْ تُقرأ روايتها بمعزلٍ عن حياتها، فأصبحت السيرة هي الأخرى كأنها رواية من روايات شارلوت، وبدأ التداخل ما بين حياة شارلوت الحقيقية وحياة شارلوت التخييلية والمتخيَّلة، وولجتْ عالم الأدب في من أوسع أبوابه. إن هذا الولوج لعالم الأدب جعل من حياتها الشخصية هي الأخرى مفتوحة على كل التأويلات والإضافات والتفسيرات التي قد لا تكون بالضرورة حقيقية أو حتى صحيحة. لكن أن تصبح حياتها رواية فهذا يعني أنَّ من حق الكاتب أن يضيف عليها والقارئ أن يفسرها حسب هواه. ساهمت هذه النقلة إلى الأدب في زيادة التعاطف مع شارلوت المعانية في حياتها وتحول إلى آيقونة “الملاك المنزلي”، وعلى الرغم من أن علاقة شارلوت ليست جيدة سواء برغبة المكوث في المنزل أو الطبخ أو تدبير شؤونه، على العكس من إيميلي الملازمة للبيت والمهتمة بشؤونه، فقد استحوذت شارلوت على هذه صورة الملاك الساكن في المنزل. وأدَّى تصوير منزل الأخوات الكئيب والموت الذي ما فارقه وموقعه في قرية هاورث المنعزلة بل وحتى تصويره أنه وسط بريّة لا جيران من حوله (وهي معلومة غير صحيحة إذ كانت هاورث قرية طالها التمدد الصناعي في القرن التاسع عشر) في سيرة غاسكل إلى جذب الزوّار والفضولين وحجيج الأدب من داخل إنجلترا وخارجها لا سيما أمريكا. 

لم يبدأ ’وباء برونتي‘ بالانتشار حتى العقد الأخير من القرن التاسع عشر. واقتصرت زيارة هاورث في العقود التي تلت نشر غاسكل لسيرة شارلوت على قرَّاء السيرة ومحبي رواياتها وأصبح خلال هذه المرحلة منزل هاورث محجًا، وذكر أحد الحجيج إلى منزل هاورث في عام 1874 ’بأن سجل زائري الكنيسة مدوَّن فيه 3000 اسم في السنوات الخمس عشرة الأخيرة‘. وفي صيف عام 1895 جذبت هاورث 10 آلاف زائر سنويًا. ثم تزايدت الأعداد في القرن العشرين وجاءت النقلة الكبرى بافتتاح المنزل للعامة في عام 1928 حين اشترى المنزل ثري مُحسن محليّ ومنحه لمجتمع برونتي (آل برونتي) ليكون متحفًا ومكتبة وضمَّ مقتنيات وآثار للأخوات برونتي. 

تصف إحدى الصحف شارلوت قائلة ’للآنسة أوستين وثاكري معجبون، ولشارلوت برونتي عِبَاد‘. 

أما المرحلة الثالثة والمفصلية في أسطورة برونتي التي أشرعتْ الباب على مصراعيه تجاه شارلوت والأخوات عموما فتمثَّلتْ في ظهور رسائل شارلوت برونتي إلى أستاذها قسطنطين هيغر، كانت قد أحبته أثناء دراستها وعملها في بروكسل في سني 1842-1844. أرسلت شارلوت هذه الرسائل الأربعة المتبقية من أصل خمسة ما بين سني 1844-1845، وهي رسائل تجنَّبتْ غاسكل ذكرهن أو حتى التطرق إليهن ولا مشاعر شارلوت تجاه قسطنطين لداعٍ متباينة أن الكشف عن هذه الرسائل، التي اطلعت عليهن حين زارت بروكسل لجمع مواد كتاب السيرة، لا تخدم الهدف الموضوع في كتابها في توريد صورة مثالية لشارلوت، ولأنَّ قسطنطين ما يزال على قيد الحياة وزوجته كذلك، وكذا الحال مع زوجٍ شارلوت، آرثر نيكولاس، إضافة والأهم أن إيراد هذه القصة سيشكِّل فضيحة لو ظهرت في حينها في المجتمع الفيكتوري المتحيِّز تجاه المرأة. احتفظت هذه الفضيحة بجلجلتها عند نشر الرسائل في عام 1913 وكانت هذه الأسرار الفاضحة مأخذًا مناسبًا لمناوئيها لمهاجمتها، وأصبحتْ مادة للدراسة النفسية ظهرت في كتابين مهمين الأول: كتاب ليوناردو دافينشي وذاكرة الطفولة لسيجموند فرويد في عام 1910، وكتاب شخصيات فيكتورية بارزة (Eminent Victorians) في عام 1918 لليتون ستراتشي. غذَّى هذان الكتابان على نحو غير مباشر في استيعاب شارلوت، وهيَّآ الأرضية لبداية نوعٍ جديد من المناهج النفسية في عشرينات القرن الماضي هو: السيرة الذاتية النفسية Psychobiography. انْفسحَ المجال بعد ذلك بنوع جديد من الدراسات النفسية حول شارلوت برونتي وكتبها فوصفتها لوسيل دولي في مقالة سيريّة نفسية طويلة بأنها ’نموذج المرأة العبقرية… لديها مشاعر جنسيّة قويّة ونرى موضوع الجنس يلعب دورًا في رواياتها‘. ورأى آخرون أنها من أوائل رواد التحليل الفكري النفسيّ، وكان لكتَّاب السير نزعةٌ على التعامل معها ’ضحيةً فوضاها العقليّة كما لو أن كتاباتها أعراضٌ مرضيّة فحسب أكثر من كونها أعمالًا فنيّة مرموقة‘. وبدلًا من تُقدَّر لنشاطها الفكري فقد أُقعِدت على إريكة التحليل النفسي بدون فائدة أن يكون المريض الحيّ قادرًا على الإجابة. 

تموضعت قصة الأخوات برونتي على حد قول هنري جيمس ما بين الواقع والخيال. وانتقلت بفضل قوة تكرارها الحادة من المستوى التاريخي إلى المستوى الأسطوري. وتحولت إلى الرواية والشعر والمسرحية والتلفاز والسينما في سلسلة من عشرات الأعمال ظهرت على مدى عقود ساهمت كلها في تعزيز هذه الأسطورة وزيادة هوس محبيها بها، حتى ليترآى لبعضهم أنَّ الأخوات برونتي شخصياتٌ خيالية وليست حقيقة مثل تلك التي تظن أن شخصية شيرلوك هولمز حقيقيّة وليست خيالية. هذا التموضع بين الواقعي والخيالي على حد وصف هنري جيمس، مكَّن الأخوات برونتي من حجزٍ مكانٍ في الذاكرة الجمعيّة والشعبيّة للقرّاء وارتسام صورًا هي مزيج من الحقيقي والخيالي والتخييلي والمُتمنَّى والمتوقع والجامح. وهذا في الأخير يُبيّن المدى الكبير الذي وصلتْ إليه أسطورة الأخوات برونتي وحققته في الذاكرة الأدبية والقراءيّة على حد سواء.  

*

كانت إيميلي الرافد الثاني لأسطورة برونتي وتجمَّعت فيها العديد من السمات جذبت الأنظار نحوها بعد ذيوع صيت شارلوت كالانطوائية ومحافظتها الدؤوبة على مجهولية كتاباتها وهُويتها الأدبية التي ظهرت في الديوان المشترك أو روايتها الوحيدة “مرتفعات وذرينغ”. لم تُكتب سيرة حياتية عن إيميلي إلا بحلول عام 1883 لماري روبنسون إلا إنها كانت كافية لتسليط الضوء بقوَّة على إيميلي في السنوات اللاحقة لا سيما في القرن العشرين حين أُعيد قراءة رواية مرتفعات وذرينغ وتهاطلت عليها الدراسات والقراءات والاستقصاء عن هذه الكاتبة. ووصفتها ماري سينكلير عام 1912 بأنها أيقونة النقاء والروحانية، وبدأت في الربع الأول من القرن العشرين تتحول في بعض الدوائر الأدبية إلى بؤرة عبادة البطل، لكنها عبادة ذاتية فإيميلي آمنت أن القوة تكمن في داخلها، وملكوت السماء بين جوانحها وبدا أنها مقتنعة عبر أشدَّ إحساس وجودي ممكن أنَّ القوة الإلهية ملازمةٌ إياها حقًا. وقالت عنها شارلوت في رسالة إلى ناشرها سميث “تبدو لي منظِّرة أكثر من روائية”. 

ارتكزت صورة سيرة إيميلي على فرعين الأول القراءات الغامضة لرؤيتها الشعرية جعلت منها مخلوقًا من عالم آخر إذ تغلب على قصائدها النظرة السوداوية ذات الفيضِ الحيوي المتَّسم بالشجاعة والكآبة واليأس المُعلن للصمود وحين يعلو صوت الأمل في قصائدها سرعان ما يخبو تاركًا المجال لرؤية ظلامية تنبع من داخلها وتسيطر على فكرها وكلماتها وتمدَّها بالطاقة لتستمر في الحياة بجرأة وجَلَد منكرةً ضعفها وتعاسة حياتها فثمة دافعٌ خفي يتحفَّز في قصائدها ليفكَّ قيده ويعمَّ جو شعرها فتخلط الأمل واليأس والحياة والموت والسعادة والتعاسة في مزيج شعري ذي غنائية جنائزية هادئة وإحساس كنائسي مستحضر للإيمان. وتتلاعب بالحاضر المتفائل في افتتاح بعض قصائدها لتنقل القارئ بعدها إلى بيئة ظلامية تشاؤمية ما كان بريقُ شمسها ودف مناخها إلا ذكرى سريعة التلاشي من ماضٍ غابر لن يعود لتستحوذ على مشاعر القارئ وتجرُّه معها إلى النهاية. تلعب كلمات كالأمل والخوف والخلود والقبر والموت والأبدية والقيد والوجود والسماوي دورًا مفتاحيًا في قصائدها لتكشف عن فلسفة خاصة بها ومشروع فكريّ أقرب إلى الهوسي في سؤال الوجود والحياة والعبادة في فضاء طبيعيّ مفتوح. فإيميلي ابنة الطبيعة المحضة والوفيّة فهي كما تعلِّق وينفريد جيرن ترى الطبيعة منتهية في ذاتها. وهي الأخرى منتهية في ذاتها متمركزة حول الأنا، لكن ما هي هذه الأنا إنها الهُويات المتعددة أو الهُوية السائلة التي لا يمكن أن نحدد قوامها. وهنا هو العامل الثاني في قراءة إيميلي المستند إلى روايتها “مرتفعات وذرينغ”، وهي رواية في قمَّة الإبداع الأدبي ومنتهى ما يُمكن أن تصل إليه إيميلي وكما تكتب ستيفي دافيس “لقد قالت إيميلي كل ما تريد قوله في هذه الرواية” في بحثها المُفصَّل عن هذه الرواية المتمحور حول دراسة ذات إيميلي ومعتقدها وشخصيات الرواية وسؤال الهوية الذي يتبعثر في أشهر جملة في الرواية على لسان كاثرين إيرنشاو “أنا هيثكليف”. أثارت الرواية جدلًا فور صدورها لعنفها وقوتها وصخبها وجرأتها كانت سببا فيما بعد لإنكار أن تكون إيميلي كاتبة هذا النص ونشأة حكاياتٍ خرافية وقصص مختلقة عن كون برانويل هو الكاتب أو ساهم في الكتابة أو أنه باختصار صاحب الفكرة فلا يمكن لامرأة أن تكتب مثل هذه الرواية في حين رأى آخرون ’أن الرواية صنيعة التخييلية الرومانسية المتأثرة بالأدب الألماني والممزوجة بنحوٍ مذهل بالمعرفة المحليّة والقوة الواقعيّة التي نادرًا ما بُزَّتْ في نطاقها الخاص‘. وتعلِّق لوكاستا يُمكن للمعجزة الإلهية فحسب أن تفسِّر كيف لامرأة متملِّصة ترعرعت في قرية غامضة أن تُحقق كل هذا في الأدب. أما المسرحيّ البلجيكي موريس ماترلينك فيعلِّق “نشعر بأن على المرء أن يعيش ثلاثين عامًا تحت القيود الحارقة للقُبلات الملتهبة حتى يتعلم ما تعلمته إيميلي”. 

ساهمت غاسكل في سيرة شارلوت على منح إيميلي هذه الصورة الغامضة العنيفة والعنيدة حتى أصبحت إيميلي طاغيةً في أسلوب حياتها وبدت كما تصوِّرها شارلوت في آخر حياتها وقُبيل احتضارها كأنها رجلٌ أبويّ صارم يخشى منه أفراد عائلته ولا يقوون على الوقوف بوجهه بل ولا يتجرأون على ذلك لأنها ستنفي ما يقولون وتأنف أن تظهر ضعيفة وتمقت أن يُشفقَ عليها لدرجة إنكارها مرضها المُهلِك ولم تعترف به إلا سويعات قبل وفاتها. 

عاشت إيميلي حياة قصيرة لكنها كانت كافية لجعلها شاعرة قويّة وروائية نحتت لنفسها مقعدًا في قرطاس الأدب الإنجليزي والعالمي برواية، هي من الروائع الأدبية التي لا تزال محتفظة ببريقها وقوتها وهذا كما تكتب ستيفي دافيس من عناصر قوتها أنها لا تسمح للقارئ بالخروج بخلاصة محددة ومُقنعة. وكذا حال حياة إيميلي ضبابية ومتملصة من أقلام كتَّاب السيّرة فلا يستطيعون تحديد موقعها ولا تثبيتها في مكانٍ مراوغةً في حركتها وما خلَّفت وراءها من أثر يشي بما يُقرِّ شيئًا أو ينفيه. هكذا كانت إيميلي صامتة وانطوائية لكن الكون يدور بداخلها ولم تهدأ قطُ أمواج بحار فكرها العاصف حتى وفاتها. ولعلها كانت تصف نفسها حين قالت:

لإنْ اختفتْ الأراضي والأقمار

وتلاشت الشموس والأكوان 

وخُلِّفتْ وَحدكَ في الوجود

فكونُكَ في داخلكَ موجود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى