التراث الأدبيالتراث العربي

نزهة في رسالة الغفران

إنَّ رسالة الغفران للأديب واللغوي والشاعر الفيلسوف النابغ أحمد بن عبد الله المعروف بأبي العلاء المعري- واحدة من أفضل الأعمال الأدبية العربية على مر العصور، بل والأدب العالمي فهي تسبق الكوميديا الإلهية لدانتي في رحلته إلى العالم الآخر.

كتب المعري رسالةً ردا على رسالة وصلته من الأديب الحلبي علي بن منصور المعروف بابن القارح، ورسالة الأخير عُرفت برسالة ابن القارح، أرسلها إلى شيخ المعرة، ذاكرا له فيها أحواله وترحاله، وطائفة من أخباره وعصره ومن فيه من الملاحدة والزنادقة، وفيها مقتطفات من الشعر والحكم والنثر المسجَّع اللطيف. وهي رسالة أدبية ولغوية وشعرية وإخبارية. يرد المعري على رسالة ابن القارح برسالة مكونة من جزأين الأول، وهو المشهور -وموضوع مقالتي- حين أرسل المعري علي بن منصور ولقَّبه الشيخ في رحلة إلى الجنة والنار والمحشر، وفي الجزء الثاني من الرسالة أجاب فيها عن رسالة ابن القارح، وهي رسالة لا تقل أهمية من الجزء الأول لمضمونها اللغوي والأدبي والشعري والإخباري عن أحوال العصر ورجاله ولا سيما من الملاحدة والمجّان والزنادقة من حلولية وصوفية متطرفة وشعراء فسقة، وقد بلغ حجم هاتين الرسالتين ستة أضعاف رسالة ابن القارح تقريبا.

أعود إلى الجزء الأول من رسالة الغفران لأبي العلاء، إن أهمية هذا النص الأدبي تكمن في اتجاهين رئيسين: الأول قيمته الأدبية والفكرية والآخر أسبقيته وتأثيره. سبق نصُ المعري الكوميديا الإلهية للإيطالي ابن فلورنسا دانتي أليغييري،عبّر الشيّخ -وهو علي بن منصور ابن القارح- عن أفضلية الأسبقية والسبق إلى فكرة ما حين يحاور الشاعرَ عدي بن زيد ويذكر له أن شاعرا عربيا مسلما قد نظم على وزن قصيدة له فيقول الشيخُ لعدي: إلا أنك يا أبا سوادة أحرزت فضل السبق.

والمعري قد أحرز فضل السبق على دانتي. لكن الأمر لا ينتهي في السبق فقط بل والتأثير كذلك، ويفصّل عمّر فرّوخ في كتابه “أبو العلاء المعري (الشاعر الحكيم)” في ذكر التأثير، وأنقل هنا أوجه الشبه والتقليد التي ذكرها فرّوخ ومن أحب الاستزادة في هذا الموضوع ليرجع القارئ إلى الكتاب المذكور، والنقط التي ذكرها فرّوخ:

1- كلا الشاعرين اتخذ رسالته سبيلا إلى إظهار مقدرته الأدبية واللغوية وإبراز معرفته بالتاريخ، وإلى التعبير عن فلسفته الدينية.

2- كلا الشاعرين اتَّخذ من الأشخاص الذين لقيهم هنالك من البشر المعروفين في أيامه أو قبل أيامه أو من الجن.

3- كلاهما جعل أهل الجنة جماعات جماعات، وجعل أهل النار أفرادا أفرادا.

4- كلاهما وقف على الأشخاص الذين لقيهم يحادثهم في أمور جرت لهم في الدنيا وصاروا إليها في الآخرة، ولقد قلّد دانتي في ذلك المعري تقليدا تاما…

5- يدهشك أن ترى “المطابقة” التامة بين دانتي وأبي العلاء حين يأتيان إلى قوم قد خفف الله عنهم العذاب أو بعضه.

ولفرّوخ إسهاب في الموضوع أكثر.

وهنا لا يغيب عنا أن المصدر الرئيس لرحلة النيران والجنان مستوحاة ومقتفاة من رحلة الإسراء والمعراج للنبي الأمين (صلى الله عليه وسلم)، التي ذكرها الله في سورة الإسراء، وذكرتها بعض الأحاديث، وقد كثرت الأحاديث الضعيفة والموضوعة والإسرائيليات عن/ في هذه الرحلة، والتي كان لها الأثر الكبير والواضح الذي لا يقبل الشك في أبي العلاء ورسالته وفي دانتي. ويخصص آنخيل جونزاليز بالنثيا في كتابه تاريخ الفكر الأندلسي موضوعا كاملا بعنوان “دانتي والإسلام” كشف فيه ناقلا بحث الأستاذ ميجيل آسين بلاثيوس في كتابه “الأصول الإسلامية للكوميديا الإلهية”، وهو بحث شائق، تبرز المطابقة والنقل في الكوميديا الإلهية من المصادر الإسلامية كرسالة الغفران والأحاديث المتعلقة برحلة المعراج المترجمة إلى اللاتينية والبروفنسية التي عثر عليها المختصون، وللإطلاع أكثر الرجوع إلى الكتاب المذكور “تاريخ الفكر الإسلامي”.

نعود إلى قيمة نص المعري الأدبية والفكرية، تبرز قيمة النص من عدة نقاط منها:

– قدرة المعري الخيالية وكيف بعث بمُراسله برحلة إلى العالم الآخر ليكشف له عن مصير الكثير من الناس ولا سيما الشعراء والنحويين سواء في الجنة أو السعير، وعدَّ كثير الدارسين أن هذا النص عبّر فيه المعري عن سعة رحمة الله، وأن الحكم على من اشتهر بالزندقة والفسوق لا يصح حتى وإن مات قبل الإسلام أو مات على ما اشتهر به.

– مكانة المعري اللغوية والأدبية والنقدية والشعرية وتمكنه منها ذاك التمكن المشهود له بالإبداع والإصالة، ومعرفته بالرجال والشعراء وأخبارهم وحتى خلافاتهم، الأمر الذي مكّنه من إدارة دفة الحوار والنقاش بجاذبية وتشويق، كما عندما حاور الشيخُ الشاعرَ عدي بن زيد العبادي وطلب منه أن ينشده قصيدته التي مطلعها:

أبلغ خليلي عبدَ هندٍ فلا *** زلتَ قريبا من سواد الخُصوص

فينشده عديا، فيجيبه الشيخ أن أديبا من أدباء الإسلام نظم قصيدة على هذا الوزن، وهو المعروف بأبي بكر بن دريد، ثم يقرأ له أبياتا من شعر ابن دريد، ويعلق قائلا:

إلا أنك يا أبا سوادة أحرزت فضل السبق.

– يستخدم المعري الشيخَ في مساءلة الشعراء ليبثَّ نقوده في الشعر، ويصوّب رأيه ويرجّحه على أقوال الرواة، وينتصر لنفسه بحضرة الشعراء القائلين للأبيات جاعلا إياهم الحكم. وكذلك يتأكد من الشعر المنحول والمنسوب إلى الشعراء، فيعترف الشاعر كما فعل أعشى قيس في أبيات مطلعها:

أمن قتلة بالأنقا ** ء دارٌ غير محلولة

بأن هذا الشعر لم يصدر عنه.

ويساءل الشيخ الشعراء لماذا قلت كذا في مدح فلان كما سأل النابغة الذبياني في أبيات قالها للنعمان بن المنذر:

زعم الهمام بأن فاها بارد ** عذب إذا ما ذقته قلت ازددِ

زعم الهمام ولم أذقه بأنه ** يُشفي ببرد لثاتها العطشُ الصدي

يكثر علي بن منصور، مساءلة الشعراء والاستفسار عن صحة شعرهم وما نُسب إليهم، وما عنوه في هذا البيت وذاك، وما وجه الصحة في هذه اللفظة أو تلك، حتى يكاد يكون النص كله كأنه قد كُتب لأجل مساءلة الشعر ونقد شعرهم لتتضح للقارئ مقدرة المعري الأدبية ومعرفته بالشعر والشعراء واللغة ومسالكها.

– إن النص مبني بحبكة، سواء في تفصيله لفصول الرحلة (الجنة – المحشر – النار) أو تفصيل كل رحلة في الجنة والنار، إذ تبنى الأحداث تصاعديا، لتتضح سمات قصة متكاملة مادتها الأدب واللغة وثيمتها الحياة الآخرة، أو في الأساليب السردية إذ استخدم أسلوب السرد غير المتجانس، والخطاب المباشر الداخلي وتدخلات السارد الخارجي (الراوي العليم)، وتعدد مستويات السرد، واستخدام أسلوب الاسترجاعية (الفلاش باك)، وهذه تفاصيل وتسميات عُرفت حديثا بعد أن تطور النقد والدراسات البنيوية والسردية، أو التأني في الكشف عن هويته الشيخ إلى أن كان في أرض المحشر فإن الشيخ يبقى مجهول الهُوية عند القارئ حتى يكشف عنه المعري في وسط الرسالة (النص)، وإن كان المعري قد كتبها إلى ابن القارح، ويعرف المُخاطَب أن الشيخ المقصود هو ذاته علي بن منصور*، لكن قراءة الرسالة دون معرفة أنها رد توضح هذه المزية في النص وانتقاله من الستر إلى الكشف عن الهُوية، أو الأدلّاء الذي يقودونه في الجنة وحظي الشيخ في الجنة بدليلين هما عدي بن زيد وملك من الملائكة.     

***

يستفتح المعري بعد أن قدّم في الرد على رسالة ابن القارح بسرد راوٍ عليم عن رحلة الشيخ في الجنة فيقول:

فقد غُرس لمولاي الشيخ الجليل -إن شاء الله- بذلك الثناء غرسٌ في الجنة لذيذُ اجتناء…

ثم يُكمل بعدها الوصف وما فاز به الشيخ.

ونلاحظ هنا أن الرسالة  تبدأ بسرد غير متجانس بضمير الغائب يرويه الراوي العليم “أبو العلاء” السارد الخارجي، عن الشيخ الجليل، علي بن منصور الحلبي، وهو يمضي في الجنة يمضي ويرى أحوال أهلها وحالها، ويلتقي الشيخ بعدد من أهل الجنة -سأذكر أسماءهم كاملة وأسماء من التقى بهم الشيخ في الجنة والنار في آخر المقالة- ما بين رجال ونساء وحيوانات وجن وملائكة، ليذكر بعدها علي بن منصور لتميم بن أبي قصته في أرض المحشر وكيف شفع له النبي ودخل الجنة، ثم ذهابه ولقائه بأحد الجن وهو الخيتعور ثم رحلته إلى النار ولقائه بعدد من أهلها الشعراء ثم عودته إلى جنته حيث يستلقي الشيخ وسط النعيم والحور وينتهي الجزء الأول من الرسالة.

***

ومن أحاديث الشيخ ومحاوراته  تبرز العديد من العلامات السردية في هذه الرسالة والبنيوية في حبكة النص.

– فالشاعر ميمون بن قيس الأعشى الذي دخل الجنة لكنه حرم خمرها بعد أن أراد الإسلام فصدته قريش وحبه الخمر، فشفع له النبي بشعر يقول فيه

ألا أيهذا السائلي أين يمَّمتَ ** فإن لها في أهل يثرب موعدا

فآليتُ لا أرثي لها من كلالة *** ولا من حَفًى حتى تلاقي محمدا

إلى آخر الأبيات

– أما زهير بن أبي سلمى المزني، وكان قد مات في الجاهلية لكنه دخل الجنة لأنه كما يقول:

كانت نفسي من الباطل نفورا، فصادفت ملكا غفورا، وكنت مؤمنا بالله العظيم، ورأيت فيما يرى النائم حبلا ينزل من السماء، فمن تعلق به من سكان الأرض سلم فعلمت أنه أمر من الله، فأوصيت بني وقلت لهم عند الموت: إن قام قائم يدعوكم إلى عبادة الله فأطيعوه، ولو أدركتُ محمد لكنت أول المؤمنين، وقلت في الميمية، والجاهلية على السكينة والسفه ضارب بالجران:

فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ** ليخفى ومهما يُكتمِ اللهُ يعلمِ

يؤخر فيوضع في كتابٍ فيدخر *** ليوم الحساب أو يعجل فينتقم

– وأما عبيد بن الأبرص فيعرف الشيخُ أن سبب خروجه من الهاوية ودخوله الجنة بيت شعر قاله وسار في آفاق البلاد وهو:

من يسألِ الناس يحرموه *** وسائلُ اللهِ لا يخيبُ

– وأما عدي بن زيد العِبادي، فقد كان مؤمنا بالمسيح ويقول له: من كان من أتباع الأنبياء قبل أن يُبعثَ محمد فلا بأس عليه. وهو الذي أصبح أول دليل للشيخ في الجنة.

*

– وفيما يخص السرد والرواة، نلاحظ في غمرة السرد أن الشيخ يختفي كونه شخصية وجهة النظر (التي يعي القارئ عبرها المَشاهد ويرى الجنة) ويصبح السارد الخارجي “المعري” هو ذاته الناطق بلسان الشيخ “المختفي” ويتماهيان في سارد واحد، كما حدث في الحديث الذي جرى ما بين نابغة بني جعدة أبي ليلى والأعشى أبي بصير، ليتحول الحوار إلى نزاع ما بين الاثنين، وهنا نواجه هَنتين الأولى في البنية السردية باختفاء الشيخ وحضوره السردي، ويحل محله السارد الخارجي، والثانية في مخالفة الخبر الإلهي القائل بانتزاع الغل والعداوي في الجنة، وما حدث بينهما لا يحدث في الجنان، يقول تعالى “ونزعنا ما في صدورهم من غلٍ إخوانا على سرر متقابلين”.

– ويقتحم السارد الخارجي النص أحيانا متحدثا بأسلوب السرد الحر غير المباشر عما يدور في فكر ونَفْسِ الشيخ (شخصيته الرئيسة) ويتحول السرد من سرد الخارج إلى سرد الداخل:

وهو -زيّن الله الآداب ببقائه- يخطر في ضميره أشياءُ، يريد أن يذكرها لحسّان وغيره ثم يخاف أن يكونوا لما طلب غير مُحسنين فيضرب عنها إكراما للجليس.

ويبرز الراوي العليم في موضع آخر:

ويميل من خطاب أهل النار، فينصرف إلى قصره المشيد، فإذا صار على ميل أو ميلين، ذكر أنه ما سأل عن مهمل التغلبي، ولا عن المُرقَّشَين، وأنه أغفل الشنفري، وتأبط شرا، فيرجع على أدراجه، فيقف بذلك الموقف ينادي: أين عدي بن ربيعة؟ فيقال: زد في البيان. فيقول الذي يستشهد النحويون بقوله:

ضربت صدرها إليَّ وقالت: *** يا عديا لقد وَقَتك الأواقي

وكذلك كما يحكي عنه فيكتب:

فيقول في نفسه: قد علمتُ أن الله قدير.

– ويتدخل الراوي العليم في شرح مقصد شخصيته الرئيسة في النص، كما حدث في حديث الشيخ مع علقمة بن عبدة:

“فيقول: أعْزِزْ عليَّ بمكانك! ما أغنى عنك سِمطا لؤلؤك، يعني قصيدته التي على الباء:

طحى بك قلبٌ في الحسان طروب والتي على الميم

هل ما علِمت وما استودعتَ مكتوم

– وقد يغيب الراوي العليم ويندمج مع شخصية وجهة النظر في خطاب مباشر بضمير الشخص الأول كما في:

فليت شعري ما فعل عمرو بن كلثوم، فيقال ها هو ذا من تحتك، إن شئت أن تحاوره فحاوره.

فهنا المتحدث لا يبين هل هو المعري أو ابن القارح، أو أنهما الاثنان، وكما حدث في مساءلته عمرو بن كلثوم فيقول:

هل يجوز نصب شمطاء؟ فلم يُجب بشيء، وذلك يجوز عندي من وجهين: أحدهما على إضمار فعلٍ دلَّ عليه السامع معرفته به…

ويقصد السائل هنا البيت:

ولا شمطاء لم يترك شقاها *** لها من تسعة إلا جنينا

لا نعرف السائل هنا أيهما؟ الأرجح أن كلاهما واحد وهو أبو العلاء المعري، الكاتب لهذا النص.

– ويظهر لنا تعدد مستويات السرد، وتعدد الساردين، وتحول الشخصية الرئيسة إلى سارد داخلي، عندما يحكي الشيخ ابن القارح عن حاله في المحشر وكيف نال الشفاعة بعد أن شُهد َ له بالتوبة (رسالة ابن القارح إلى المعري كتبها ليذكر له توبته ويبرئ نفسه مما أُشيع عنه من أخبار سيئة). يسرد الشيخ كل هذا لتميم بن أبي، وهذه النقطة تُحسب لأبي العلاء المعري، على الرغم من أن هذا الأسلوب (تعدد الساردين ومستويات السرد قد سبق وظهر في حكايات ألف ليلة وليلة) فإن حضوره في رحلة الغفران، يمنح القصة قوة ومزية في تعدد أشكال بناء النص، وطرق تركيب القصة، وتنوع السرد. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد فإن قصة الشيخ في أرض المحشر، تمتاز بـ:

1- استخدم فيها أسلوب الاسترجاعية وعاد بالزمن إلى الوراء متجاوزا البداية التي ابتدأ فيها المعري السرد حين أوجدَ الشيخ في الجنة.

2- تداخل الأزمنة السردية (الحاضر والماضي عبر الاستذكار) فالقصة تجر بخط زمني كرونولوجي واحد، ثم يتوقف ليرجع الزمن بفرعيّة إلى الوراء.   

3- ظهور مستوى خيالي ثانٍ (هذا ما يمثله تعدد المستويات السردية)، هذا المستوى الخيالي الثاني مثّل نقطة رابط ما بين عالم الجنة وعالم النار في بُنية القصة، وجعل الرحلة مقسمة إلى ثلاثة أقسام، بها اكتملت الصورة واتضحت. فالشيخ مرَّ بالمحشر ثم الجنة ثم النار، لكن أبا العلاء لم يعرضها بشكلها التتابعي بل تلاعب بها وداخل بعضها ببعض زمنيا وسرديا ومكانيا:

صورة (١)

رحلة الشيخ تبدأ بـ

                             (الرحلة كما وقعت)

وهذه الرحلة كما وقعت (لا كما سُردت) حيث يمر الشيخ برحلته بثلاث مراحل، تجري في ثلاث أماكن مختلفة في تتابع زمني.

لكن أبو العلاء يسرد القصة على نحو مختلف، حيث يبدأ برحلة الجنة أولا ثم يغير المكان إلى أرض المحشر تغييرا ذهنيا لا حسيا، وتغييرا زمانيا بقطعه خط الزمان المتصل التقدمي بالعودة إلى الخلف، ثم يعود ليكمل إلى رحلة النار، وتغييرا في مستويات السرد، حيث تصبح قصة/ رحلة المحشر جزء من رحلة الجنة لا منفصلة عنها لها كيانها الزماني والمكاني الخاص، وترتيبها الأولي.    

صورة (٢) وصورة (٣).

                 (الرحلة كما سُردت)                                  

                     

(مستويات السرد وتداخلها)

– يلتقي الشيخ هنا  بعد رحلته مع عدي -وهو دليله الأول في الجنة- بأبي ذؤيب الهذلي.

لكنه لا يذكر أن عديا مضى مع الشيخ لكنه كان موجودا، إذ يقول: ويمضي في نزهته تلك بشابين يتحدثان وهما النابغتين (نابغة بني جَعدة ونابغة بني ذُوبيان) وحين يقول الشيخ وهو يحاور النابغتين أين لنا بأبي بصير -يقصد الأعشى- فلا تتم الكلمة إلا وأبو بصير قد خمسهم…

يقول خمسهم والدليل أنهم كانوا أربعة من ضمنهم عدي بن زيد، وهذه من نقاط الضعف في السرد، واختلال لغة السرد وتركيز الضوء على الشخصية الرئيسة، وإبعاد الشخصية المرافقة إلى الظل، في حين تظهر فجأة لماما ثم تعود لتغيب.

**

أما فيما يخص الحبكة في سرد الرحلة فهي:

– متنوعة الأجناس والأنواع والأشخاص فقد التقى الشيخ بأكثر من ستين شخصا ما بين إنسان (رجل وامرأة) وجن وملاك وحيوان.

– متنوعة الأسئلة: فمنها عن الشعر، ومنها عن الأسماء، ومنها عن النحو، ومنها عن نسبة بعض الأبيات إلى الشاعر.

– متنوعة الردود: فمنهم من يجيب الشاعر ومنهم لا يجيبه، ومنهم يُقصِّر الجواب ومنهم من يُطيله، ومنهم من نسي شعره ومنهم من يذكره، ورفض بعض الشعراء تذكر أو إنشاد شعرهم لكونهم في الجنة وأنساهم نعيمها الشعر والرغبة في إنشاده، كما فعل الشمّاخ معقل بن ضرار.

– توزع الرحلة في أماكن متعددة ما بين الجنة والمحشر والنار، بل وأن الجنة نفسها فيها أماكن متعددة وجنان مختلفة، فهناك جنة لمن التقى بهم الشيخ من شعراء ونحويين ولغويين، وجنة خاصة بالجن، وهؤلاء ليسوا بشباب لأنهم كانوا في الدنيا يحظون بالشباب زمنا طويلا جدا، وهناك جنّة خاصة بشعراء الرُّجز.

– التأخر في الكشف عن هوية الشيخ حتى منتصف النص وهو الأديب علي بن منصور الحلبي ويشهد توبته في أرض المحشر عبد المنعم بن عبد الكريم قاضي حلب في ولاية صالح بن مرداس، وكان هذا زمن أبي العلاء المعري، إذ استخدم السارد أسلوب الفلاش بلاك المتجاوز لخط وزمن الحدث الأول، وبسرد غير المتجانس يتحدث الشيخ  بأسلوب الخطاب المباشر عما حدث له في أرض المحشر وكيف نال الشفاعة.

– وجود الأدلاء، فقد حظي الشيخ بدليلين هما عدي بن زيد، وملك من الملائكة حين يسأله الشيخ عن الحور العين فيجيبه: اقفُ أثري لترى البديء من قدرة الله.

– كرامات أهل الجنة ومنها الإلهام السريع، وخاصية لأهل الجنة كما يوردها المعري في رسالته، وفيها سرعة استجابة الرب الخالق لأهل النعيم، فيحصلون ما يريدون بلمح البصر، وقد ذكر هذا في أكثر من مرة.

وكذلك تحول بعض حيوانات الجنة إلى نساء كما في الحيات والإوز التي يصيرهن الله إلى جواري كواعب يرفلن في وشي الجنة وبأيديهن المزاهر وأنواع ما يُلتمس به الملاهي، كما يصفهم.

هذا التنوع يدل على الحبكة الموجودة في النص، وعلى مهارة في الصياغة، وإلا لكانت الأحوال والردود مشتابهة وواحدة، وحال الجميع متقارب، وهذا ما لا يوجد في النص المسرود، ولسردت القصة بتتابع لا كما الشكل التي وردت فيه.

***

قوائم بأسماء من التقى بهم الشيخ علي بن منصور المعروف بابن القارح.

من رجال الجنة التي التقى بهم تواليا:

1- ميمون بن قيس الأعشى.

2- زهير بن أبي سلمى المزني.

3- عبيد بن الأبرص.

4- عدي بن زيد العِبادي.

5- أبو ذؤيب الهذلي.

6- نابغة بني جَعدة.

7- نابغة بني ذُوبيان.

8- الراوي أبو عمرو المازني.

9- الراوي أبو عمرو الشيباني.

10- الراوي أبو عبيدة.

11- الراوي عبد الملك

12- لبيد بن ربيعة بن كلاب.

13- حسان بن ثابت.

14- تميم بن مقبل العجلاني.

15- عمرو بن أحمر الباهلي.

16- الشمّاخ معقل بن ضرار.

17- أحد بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان.

18- عبيد بن الحُصَين النميري.

19- حُميد بن ثور الهلالي.

20- عمرو ابن أحمر.

21- تميم بن أُبي.

22- الغريض

23 ابن مِسجح.

24- ابن سُريج.

25- إبراهيم الموصلي.

26- إسحاق بن إبراهيم الموصلي.

27- جران العود النميري.

28- الخليل بن أحمد الفراهيدي.
29- ابن درستويه.

30- النضر بن شُميل.

31- أبو عثمان المازني.

32- عبد الملك بن قُريب الأصمعي.

33- الحطيئة العبسي.

في جنة الرُّجَّز

34- رؤبة.

35- أبو النجم.

36- حُميد الأرقط.

37- عُذافِر بن أوس.

38- أبو نخيلة.

من النساء:

القيان:

1- بصبص.

2- دنانير.

3- عِنان.

4- أم عمروٍ في معلقة عمرو بن كلثوم:

تصد الكأس عنا أم عمرو *** وكان الكأس مجراها اليمينا

وما شر الثلاثة أم عمرو  *** بصاحبك الذي لا تصحبينا

5- حمدونة بنت صاحب الرحى.

6- توفيق السوداء.

7- الخنساء السلميّة.

من سكان الجنة الجن، ولهم جنان خاصة بهم:

1- الخيتعور.

من حيوانات الجنة:

1- الأسد.

2- الشاة.

3- الذئب.

4- الظبي، والظبية.

5- الإوز.

6- الحيّات.

أهل النار:

1- إبليس.

2- بشار بن بُرد.

3- امرؤ القيس.

4- عنترة العبسي.

5- علقمة بن عبدة.

6- عمرو بن كلثوم.

7- الحارث بن حلزة اليشكري.

8- طرفة بن العبد.

9- أوس بن حَجَر.

10- أبو كبير الهُذلي عامر بن الحُلَيْس.

11- صخر الغي [صخر بن عبد الله الخيثمي الهذلي].

12- الأخطل التغلبي.

13- عدي بن ربيعة.

14- المرقش الأكبر.

15- الشنفري الأزدي.

16- تأبط شرا.

17-  صخر أخو الخنساء.

* علي بن منصور (المصدر: موسوعة رواة الحديث). علي بن منصور بن طالب، أبو الحسن الحلبي، الملقب دوخلة: أديب فاضل شاعر، راوية للأخبار والآداب، يعلم أولاد الأكابر، قدم بغداد، وصحب أبا علي الفارسي النحوي، وأقام مدة وروى بها شيئا، روى عنه من أهلها أَبُو مُحَمَّدٍ رِزْقُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ التميمي. قرأت على أبي الكرم الهاشمي، عن محمد بن عبد الباقي، حدّثنا أبو محمد التميمي إذنا، أنشدنا أبو الحسن الحلبي المؤدب وذكر أنه مؤدب الوزير المقرئ، أنشد الوزير المغربي لنفسه:

قطعت الشام في شهري ربيع … إلى مصر وعدت إلى العراق

فقال لي الحبيب وقد رآني … سبوقا للمضمرة العتاق

سريت على البراق فقلت كلا … ولكني سريت على اشتياق

قرأت في كتاب «الشعراء وأخبارهم» للوزير أبي سعيد محمد بن الحسين بن عبد

الرحيم قال: أبو الحسن علي بن منصور بن طالب الحلي يلقب دوخلة، شيخ من أهل الأدب، شاهدناه ببغداد راوية للأخبار وحافظا لقطعة كبيرة من اللغة والأشعار، وفئوما بالنحو، وكان ممن خدم أبا علي الفارسي في داره وهو صبي، ثم لازمه وقرأ عليه على زعمه جميع كتبه وسماعاته، وكانت معيشته التعليم بالشام ومصر، وكان يحكى أنه كان مؤدبا لأبي القاسم المغربي الذي ورد بغداد، وله في هجو كثير، وكان يذمه، ويعدد معايبه وشعره يجري مجرى شعر المعلمين، قليل الحلاوة، خاليا من الصلاوة، وكان آخر عهدي به بتكريت في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، فإنا كنا مقيمين بها واجتاز بنا، وأقام عندنا مدة، ثم توجه إلى الموصل، وبلغني وفاته من بعد.

وكان يذكر مولده بحلب سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، ولم يتزوج ولا أعقب، فمهما أنشدنيه لنفسه في الشمعة:

لقد أشبهتني شمعة في صبابتي … وفي طول ما ألقى وما أتوقع

نحول وحرق في فناء ووحدة … وتسهيد عين واصفرار وأدمع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى