كتب

صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى – ريتشارد سوذرن

انصبّت جهود الباحثين والأكاديميين في الغرب في النصف الثاني من القرن العشرين على دراسة العلاقة بين الإسلام والغرب منذ القرون الوسطى حتى وقتنا المعاصر، وعادوا لبحث أشمل لهذه العلاقة وتاريخها وآثارها المدوّنة ورجالاتها من الكهنة والمفكرين والقادة وتأثيراتها المتبادلة. وكتاب ريتشارد سوذرن واحد من هذه البحوث، وسوذرن هذا صاحب واحد من أفضل الكتب عن العصور الوسطى في القرن الماضي هو “The Making of Middle Ages”. يخصص سوذرن كتاب صورة الإسلام لدراسة علاقة أوروبا بالإسلام في العصور الوسطى، أي منذ القرن السابع إلى أواخر القرن الخامس عشر، وجعل دراسته في ثلاثة فصول، أولها حقبة الجهل حيث اعتمد في معرفة الإسلام والمسلمين على العهد القديم وكتابات البيزنطيين التي جلها قوامها الجهل والخرافة والكذب. ثم حقبة التعقل والأمل منذ القرن الثاني عشر، وبرزت فيها كتابات الإنجليزي روجر بيكون الذي دعا إلى فهم الإسلام وبناء خطاب حجاجي في جدل المسلمين، وأهم ما فيها إدراك بعض القساوسة والتصريح بأن الإسلام ليس دينا وثنيا ولا المسلمون يعبدون محمدا وأنهم ليسوا المسيح الدجال ولا هذه أحداث تسبق يوم القيامة، ثم شيوع معرفة مدرسيّة وترجمات كتب منها كتب ابن سينا وابن رشد. والحقبة الأخيرة هي لحظة الرؤيا تنوعت فيها رؤى رجالات الغرب بين العودة إلى الحروب الصليبية في القرن الخامس عشر وبين من رأى فشل الخيار المسلح وأن النصارى بخطاياهم سيعاقبون على يد المسلمين بل وصل الحد إلى وصف النصارى الخطاة بأنهم لا يفرقون شيئا عن المسلمين، إذ صارت لديهم رؤية في نقد الذات، وفهم حالهم والعالم المختلف عنهم، والبحث عن سبل أكثر نجاعة في مواجهة الإسلام من دون الاضطرار إلى تكرار تجربة الحرب التي أثبتت فشلها، والدعوة إلى اجتماع بالمسلمين وومحاورتهم بل حتى الحث إلى النظر إلى المشتركات بين الدينين. لعل ذروة هذه الحقبة ما نقرأه في رسالة البابا بيوس الثاني إلى السلطان العثماني محمد الفاتح بعد فتح القسطنطينية وتزايد الخطر العثماني على أوروبا، ويعرض البابا على السلطان ضم العالم المسيحي لسلطانه بشرط واحد: “إنه لأمرّ صغير ذلك الذي يمكن أن يجعل منكم أقوى وأشهر رجال العصر. وقد تتساءلون: ما هو هذا الأمر؟ وأَجيب بأنّ معرفته ليست صعبة. فهو موجود في العالم كله: إنه غُرفةٌ من ماء لتعميدكم وإدخالكم في المسيحية؛ عن طريق تناول الأسرار المقدّسة والإيمان بالإنجيل. فإذا فعلتم ذلك فلن يوازيكم أي ملك في العالم مجدا وقوة وازدهارا. إنني على استعداد لإعلانكم قيصرا على الإغريق والشرق؛ تلك البقعة من الأرض التي أخذتموها بالقوة؛ ستُصبح عن طريق موافقتي حقا مشروعا لكم. ثم إنّ كل المسيحيين سيقدرونكم، ويجعلون منكم حَكماً في خصوماتهم. وقد تعترضون بأنكم لا تريدون هجران دينكم واعتناق المسيحية. هنا ألفت انتباهكم إلى القواسم المشتركة بين المسلمين والمسيحيين وهي كثيرة: الإيمان بإله واحدٍ خالق السموات والأرض، والإيمان بحياةٍ أخرى فيها العقاب والثواب، والإيمان بخلود الروح. ثم الاعتراف -وإن محدودا من جانب المسلمين- بالعهدين القديم والجديد. نحن متوافقون في هذه القضايا الأساسية، ولا اختلاف إلا في طبيعة الله”.

ويقول سوذرن عن انقلابة الصراع الإسلامي الصليبي بعد مشارفة القرون الوسطى على النهاية، وظهرت بوادرها في كتابات روجر بيكون في القرن الثالث عشر، إن التفوق الأوروبي على العالم الإسلامي بدأ بعد أن عرف الأوروبيون حقيقة المعتقد الإسلامي وتجاوزوا مسألة الخوف منه وتهديده لمعتقدهم، كانت المعرفة الأوروبية بحقيقة الإسلام انعطافة في الفكر الأوروبي بعد أن كانوا يصورون المسلمين وثنيين، فانتهت حقبة الجهل الأوروبي بإبصار حقيقة معتقد الآخر، الذي ليس عنده ما يخشونه وما كانوا بجهل يخشونه. ثم تضافرت عوامل دنيوية لبروز الأوروبي على الإسلامي في العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى