أدب وادي الرافدينالتراث الأدبي

ملحمة مردوخ 


حجم الخط-+=

اللوح الأول

اسمعوا وعوا يا أبناء الرجال، يا أحفاد العظام، مَن أكرمهم بالمجد مردوخ؛ سيدُ السماء الإله الكبير، مُنظِّمُ الكون، ضابطُ الكواكب، من أبدعَ المسار للفَلكِ الدوَّار، وجعل للأقمارِ المنازل وللشمس الأدوار، مُنشئُ بابلَ، حاضرة الحواضر، وسيدة المدن، الحاكمة العليّة بين  الممالك، ومَسكن الآلهة، ومَعبد البشر، مَن صبَّ فيها إيا ماءَه العذب الزلال، وشقَّ فيها الدروب وأنمى الأشجار، ورصفَ طُرقها الأنوناكي آلهةُ السماء، وشيَّدوا في أرضها العِمار، مفرحين قلبَ الإله. هلِّلوا لمردوخ فالقِ الهامِّ السيِّدِ الجبَّارِ، مُخضعِ الأعداء، وحارسِ الفضاء، الصمدِ ذي العزم والجبروت، سليلِ أبسو وأنشار وآنو وإيا، وعزيزِ الإلهة دامكينا. 

*

مياهٌ هو الكونُ في العُلا والسُّفلِ، ما عُرفَت بعدُ السماءُ ولا هبطت إلى الدونِ الأرضُ، وحدهما كانا أبسو والأم تيامت. أبوا الآلهةِ الأماجد، والساكنا الماء الخالد، مياههما واحدةُ  التمازج، وما من قصبٍ حينئذٍ شطَّ وسطَ الماء، ولا تجمَّعَ في المقاصب. ما ظهرتْ ساعتئذ الآلهة، ولا سُمِّيتْ بالأسماء ولا حُدِّدَ لها المصيرُ إلى الأبد. وحدهما كانا أبسو وتيامت، لقاؤهما ماء وحياتهما ماء، ومن الماء إلى الماء. بعثَا إلى الحياة لحمو ولحامو، إلهان من الأماجد، وأسموهما ما سمعت من الأسماء، لا صورٌ معروفة لهما ولا هيئات، ولا زوجان هما ولا قرينان، إلهان من العدم أوجدهما أبسو وتيامت. من الماء خُلقا، من الماء العظيم، ماء أبسو وتيامت. ثم بَعَثَا إلى الحياة أنشار وكيشار، إلهين مجيدين، يفوقان لحمو ولحامو بالمنازل والرُّتب، والقوة والجبروت، والسلطان والملكوت، من الماء خُلقا، من الماء العظيم، ماء أبسو تيامت. زوجان هما، في لقائهما فوق الماء تولدُ الحياة، من جِماع أنشار وكيشار ولد آنو، آنو العظيم، إله جبَّار على صورة والديه، آنو العظيم كَمِثْلِ أنشار، في القوة والجبروت، والسلطان والملكوت. من الماء خُلقَ، من الماء العظيم، ماء الكون والحياة. أنجبَ آنو ابنَه إيا، إله يشبه أباه، لكنه بزَّ الجميع، لا عِدلَ له ولا مثيل، سيِّدُ الآلهة الأسلاف، القوي المتين، الجبَّار المُتمكِّن، المُقدِّر لآجال أبويه فوق الماء، الحكيمُ ذو الفَهم الجليل، العزيزُ ذو المنعة الشديد، ما نافسه إخوته وخضعوا لطاعته مُذعنين. من الماء خُلقَ من الماء العظيم، ماء الكون والحياة.   

لعبَ الإخوة فوق الماء وعلا هرجُهم الأرجاء، واهتاج الماء بصخبهم وماج، واضطربت تيامت بالأمواج، أقلقوا راحتها وما تركوها تنام، وحوِّط المسكنُ الإلهيُّ بالمَرَجِ. عجزَ أبسو عن إسكات الآلهة، وما أفلحَ في مسعاه، وبقيت تيامت لا تنبسُ ببنتِ الشفاه، هادئةٌ كما كانت الإلهة وسط الماء. كريهةٌ هي أعمال الآلهة، وبغيضة هي الضوضاء، وبقيت تيامت لا تنبس ببنت الشفاه، هادئةٌ كما كانت الإلهة وسط الماء. ما تمالك أبسو نفسه، سريعُ الغضبةِ على الأبناء، نادى بعالي الصوت على حاجبه الأمين ’يا مومّو تعال! تعال أيها الحاجب، رافقني إلى تيامت، علَّها تنقذنا من هذه الفوضى، كريهة هي أعمال الآلهة وبغيضةٌ هي الضوضاء‘. أجاب الحاجبُ مولاه ’هلَّمَ يا مولاي، هلمَّ إلى تيامت العظيمة، علَّها تنقذنا من هذه الفوضى، كريهةٌ هي أعمال الآلهة، وبغيضة هي الضوضاء‘. انطلق الإله وحاجبه إلى تيامت، الإلهة الماء من بعثت إلى الحياة لحمو ولحامو وأنشار وكيشار. في حضرة تيامت جلس القادمان، حيَّا تيامت العظيمة ثم قام أبسو وصاح في ابتهال ’تيامت لقد أضرَّ بنا الآلهة الأبناء، أضرَّ بمسكننا أبناء الماء، من الماء العظيم جاء هؤلاء، وأنزلوا على الماء البلاء. لا راحة لي في نهار ولا هجوع لي في ظلام، أقلقوا علينا المكان، وهاجَ الماء وماج، وحوَّطوا المسكنَ الإلهيَّ بالمَرَجِ، فذي أعماقُكِ لا تعرفُ القرارَ بعد طول القرار، وذي أغوارُك هجرها السكون بعد الكمون، يا تيامت أيتها الإلهة الحبيبة لا ملجأ لنا إلا إياك ولا منجى من هذا الحال إلا بك، فائذني لي بقتلهم ونشر الهلاك، ائذني لي أن أعيدَ الهدوء إلى المسكن الإلهيّ، ائذني يا تيامت بإنزال الموت على خلقِ الماء الأشرار، ائذني لي حتى ننام ويطولَ لنا الرُّقاد، ائذني لي فلا أمرَ لي، ائذني فما عادت الحياة تحلو لي‘. استشاطت تيامت غضبًا مما سمعتْ واضطربت المياه، علا الموجُ العظيم يتوعَّدُ أبسو على ما فاه، ازدادت تيامت حنقا، حنقَ الإلهة الكريه، وصاحت بأبسو الإله ’إياك إياك وأن تتفوَّه بمثل هذا الكلام! علامَ تريدنا تدمير ما بنيناه، أنكتبُ الفناء على ما صنعته يداي ويداك؟ لكَ الحقُّ في التكدُّر والاهتياج، والغضب من الآلهة الصغار، لكن حذارِ حذارِ أن يمرَّ بخَلَدكِ خاطرُ الإهلاك، مَن يقتلُ أبناءَه محرومٌ قلبه من الخلود، فاحذرْ أيها الإله غضبتي ولتصبر على البلاء، وليكن في حنيِّاتكَ الصبرُ والرحمة. واذهبِ الآن‘. غادرَ أبسو المكان وفي صدره يعتلجُ الأسى والحنق، ما عادَ بما أراد، وتمعَّر وجه الإله فأبصره هاهنا حاجبه الأمين وفاه ناصحا مولاه ’يا مولاي يا أبسو العظيم، يا خالقَ الآلهة، يا سيد الماء، من الماء وإلى الماء هي الحياة. كريهةٌ هي أعمال الآلهة، وبغيضة هي الضوضاء، لو أذنتَ لي بالقول فإنَّ عندي مشورةً ترضيك وتسكنُ عن نفسكَ الغضب، فائذن لي يا مولاي‘. حدَقَه ببصره أبسو الغضوب وقال ’هات ما عندك أيها الحاجب. كريهة هي أعمال الآلهة، وبغيضة هي الضوضاء‘. فاه مومّو ’افعلْ ما عزمت عليه يا أبتاه، واخمدْ بقواكَ هذا الهرجَ الكبير، واسكنْ بجبروتكَ الأمواه، امضِ إلى ما شئت أيها الإله، فكريهةٌ هي الأصوات، وهائجة بصنيعهم الأمواج. ما أردتَ إلا حقَّكَ الصريح، ولا شططَ في أخذ الحقوق وإسكات الأعداء، يا أبسو العظيم، يا أبَ الآلهة، يا ابن الماء، افعلْ ما عزمتَ عليه، وليرتح قلبكَ في النهار، وتنمْ في دعةٍ في الليل. أعدْ هدوء الخوالي، وتَسكنْ باسمكَ المياه‘. أبهجَ قولُ الحاجبِ مولاه، وتهلَّلَ الوجهُ واستبشر، وفرحًا غُمرَ الصدرُ الأكبر، صدرُ الماء، وغزا الشرُّ قلبَ أبسو، وأضمرَ في نفسه المكاره على الأبناء، فعانقَ مومّو وأخذه إلى حِضنه وضمَّه بين الأضلاع، وأجلسَ أبسو الإله حاجبَه على ركبتيه، وقبَّلَ منه الشفاه، سكبَ في حِجرِ الحاجبِ عصير القلب، فاهتاجَ الحاجبُ، وتنعَّمَ بعصيرِ الإله.    

عزم أبسو على قتل الأبناء، لكن هيهات هيهات فقد أدركَ إيا مؤامرة الأجداد. بلغَ الآلهةَ الصغارَ خبرُ أبسو وما انتواه، صعقَ النبأ الجليل الإخوة الآلهة، وشلَّ الذعرُ الأوصال، أنَّى لهم الهروب من أبسو وأنَّى لهم القتال، وتضامُّوا إلى بعضٍ مجتمعين، في شورى من أمرهم، وأعجزَهم عن الحزمِ ثقلُ ما قيل، ثقلُ الموتِ على يد أبسو، وركنوا إلى ركنٍ هزيل، ركن الموت والسكوت. وثبَ إيا السيِّد العظيم، ذو الإدراك الجليل، الإله الذي لا يغلقُ القدرُ في وجهه الأبواب، مُدبِّرُ مصائر آبائه، شبيه آنو وأنشار، ذو القوة والجبروت والسلطان والملكوت، وأمرَ إخوته بالإنصات وكشف عما في جوفه من كلام ’أيها الإخوة الأحباب، لا تركنوا إلى الخوف والسكوت، ما دامَ إيا الإله الجبَّار هاهنا فوق الماء، من الماء إلى الماء بعث وموت، ما دام إيا اليوم في حزبكم فمكتوب لكم الخلود، والفناء مصيرُ العدوِّ. اطمئنوا فإنِّي على هزيمته قدير، وقد حدَّدتُ له المصير، لا مجيرَ له اليوم ولا شفيع وقد عزَّ عليه النصير. إني خارجٌ إليه وَحدي، خارجٌ إلى مَن نوى إهلاكنا، لكن ما كُتبَ علينا الموت، نحن أبناء الماء‘. سكنَ روعُ الآلهة حين سمعوا خطبة إيا، وقاموا إلى أخيهم مجدِّدين له الطاعة والولاء، وفاهوا على لسان إله واحد ’تمجَّدَ إيا الإله الجبَّار طوعًا لك الأنامل والرؤوس، من الماء إلى الماء، هذا الكون والحياة‘. وقاموا بين يديه وآمالهم مربوطةٌ به. 

حضَّر إيا سحره القوي، علمٌ أزليٌ حُبي به حين خُلقَ من الماء، يُجرِّد به خصمه من قواه، رتَّل كلماته الأعظم فوقَ الماء، فحوِّطَ إخوته بحلقةٍ عظيمة لا يراها سواه، وأمرهم بلزوم المكان. خرجَ من الحلقةِ وتلا كلماته الأعظم ’أيها الماء، منكَ وإليكَ الحياة والكون، فاسكن باسمي أيها الماء، ليهدأ موجك ويسكتُ غضبك، وليسرِ في عروقكِ الصمتُ والنوم. لينمْ أبسو، نومًا لا يقظة بعده‘. أحسَّ أبسو بالخدر يسري فيه، وأخذته سِنَةٌ من النوم، وأُسدلَ جفناه، نام أبسو ابن الماء، نامَ نومةَ الهلاك. وبقي مومو بجانبِ مولاه النائم، لا يدري ما جرى، مشدوه مما يرى، مومو أيها الفِسْلُ قد جلبتَ الموت على إلهك، فبئسَ الناصحُ أنت، وبئست مشورتكَ ساعةَ الحاجة، لا هُنِّئتَ بعصير قلبه، لا سبيل بعد اليوم إليه. أقبلَ إيا إلى أبسو النائم، وكلما تقدَّم إليه شُلَّتْ أركان مومو، فإذا ما صار عند رأسه يَبِسَ مومو وما استطاع تحريكَ شيء، وشهد ما فعله إيا بمولاه. نضا إيا عن أبسو وشاحَ الإلوهيّة، ونزعَ من رأسه التاج، وجرَّده من سَمْتِ الإله، وسلبه كلَّ جبروته، وتركه بلا حولٍ ولا قوَّة، ومسح عنه طبيعته، مستحوذًا على أبسو استلَّ ألوهيته، فتلاشى ضياء أبسو وخبا فيضُ أنواره، وهلكَ من أضمرَ الشرَّ ونوى قتلَ الأبناء. اتَّجه إيا إلى مومو الحاجبِ الغرِّ، وشدَّه إليه وقبَّله ناهبًا منه عصيرَ أبسو، ضَعُفَ مومو، وألقاه في غيابة السجن بسحره، ينتظرُ مصيرَه المحتوم. 

أزِفتْ ساعةُ إيا ليتسيَّد الآلهة جميعًا، وشرعَ فوق الصريعِ أبسو في رفعِ قواعد مَسكنه الكبير، مقرُّ إيا العظيم، حيث ينزلُ مع قرينته دامكينا. جعلَ في المسكن حجراتِ الاحتفال، ومَجمعَ الآلهة، وابتنى غرفةً جليلة يرقدُ فيها مع قرينته وخصَّصَ فيها حرَمَ الأقدار، حيث يُحدِّد المصائر والآجال، جعلَ له بلاطًا وعرشًا، وملأ القصر بالمجازات، وانتهى من بُنيان عظيمٍ حفَّه بسوحٍ فسيحة للألعاب. عاد إيا إلى عدوِّه مومو فأخذَ برأسه وثقبَ أنفه ووضعَ فيه الخِطام، وأقفلَ راجعًا إلى الآلهة معلنًا نصره، وجارًا الخائنَ وراءه بالزمام. أمرَ إخوته بالخروجِ من الحلقة فتهلَّلتْ منهم الوجوه وفرحوا بالنصرِ العظيم، نصر إيا على عدوهم ومن نوى قتلهم. قام فيهم إيا خطيبًا ’أيها الإخوة والآلهة العظام، ها قد جئتكم بالخائن ذليلًا مجرورًا من خَطْمه، لتبصروا مجدَ إيا الساحقِ على مَن أضمرَ الشرَّ لكم. لا عدوَّ اليوم، قد ظهرنا على من ناوأنا وابتدانا بالضغينة والتآمر. سلبتُ من أبسو ألوهيته وجرَّدته من تاجه ووشاحه وقواه، إلى الظلمة عاد، من الماء إلى الماء. لا تخشوا أحدًا وأنا فيكم، لتضطربِ المياه ويعلو الأمواج والصياح، لا سكون ولا هدوء، إني لكم الناصر الظهير والسيِّد الكبير. فوق أبسو ابتنيتُ مقرِّي العظيم وأسميته أبسو، منزل إيا ودامكينا، وبين جدرانه يكون حفلنا واجتماعنا‘. وليُنزلَ الرهبوت في قلوب الآلهة ويثبِّت بالجبروت سلطانه قصد مومو الأسير، وقبضَ عليه بيديه، وشدَّهما بعزمٍ لا يلين حتى مات مومو، وإلى الماء عاد مولود الماء. ثم التفت إلى الآلهة وصاح ’احتفلوا بالنصر العظيم أيها الآلهة ولترى تيامت فرحة الانتصار‘. هاجَ الآلهة حينئذ يحتفلون واضطربت المياه في كلِّ مكان، وهاج الموجُ وماج، أقلقَ الحفلُ تيامت لكنها ما نبست ببنت الشفاه، هادئة كما كانت الإلهة وسط الماء.  

أخذ إيا دامكينا إلى أبسو، واجتمع بها في الغرفة العظيمة، امتزج الماء بالماء، وفي حرَمِ الأقدار، حيث حدَّد إيا المصائر والآجال ولد له الإله الأذكى والأشجع والأعظم، ولد مردوخ، الحكيم الشديد، نزلَ في الأبسو المقدس، في حَرمِ الأقدار، مَنْ سيكون له الرفعة والسلطان، والقوَّة والجبروت. أبهجَ مردوخُ أباه وأفرحَ قلبَ دامكينا، ولدَ الإله الموعود، سليل آنو وإنشار، في وسط الأبسو علا الفرح الكبير بمولد مردوخ. أرضعتْ مردوخ الأثداءُ الإلهيّة حليبًا ملأه بنسغِ الملكوت وعصيرِ الجلالة، وسرت فيه العظمة والحكمة والبأسُ والشدَّة. شعَّت من مردوخ الأنوار البهيّة وطغت على مُحياه الطبيعةُ الإلهية الأبدية، نوَّر وجه الأرجاء، وطغت هيبته على مَن رآه، أبصرَت الآلهة عينيه المجيدتين، عينان ليستا كالأعين، كاملُ الرجولة والجسارة مردوخ، إنَّه الإله القائد ومكتوب له أن يكون الأكبر، قائدُ فيالقِ الآلهة، هازمُ أعدائهم، سطوته تجتاحُ الأبسو، واسمه لا اسم بعد فوق الماء. جذل آنو، والدُ أباه، حين رآه وسرت رعدةُ البهجة في أوصاله، وأشرقَ الوجهُ الكريمُ وجهُ آنو، وما وسعَ صدرُه الأفراح، نظرَ إلى الحفيد مليًّا ثم قال ’ليس هذا ما عهدنا من الآلهة، إنِّه إلهٌ ليس كمثله شيء، ولا يدانيه في الخَلْقِ إله، ما عرف الماء إلهًا يشبهه، وليس مقدَّرًا أن يكون في الآلهة نظيره، له تكوينٌ عجيب ما أبصرته قبل اليوم، وصورته بديعة التصوير، لا، مُحالٌ الإطالةُ النظر إليه، عُجابٌ ما أراه، له من الأعين أربع، والآذان أربع، وإذا حرَّك الشفاه فإنَّ وهجَ النارِ الخالدة يتلظى من فيه، تراقبُ أعينه الأربع الكون الفسيح، وتسمع آذانه الأربع همسَ الماء واهتزازُ الموج. سيِّدُ الآلهة حقًا ذو السَّمْت الرهيب، السامي المنزَّه ذو التقديس، ما أضخمَ أعضاءه وما أعلى قامتَه، وما أشدَّ عنفوانَ هيئتَه. ابني هو أوتو، ابني هو الشمس، ابني شمسُ الألوهية، أنواره تفيض، واجتمع فيه ألق خمسين شعاعًا نوَّارًا، يحوز قوَّة عشرة آلهة كبيرة بل أكثر، يحوز القوَّة الإلهية الجليلة، تمجَّدتَ يا مردوخ‘. صنع آنو لحفيده الرياحَ الأربع، رياح الشرق ورياح الغرب ورياح الشمال ورياح الجنوب، لعبةً يلعبُ بها اليوم ويحارب بها في الغد. لعبَ مردوخ بالرياح وأثار العواصف الهوجاء، وصنعَ بها زوابع التراب، وجعلَ الرياح تحمله إلى حيث شاء. هياجٌ رهيبٌ هو لعبك يا مردوخ، اضطربت تيامت، وهاج الماء، واهتزَّت تيامت ليل نهار، لا يُرى لها سكون ولا تعرفُ القرار. عانى الآلهة من الرياح، وتلقُّوا ضرباتها بلا انقطاع، قاسوا العواصف الهوجاء وتلاطمَ الماء وهيجان الأمواج. ما كان لهم إلا الشرَّ ليضمروه لمردوخ، واجتمعوا إلى بعضٍ وقالوا ’حتَّامَ الاصطبار على هذا الحال، عواصفُ هوجاء بلا انقطاع، وماء متلاطمٌ على الدوام، والموجُ في اضطراب، والرياح تضربنا من اليمين والشِّمال. أنبقى ساكتين عن هذا العدوان، لقد أبصرتم مردوخ يكدِّر عيشنا، كما كدَّر آباءه أبسو، وقضوا عليه، أتريدون الهلاك بيد ابن المُفسدين؟ هلُّموا إلى تيامت علَّها تخلّصنا من هذا الهوان، وترفع عنا عن العذاب، حتى يستقرَّ لنا الأمرُ وتصفو لنا الحياة‘. قصدوا تيامت والشرُّ يعتلج في النفوس، قالوا حين بلغوا الإلهة الأم ’أيتها الإلهة الأم، لك المجد والعتبى، إليك الملجأ والملاذ، لا أمَّ لنا سواك، ألا ترين ما حلَّ بنا من بلاء! حين قتلوا قرينكِ أبسو آثرتِ السُّكات، ما دافعتِ عمَّن ولَّد الآلهة معكِ، ما دافعتِ ولا انتقمتِ، وبقيتِ تبصرين بصمت ما جرى كأنكِ عجزاء. ألا ترين ما صنعَ آنو من رياحٍ أربعٍ هوجاء، تعصفُ بنا من كلِّ اتجاه، تضربُكِ كما تضربنا، وتتركُ أغواركِ في اضطراب، ما عدتِ تعرفين القرار، لا، ولا عدتِ تعرفين السكون. ونحن ألا تبصرين شقاءنا قد هجرنا الرُّقادُ، وما عرفنا بعد الرياح طعمَ النوم. قد جاءك أبسو يوما يطلبُ الإذن لإنهاء هياج الماء، وتضرَّع إليكِ لكنِك وبَّخته، ثم تركته يُقتلُ بلا عون، تخلَّيتِ عن قرينكِ الوحيد، تخلَّيتِ عن أبي الأماجد أبسو، هلكَ وما عاد له وجود، من الماء إلى الماء، وبقي إيا يتسيَّد الآلهة حتى جاء الإله مردوخ، وبرياح الجدِّ أثار ثوران الأمواج وزوابع التراب. أتتركينا نتلَّقى الضربات كما تركتِ مومو الحاجب الأمين يجرُّه إيا من خطمِه، ما له بين الآلهة اعتبار حتى أنزل عليه بقسوةٍ الفناء، وها أنت ذا لا صاحبَ لك ولا رفيق، وحدكِ أيتها الأمُ تيامتِ. جئناكِ يا أمَّنا، إنْ كنتِ تُحبيِن أبناءك، يا مَن تهتزُّ مياهك في كلِّ مكان، ومضطربٌ مسكنك وفي اهتياج، حنانيك لا تحرمينا من حفظك وحمايتك، لا تجفينا أيتها الأم الحبيبة، ولا تكلينا إلى عدوِّنا وعدوِّكِ يلعبُ بنا. ثقلت أعيننا لا تعرف النوم فانصرينا، انصري أبناءكِ وخلِّصيهم من شرور مردوخ، خلِّصينا حتى ننام مرةً أخرى بلا ضوضاء. قومي إليهم أيتها الأم، خذي بيدِ أعدائك إلى الفناء، أنزلي عليهم مقتكِ وغضبكِ وعقابك، ثوري عليهم أيتها الأم واتركيهم صرعى في الميدان، أرجعيهم إلى العدم، يا أمنا يا تيامت، ما لنا بعد اليوم سواك، فانصرينا انصرينا انصرينا‘. وقعَ الخطابُ موقعًا حسنًا في نفس تيامتْ، وما رضيت هذي المرَّة بالسكوت، وقالت لجمع الآلهة الوفود ’سيكون ما ترون، هي الحربُ، وآن أوان الانتقام، وإهلاك من أساء لنا، وأثار بالرياح العواصفَ والعُبابَ وزوابعَ التراب، من الماء إلى الماء، فهلمُّوا إليَّ يا أبناء‘. أقبلَ جمعٌ من الآلهة واتَّحدوا بها، آلهة أضمروا الشرَّ وعزموا على قتال الآلهة السُّلَّان. وتضامَّ الآلهة بعضهم إلى بعضٍ، والتَّفوا حول تيامت يحوِّطون بها من كلِّ اتجاه، التَّفوا في حلقة حول تيامت الإلهة الأم. غِضابٌ هم الآلهة ويدبِّرون للمعركة ليلَ نهارٍ، لا تغفو لهم عينٌ ولا ترتاحُ نفسٌ بسوى المكر الدفين، مجتمعون في حزبٍ عظيم، يرفعون الهممَ ويحضُّونها على الردى، ويحمسُّ كلُّ إله أخاه، قد أزفت ساعةُ الهيجاء، لا سكوتَ بعد اليوم ولا ركون إلى الهوان، يتميَّزون غضبًا ونار الوغى تعتلجُ في الصدور، وعقدوا مجلسَ الحربِ، تزعَّمته الأمُ هابور، وشرعوا في التدبير للمعركة الكبرى، لا غاية لهم سوى إعادة السكون إلى الماء، واستقرار هابور بعد انعدام القرار. انتفضتْ هابور وتكفَّلتْ بصنع السلاحِ والأعوان، فكان أولُ ما ولدته لإعانتها تنانين عملاقة، كلُّ تنين بحجمِ عشرة آلهة، لها من السَّمْتِ الرهيب ما يصهر الأفئدة في الصدور، ولا يقوى على النظر إليها سوى من كره الحياة، تنانين لها أنيابٌ مسنونةٌ كالظُبا، تقطعُ أقسى الأشياء وتخترقُ الأجساد والصخور، وأجرت في أجسادها السموم عوضا عن الدماء، وكست بحراشفَ تصدُّ كلَّ سلاح ويرتد حسيرًا من كلِّ اتجاه. وأنجبتْ حيَّات شوهاء، ألبستها ثوبَ الرعبِ وصورةَ الموت الزؤام، وكستها ألقَ الآلهة الرهيب، صنوانٌ هي الحيَّات لأعتى الإلهات. وخلقتْ غيلانًا من الماء لها أجسادٌ لا يحدُّ البصرُ أطرافها، وجهَّزتها بمخالبَ تقتلُ بضرباتها أشجعَ آلهة الماء. وبعثتْ مسوخًا فظيعة المرأى، ترتعدُ بحضرتها الآلهة وتجمدُ منها الأطراف. وصنعت أسودًا جبَّارة، أنيابها تمزَّقُ العنفوان الإلهي، وينزل زئيرها الهلعَ في صدور الآلهة الأبطال، ولا منجى إذا ما وثبتْ على الخصوم. وبرأت عفاريت لها أوجه كليحةٌ كالقار، وأجسادٌ تُرعبُ الأبصار، ولطماتٍ تطحن الأحجار. وخلقتْ شياطين شريرة، وحبتها خوارقَ الماء، لقبضاتها قوَّة مطارق من جبال، وشدَّة الطوفان إذا ضربت الماء، لها نواظرُ ظُلِّيمة تُمزِّق الحشى بداخل الأجساد، وتسلخُ الجلود عن اللحوم وتنزع اللحوم عن العظام. وولَّدت مخلوقات لا تعيها أذهان الآلهة، رجالًا أسودًا، ورجالًا عقاربَ، ورجالًا ثيرانًا، ورجالًا أسماك، لهم سيوف مشهورةٌ على الدوام، وأجسادٌ محميّةٌ بحديد الزرود والدروع، يعدو الرجالُ الأسود كالحيوان ويطفقون بسيوف عجيبة تشقُّ النورَ الإلهي وتظلمه، ويلدغُ الرجالُ العقارب بزُبانياتها قلوب الآلهة وتنضي عنهم التيجان، وينطحُ الرجال الثيران بقرون تبقر البطون وتذهبُ بسناء الألوهية وتشقُ الأوشحة مع الصدور، ويسبحُ الرجالُ الأسماك ويقضمون الأطراف من تحت الماء ويطعنون بالسيوف الأفخاذ ويأكلون الآلهة أحياء. هذا هو خلق هابور الأحد عشرَ المخيف، اجتمع لها منهم جيشٌ عرمرمٌ ليس له نكوص، يغلبُ أعداءه قبل الشروع في القتال ودخول الوغى، أمرها فيهم مطاع، ولا رادَّ لما تريد، وهم لها طائعون خاضعون ولقولها ممتثلون، الجيش الجبَّار فمنْ يقوم بوجهه ومن بمقدوره إيقاف زحفه المدمِّر. قالت هابور حين ولَّدت هذي الوحوش ’لكِ من القوى والرهبوت ما يشلُّ الأوصال، ومَن يراكَ يجمدُ فزعًا وينهار، إذا ما انقضضتِ على عدوِّكِ فما من تراجعٍ حينئذٍ ولا تقهقر ولا انهزام‘. 

أقامت تيامت مجلس الحرب الموعودة، حضره جيشها الجرَّار والآلهة العازمون على الإفناء. نصَّبتْ الآلهة الأم كينغو قائدَ الجيش الكبير، رفعتْ من شأن هذا الإله، فله الآن صار القرارُ، وقيادةُ الوحوش إلى الوغى، وإدارةُ مجلس الحرب، وطاعةُ الآلهة الأبناء، والزحفُ بالجيش إلى الهجياء، له الأمرُ بما رغب وشاء، وذلَّت له الرقاب، لكينغو الزعامة والسلطان، والملكوت والجبروت، والسيادة والملكوت، منحت كنيغو كلَّ سلطاتها، ووهبت له ما لم يكن يومًا لإله، وأجلسته على عرشِ كبير الآلهة، والكلُّ تنظرُ إلى هذا التتويج المهيب من آلهة ووحوش، وألبستُه تاج الألوهية، ووشَّحته بنطاق الألق الإلهي الخارق، وزيَّنت جيده بلوحِ الأقدار، إنَّ الماءَ والكونَ في مشيئتكَ يا كينغو، وبيمينك عُقدَ السلطان الأعلى، فهنيئًا لك هذا الاختيار. التفت الإلهة الأم إلى الآلهة الأتباع والوحوش وخطبت ’أزف يوم المعركة الكبرى، فتأهَّبوا أيها الآلهة الأبناء وأنتِ يا مخلوقاتِ الماء، ها هو ذا كينغو الإله الكبير توَّجته عليكم، وله الطاعة والولاء. نطقتُ لك يا كينغو باللفظِ الأقدس، والكلمة الأعظم، فأنتَ اليوم سيدُ مجمع الآلهة وقائد مجلسهم، وأنتَ فيهم المُؤَّمَر والمليك، وأنتَ قريني الوحيد، أنتَ وحدكَ اليوم شريكي وقائدُ هذ الجيش العرمرم الرهيب. ليتمجَّد اسمُك فوق الماء، وليلهج بذكرِك الأنوناكي جميعًا بلا انقطاع. في يمينكَ لواء الحرب وفي شمالكَ هلاك مردوخ مهيِّج العواصف الهوجاء، ويزيِّن عنقك لوح الأقدار فمُرْ جيشكَ بما تريد واؤمرِ الآلهة بما تشاء، كلمتُكَ في الكون ماضية؛ كُنْ تَكُنْ. خذ بيدنا إلى النصر وأعد إلى الماء السكون ولتتلاشَ باسمكَ الرياح وتركدُ زوابعُ التراب. أيها الآلهة الأبناء لكم وهبتُ نصرةَ الماء، وستطفئون بفتحِ أفواهكم ألظى النيران، وتخمدُ بسلاحكم ألسنة النار، ويخبو بعظمتكم اللهب الحرَّاق. سيغلبُ سُمُّكُم النقيع ظلمَ الآلهة ويقهرُ جبروتَ الأعداء‘.   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى