التراث الأدبيالتراث العالمي

مسخ الكائنات (Metamophorses) – أوفيد 

عاش الشاعر الروماني بوبليوس أوفيدوس ناسو المعروف بـ أوفيد في روما وتوميس ما بين 43 ق. م. سنة مولده و17-18 م سنة وفاته. وهو ثالث ثلاثة شعراء الرومان المبرَّزين، رفقة أعظم شاعر روماني فرجيل، صاحب الإنيادة، والشاعر هوراس، وهم الشعراء الأوغسطسيّون الذين عاصروا الإمبراطور الروماني أغسطس (63 ق. م. – 14 م) وأنتجوا في عهده أعظم أعمالهم الأدبية إذ كان راعيًا للأدب والشعراء. كتب أوفيد عدة مؤلفات شعرية ابتداءً بغزلياته وديوان البطلات ثم فن الهوى، الكتاب الذي جلب عليه نقمة أغسطس بعد أن أُوِّل بغير هدف الشاعر ومسعاه في تعليم الشبَّان والبنات فنون الحب والغرام بعد أن نشره في سنة 1 م، فنفي في سنة 8 م إلى مدينة توميس وهي ذات سنة كتابته أعظم مؤلفاته الشعرية والأدبية، كتاب مسخ الكائنات أو التحولات. استمرَّ أوفيد في منفاه بالكتابة وكان للمنفى والظلم الذي تعرَّض له كما اعتقدَ أثرٌ في كتاباته، ويشير ثروت عكاشة، في مقدمته لهذا لكتاب مسخ الكائنات، إلى التماس الشاعر العفو من الإمبراطوار لكنه لم ينله قط كما في كتابيه “المنظومات الحزينة” و”رسائل إلى بونتس”، ومن كتبه في المنفى أيضًا كتاب “إيبس”. نُسبت إلى أوفيد أعمال زائفة مثل “تعزية إلى ليفيا” و”عن الصيد” و”شجرة الجوز وغيرها”. لكن أهم مؤلفات أوفيد هي كتاب فن الهوى، وعلاج الهوى، ومسخ الكائنات، وأهمها على الاطلاق “مسخ الكائنات” الذي ترك تأثيرًا جليلا في العصور اللاحقة له فانحنى لسلطانه دانتي أليغييري وبوكاشيو وجيوفري تشوسر ووليم شيكسبير، ولعلَّ خاتمة الكتاب توحي بمدى ثقة الشاعر بكتابه والمديات التي سيبلغها والتأثيرات التي سيطبعها في الناس فنقرأ: 

ها أنذا قد فرغتُ من كتابي،

هذا الكتاب الذي تعجز غضبة جوبيتر الجبار عن أن تمحو أثر،

وتعجز النار والحديد بل وأنياب الزمن العاصف أن تطمس كلماته.

ولتضع الأقدار -ما شاءت- خاتمة لحياتي، 

فهي لا تملك إلا جسدي، 

أما أنبل ما في ذاتي فسينطلق خالدا فوق مسرى النجوم والأفلاك، 

وسيبقى اسمي مشرقا ما بقي الدهر.

وأنّى يبسط سلطان الدولة الرومانية، 

فلسوف تردد ألسنة الناس شعري، 

وإن صدق إحساس الشعراء فلسوف أخلد باقيا على مر العصور علما خفّاقا شهيرا.

يشي هذا التحدي الذي يفرضه أوفيد على آلهة كتابه الأسطورية وأنياب الزمن التي تعضُّ أغلب الأشياء وتُخلِّفها مجهولة- برجل واثق من نفسه وما أبدعه وعظمة ما كتبه فهو لا يزن نفسه في مقياس الأثر الآني أو المعاصر أو حتى اللاحق بقليل بل يضع نفسه في مصآف الشعراء العظماء الخالدين مثل هوميروس وأثريه الأبديين، الإلياذة والأوديسة، وأكثر ما يثير الإعجاب في أوفيد هو تحقق ما قاله وأمله وصدق إحساس الشاعر. 

*

يُلخص هرمان فرانكل، كما يورد ثروت عكاشة، أهمية كتاب أوفيد في ثلاثة محاور رئيسة: 

– أول محاولة لأوفيد في قص قصصا بطريقة فنية متصلة لها بداية ووسط ونهاية، بأسلوب يُوحي بأن أجزاء الكتاب متصلة ببعض مع أنها تقص أساطير متعددة الزمان والمكان والأشخاص.  

– يرجع موضوع التحولات إلى نظرته نحو الكون التي اكتسبها من شغفه بالقصص الأسطوري وما فيها من إثارة للخيال وفتنة للأبصار وسحر للألباب، فيسبغ على قصصه طابعا أسطوريا فلا تكاد تعرف شخصياته الموت. 

– إن قراءة النص الدقيقة تبيّن أن أوفيد يقر بعبادة الآلهة لكنه لا يظن كسائر الناس بأن الآلهة منشغلون في العُلا غير مكترثين بالبشر في الأرض، على العكس مما بدت عليه عقيدته في كتاب “فن الهوى” إذ ظهرت أقرب إلى اللا أدرية.

استمر تأثير أوفيد حتى يومنا الحاضر ففي القرون الوسطى كان كتابه شاخص الحضور وقوي التأثير حتى تضمن عنوانه عبارة “إنجيل الشعراء” بين الفرنسيين و”إنجيل المصورين” بين الألمان. ولم يقتصر تأثيره على الأدباء فحسب بل والفنانين أيضًا الذين وجدوا في كتابه ضالتهم المنشودة بقصصها الفاتنة وتصاويره البارعة ورسمه لوحاتٍ دقيقة التفاصيل بكلماته مما ساعدهم على تصوِّر المكان والشخصيات ونقلها إلى لوحاتٍ هي الأخرى لا تقل تميُّزًا وفخامة عن قصص أوفيد. 

تحولات أوفيد

يرتكز كتاب أوفيد على مفهوم التحول، الانتقال من هيئة جسمانية إلى هيئة جسمانية أخرى مع الاحتفاظ بالوعي الأول في أغلب الأحيان، وهو ذات مفهوم التناسخ تقريبا الموجود في جُلّ الأديان الهندية كالهندوسية والبوذية والسيخية التي تنص على انتقال الكائن الحي بعد موته إلى كائن حي آخر نبات أو حيوان أو حتى إنسان، وهكذا يبقى الكائن حي خالدًا في تنقلاته. ولا يقتصر التحول على دين أو معتقد دون سواه وأمة دون أخرى، فغالب المعتقدات والأساطير والحكايات الشعبية تمتلك قصصًا وتصوراتٍ عن التحول، سواء كان تحوِّلا مؤقتًا أو دائمًا، أو تحوِّلا حقيقيا أو مجازيا، والأمثلة كثيرة تفوق الحصر في هذا الموضوع.  عرض أوفيد في القسم الخامس عشر من تحولاته أصل فكرة كتابه ومغزاها في موعظة بيثاجوراس “أقول لكم إنه ليس في الكون كله ثمة شيء ثابت، فكل شيء في تغير مستمر يسيل كالماء، وأشكال الكائنات عارضة، والزمن نفسه يمضي منسابا وكأنه النهر بل أسرع لأن ساعة الزمن العجلى لا تستطيع التوقف ولو شاءت”. ويقول “إن السماء وكل ما تحتها يتغير، وكذلك الأرض وما تضمه، ونحن كذلك جزء من الكون لأننا لسنا أجسادًا فحسب، بل نحن كذلك أرواح مجنحة تستطيع أن تجد لها مأوى في أجساد الحيوانات المفترسة والأليفة”. إذًا، ففكرة التحول التي عرضها أوفيد ليست مقتصرة على المخلوقات البشرية أو الإلهيّة الأسطورية بل شاملة لكل ما في هذا الكون، فيبدأ القسم الأول بذكر نشأة العالم والتحول من الفراغ إلى الوجود ثم ظهور الكواكب والأجرام السماوية، وبعدها ظهور الإنسان، وهو تحول من العدم إلى الخلق، وتغير الزمان بدءًا من العصر الذهبي ثم الفضي ثم البروزني ثم الحديديّ، وهكذا فإن التحول عام وغير مقصور أو محدد. لهذا السبب فإني لا أتفق على ترجمة عنوان الكتاب  The Metamophorses إلى “مسخ الكائنات” فإن غرض أوفيد أوسع مدًى من أن يربطه بالكائن الحي وتحولاته من حالة جسمانية إلى أخرى، فقد عنى كل شيء في هذا الوجود يتحول من حالٍ إلى حالٍ. وتنوع الأساطير، مع تركيزها على تحولات الكائنات الحية، دليل على التحول العام لا الكائنيّ الخاص. فتعددت التحولات في الكتاب على أنواع مختلفة منها: 

تحولات الخلق من العدم إلى الوجود، وتحولات الزمان وتغيره وتغيرات العالم الأرضية الجغرافية والمناخية نفسه كغمر الأرض بالماء وغَيْض الماء والعودة إلى اليابسة، وتحوّل زيوس والآلهة وتمظهرهم بهيئات بشرية أو حيوانية، تحول البشر إلى آلهة أو نجوم أو بحيرات وجزر أو أشجار أو أزهار أو وحوش أو حيوانات أو طيور أو صخور أو تماثيل، وكذلك تحول الجماد إلى بشر والسفن إلى حوريات، وتحول الرجل إلى امرأة أو العكس أو إلى خنثى، أو العودة “تحول” إلى سن الشباب، وتحول الأشياء من حالة إلى أخرى كما مع ميداس الذي يحول كل ما يلمسه إلى ذهب. 

يشير التحول هنا إلى عدم بقاء الشيء على حاله في هذا العالم، وأننا في حالة مستمرة التغيِّر فنخلق من العدم ونُولد رُضَّعًا فنمر بطفولة وصبا وفتوة وشباب وكهولة وشيخوخة ثم موت وبعدها حياة أخرى -في الأقل كما نؤمن نحن-. والعالم حولنا يتغير فلو نظرنا إلى آخر قرن كم تغيَّر هذا العالم بطبيعته وتضاريسه ومناخه وجغرافيته وسياساته واقتصاده ورياضته وعلومه وصناعاته فوصل التغيير إلى علاقة البشر فيما بينها. لم يرد أوفيد عرض التحوَّل الجسماني الخاص إنما أراد التغير وعدم الثبات في هذا العالم وعلى لسان بيثاجوراس “أقول لكم إنه ليس في الكون كله ثمة شيء ثابت، فكل شيء في تغير مستمر يسيل كالماء” نعم لا وجود للثبات بل التغيُّر هو جوهر العالم وحركته هي طبيعته.  

*

إنَّ التحول في كتاب أوفيد ليس ذاتيًّا ولا تناسخًا بالمفهوم المتعارف عليه لأنه مرتبط بالآلهة رضًا أو سخطًا فيكون التحول نتيجة لذلك ثوابًا أو عقابًا أو خلاصًا من ألم وحزن، وتتغير دوافع التحويل مع كل قصة، وغالبًا ما يكون محرِّكها الأول الحب الذي تكنه الآلهة لأحد المخلوقات أو الحب بذاته الذي يكن المرء لذاته فيرى نفسه أفضل من الآلهة فيجلب سخطها عليه أو الحب بين المخلوقات نفسها وما تولده عاطفة الحب من مكاسب أو تجره على أصحابها من مصائب، فاقتُرنَ بالحبِّ إما بتحول يرتقي إلى خَلْقٍ أعلى وإما ينحدر إلى خَلْقٍ أدنى. إضافة إلى أن التحول دائمي ومؤقت فارتبط الدائمي بالتحوّل غير الذاتي الذي تمر به المخلوقات والمؤقت بالتحوّل الذاتي وهو خاص بالآلهة وحدهم. ساعد تصوير الآلهة تصويرًا بشري الصفات والواعز كالحب والكره والغضب والرضا إلى غير ذلك من صفات- على إبداع بيئة تتفاعل فيها الآلهة مع المخلوقات فتكون قريبة منها ومتداخلة معها كأنها فعلا جزء من هذا العالم الذي تجري فيه قصص التحول، وزادت طبيعة الآلهة النزِقة والغضوبة على جعل تحوّل المخلوقات جزءًا من طبيعة العالم الأوَّل، إذ الآلهة في بداية الخلق والتكوين قريبة من مخلوقاتها لكنها بمرور الزمن تنحسر مبتعدة ونائية بنفسها عن الناس ومكتفية بعالمها السماوي كما يتضح لنا الفرق في ملحمتيْ هوميروس، بيد أنَّ أوفيد لم يصل إلى هذه المرحلة التي تبتعد فيها الآلهة فقد ركز على الزمان الأوَّل حيث الآلهة جزء من عالم البشر لأن التحوَّل لا يتم إلا بهم وبسببهم. وتتنوع أسباب التحول الفرعية فالآلهة تسخط على الذين لا يستجيبون لها أو لا يوقرونها فيحولونهم إلى حيوانات أو طيور، وأحيانا تعاقب الظالمين على ظلمهم أو على تعديهم المحرمات وانتهاكهم لها، وأحيانا يكون السبب لترضيتهم على ما سببته لهم الآلهة من سوء أو رحمةً بهم حين تُخلِّصهم من آلامهم أو حزنهم من فراق من تحبهم.  

*

جمع أوفيد في كتاب التحولات أساطير السابقين في قصيدة شعرية قصصي من 12 ألف بيت تقريبا غايتها التدوينية جمع الأساطير في كتاب واحد منذ بداية الخلق إلى عصر أوفيد وربطها مع بعض بأسلوب سردي كأنها متسلسلة مع أنه لا رابط بين الكثير منها، فينظمها أوفيد كحبات لؤلؤ في سلك بحذاقة وإبداع. فنوَّع في أساليبه فاستخدم الحكاية الإطارية في القص فتتناوب عدة شخصيات على حكي قصص التحول، واستخدم أسلوب القصة داخل القصة، والقصة المرتبطة بقصة أخرى واستعان بهذا الأسلوب في الربط بين أقسام كتابه الخمسة عشر وقصص كل قسم. كما استخدم أسلوب الالتفات في القص ومخاطبة الغائب بضمير المخاطبة، وهو أسلوب هوميروسيّ، وأسلوب الاستباقية وعرض المآل قبل وقوع القصة أو الاسترجاعية. فكان لكتابه الأثر الكبير والتأثير الجليل فيمن أتى خلفه فكانت أساطيره مادة استثمرها الأدباء أو استخدمها كما هي مع إجراء التغييرات اللازمة لتوافق عصرهم كما في مسرحية روميو وجوليت لشيكسبير التي هي أسطورة بيراموس وثيزبي. وجمع هذه الأساطير في كتاب واحد مكتوبًا في قصيدة قصصية محلميّة بحد ذاته عمل عظيم نقل به أوفيد حكايات وأساطير السابقين إلى اللاحقين، فها نحن بعد أكثر من ألفي سنة على تأليفه الكتاب نقرأه ونستعين به ونكتب عنه فأيَّ مبلغًا يُمكن أن يبلغه الكاتب أكثر من هذا فيبقى ما كتبه لا خالدًا فحسب بل ذو نفع وفائدة لمن يأتي بعده ويقرأه، كل هذا يكشف لنا عن نقطتين رئيستين: أهمية جمع الأساطير في كتاب واحد، والأسلوب والآلية اللذان دُوَّنت بهما كل حكاية وأسطورة في الكتاب.

*

مع كل إبداع أوفيد في تحولاته بكونه أوَّل من ألَّف كتابًا خاصًا بموضوع التحول، حسبما أعرف، فهو ليس الأول الذي تناول موضوع التحول في كتاباته فقد سبقه بذلك هوميروس في ملحمتيه الشعريتين ولا سيما الأوديسة، إذ الساحرة سرسي مشهورة في مسخ من يصل إلى جزيرتها وتحويلهم إلى حيوانات تحجزهم لديها كما حدث مع رفاق أوديسيوس ولولا معونة الآلهة لأوديسيوس ومنحه العشبة لتناولها وإبطال تعويذة المسخ لما استطاع النجاة منها، وكذلك مساعدة الإلهة أثينا لأوديسيوس بتحويله إلى شيخ عجوز متسول بعد أن وصل إلى جزيرته إيثاكا من أجل أن ينتقم من الخطَّاب الذين احتلوا منزله وضايقوا زوجه وتآمروا على قتل ابنه. ونجد التحوَّل كذلك في ملحمة المهابهارتا الهندية بتمظهر الآلهة بهيئة الحيوانات أو البشر. وقد أفرد لوكيوس أبوليوس كتابا عن التحول هو “الحمار الذهبي” أو “تحولات أبوليوس” إذ يتحول أبوليوس الشغوف بالسحر إلى حمار مع احتفاظه بوعيه وتبدأ سلسلة من المغامرات تنتهي بعودته إلى حالته البشرية الأولى. وبقيت ثيمة التحول حاضرة في الأدب العالمي ولم يكن أدبنا العربي في منأى عنها وقد وردت قصص عديدة في ألف ليلة وليلة كان التحول حاضرًا فيها ولم يكن تحولًا عابرًا أو مقتصرًا على نوع واحد بل متعدد الأسباب ومتنوع الحالات.

*

ختامًا، هل يكشف كتاب التحولات عن معتقد أوفيد كما يذكر هرمان فرانكل بأن أوفيد يقر بعبادة الآلهة. ثمة اتجاهات عقائدية متعددة في الكتاب منها ما جاء على لسان الشاعر الكاتب لهذه القصص ومنها ما جاء على لسان الشخصيات. فأن يكون أوفيد مقرًّا بعبادة الآلهة بسبب حضورهم في الكتاب فذا غير مقنع لأن تحول المخلوقات في الأساس مرتبط بالآلهة، وهو يجمع أساطير التحول القائمة على وجود الآلهة واشتراكهم بها فوجودهم ليس خيارًا يمكن أن يتجنبه أوفيد بل أساس من أسس بُنية الأساطير المذكورة. على أي حال، فإن أوفيد يقول الكتاب الأول من التحولات:

– وما أن فرغ الإله -أي إله كان- من هذا التقسيم والتنسيق لتلك الكتلة المتراكمة التي لم تكن على شكل ما..

فهذا اللا اكتراث أو اللا أدرية يُمكن أن يدل أيضًا على معتقد أوفيد بعدم تمييز إله محدد ومعتقد معين به يربط الخلق والعالم به. ويقول على لسان إحدى شخصياته: 

– على أن كل إنسان هو في النهاية إله نفسه…

وها هو هنا قد يوحي أيضًا بمعتقده الوجودي وعدم إيمانه بالآلهة وأن الإنسان هو المسؤول عن أفعاله وحياته دون أن يلتزم بما شرَّعته الآلهة أو ينتظرها لتحدِّد كيف يعيش حياته.

ثم في الكتاب الأخير على لسان بيثاجوراس في موعظته التي يؤمن بها بالتناسخ فيقول من جملة ما قال:

– إن كل شيء يتحول ولكنه لا يفنى، وإن نسمات الحياة تمضي في الكون من هنا إلى هناك تضم من الأطراف ما تشاء، وتنفذ إلى جسد من تختار. قد تكمن في جسد حيوان ثم تدعه إلى جسد بشر، وهذه النسمات التي تبثُّ فينا الحياة قد تنتقل منا إلى الحيوان دون أن تفقد ذاتيتها، فهي كالشمع المرن الذي يتشكل صورًا جديدة مختلفة ولا يبقى على شكل ثابت ومع ذلك لا يفقد طابعه. أقول لكم إني أومن أن الروح تبقى هي هي دوما مهما حلت على أجساد مختلفة… 

فهو قد يكون هنا مؤمنا بالتناسخ ولا فناء الروح. إضافة إلى احتمال الإقرار بتعددية الآلهة، يصبح لدينا في النص أربعة احتمالات عن معتقد أوفيد، كلٌّ منها يجد ما يدعمه في النص ومن المحتمل جدًا أنَّ هذه المعتقدات تفرضها طبيعة القصة المتناولة وسياقها ومعتقد شخصياتها وليس بالضرورة أن يكون أوفيد تقمَّص شخصياته ليعبِّر فيها عن معتقداته. وإن كنتُ مُختارًا احتمالًا فسأختار احتمال التناسخ لأنه متوافق مع فكرة الكتاب عن التحول لكنه معتقده الديني وفقًا لما يطرحه كتابه هذا لا غير وليس ثمة يقين إلا بدليل قاطع يُثبت به معتقد أوفيد بعيدًا عن تأويل المعتقدات الدينية المطروحة في كتابه الخيالي. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى