كتب

لوركا شاعر الأندلس 

ماهر البطوطي

يتناول هذا الكتاب سيرة الشاعر الغرناطي الإسباني لوركا، ومراحل من حياته القصيرة وأهم محطاته الأدبية والثقافية والاجتماعية حتى موته إعداما. ولد الشاعر فريدريكو غرسيه ماركيز في الخامس من حزيران/ يونيو عام 1898 في قرية “فوينتي فاكيروس” من أعمال غرناطة، لتبدأ بعدها رحلة شاعرنا المبدع في حياته الغرناطية، يستمع إلى قصص أسلافه الأندلسيين ويتشرب بحبهم إذ يقول عن سقوطها: “لقد كان يوما أسود، رغم أنهم يذكرون لنا عكس ذلك في المدرسة، لقد ضاعت حضارة مدهشة، وشعر، وفلك، ومعمار، ورِقَّة لا نظير لها في العالم، وحلت محلها مدينة فقيرة، وخانعة، تزخر بطالبي الصدقات، وحيث توجد  الآن أسوأ طبقة برجوازية في إسبانيا”. وكان لمملكة غرناطة حبا خاصا في قلب لوركا إذ تذكر المصادر مثل التي في الكتاب حادثة طريفة: “زار الشاعر لوركا برشلونة ليلتقي بصديقه سلفادور دالي، وأخذه إلى “أتنيو برشلونة” ليتلقي بشيوخ الأدب والفن، فسأله أحدهم باستهانة من أي البلاد أنت أيها الشاب؟ فرفع لوركا يده برزانة وأجاب: أنا من مملكة غرناظة!”.  ويذكر آخرون أمثال الشاعر والأستاذ محمد كنوف أن له مقولة يخفيها الإسبان يقول فيها: “إن الدم العربي يجري في عروقي”. 

هذه العلاقة الوطيدة والصلة ما بين لوركا وغرناطة، أثرت في شخصيته المناهضة لكل أنواع الظلم الاجتماعي فكان حليفا لطبقة الفلاحيين والعمال. واستمع في صغره أيضا إلى القصص والأغاني الشعبية، وعمل على تحويلها إلى قصائد ذات طابع الفلكلور الشعبي معظهما في ديوانه “حكايا الغجر” كما يذكر ماهر البطوطي. ونمّا لوركا موهبته الشعرية بأجواء الريف البديعة والبستاين الخضراء التي أنبتت بقلبه حب الطبيعة والريف، وكان فيما بعد يقضي عطله الصيفية في منزل العائلة في الريف. نشأ لوركا في حقبة عصيبة من تاريخ إسبانيا بعد هزيمتها في كوبا، وتخليها عن أراضٍ في منطقة الكاريبي وآسيا لصالح الولايات المتحدة الأمريكية التي كان قوة صاعدة وقتها. وكان لهذه الحقبة أثرا في الجو العام الإسباني أدى لنشوء حركات مثل حركة جيل عام 98، وانعكست في هذا الجيل الروح الرومانسية والنزعة الذاتية والمثالية إزاء ما حل بوطنهم إسبانيا.  كان لكل هذا الأثر الكبير في شخصية لوركا وتوجهاته الأدبية، من أبرزها الحركة الطليعية وانضمامه لحركه جيل 27. انتقلت عائلة لوركا من الريف إلى المدينة ليكمل الأبناء الأربعة تعليمهم “لوركا وأخوه فرانسسيكو وأختاهما إيزابيل وكونسيسيون”. كان لهذا الانتقال مرحلة جديدة في حياة لوركا لم يألفها، وكثيرا ما اشتاق إلى حياة الريف الهادئة والطبيعة عكس أجواء المدينة الصاخبة والصناعة، فكتب القصائد الحنين لتلك الحياة التي افتقدها في المدينة. 

تخاصم لوركا مع والده، بعد أكمل دراسته الثانوية، حول الكلية التي يجب أن يلتحق بها فقد أراد والده أن يدرس لوركا الحقوق، وكان الابن يريد الدراسة في كلية الآداب، وفي الأخير استجاب لرغبة والده وسجل في كلية الحقوق والتحق أيضا بكلية الآداب، إلا أنه لم يكمل الدراسة في كلية الآداب، وحصل على ليسانس في الحقوق ولم يعمل بها قط. كان لمرحلة الدراسة الجامعية الدور الكبير في حياته لوركا الأدبية، ونشر حينئذ كتابه “انطباعات وصور” عن رحلتين قام فيهما داخل إسبانيا. يقول البطوطي “عمد لوركا في أثناء الرحلتين إلى تدوين خواطره وتأملاته عن الأماكن التي يزورها. وعاد إلى تلك الأوراق بعد ذلك يعمل فيها تنقيحا وترتيبا وإضافة، حتى جمع في النهاية عدت مقالات وصفية”. وكانت تلك المقالات هي كتابه الأول الذي لقي احتفاءً لدى الجمهور وجماعته أعضاء ندوة “الركن الصغير”. وبعدها ثبتت أقدامه في عالم النشر إذ نشرت له مجلة “الرواية القصيرة” قصيدة “موال الساحة الصغيرة” في عدد خاص من الشعر الإسباني. 

يقول في مطلعها: 

الأطفال يغنون 

في الليل الهادئ 

والنبع الرقراق 

الأطفال 

لماذا يخبئ فؤادك الإلهي البهيج؟ 

أنا 

دقات أجراس 

تائهة بين طيات السحاب 

انتقل لوركا بعدها إلى مدريد، وأقام في المدينة الجامعية عام 1919 التي كانت تمثل تجمعا ثقافيا وفنيا ومركزا من مراكز الحركة الفنية الطليعية، وقطنتها  شخصيات مشهورة منها الرسام الشاعر “خوسيه مورنيو”،  والسينمائي “لويس بونيويل”، والرسام السوريالي “سلفادور دالي” الذي أصبح صديقه فيما بعد، وسافر إليه في مدينة برشلونة والتقى بأسرته. ويقال إن لوركا أحب أخت دالي، آن ماري دالي، وكانت سببا لأزمة نفسية حيث غلب عليه طابع الحزن والكآبة، سافر بسببها الشاعر إلى مدينة نيويورك في أواخر أيار/ مايو سنة 1929، لكن ما دليل مقنع أو حقيقي على هذا الترجيح. كانت صداقته مع دالي قوية، وتأثر لوركا باتجاه التجديد لدى دالي الذي نحا صوب السوريالية، التي انشقت وتأسست حركةً مستقلة عام 1921 على يد الفرنسي أندريه بريتون. وكتب لوركا إلى صديقه قصيدة لدالي بعنوان “أنشودة إلى سلفادور دالي” يقول في مقاطع منها: 

وردة طاهر تزيح كل ما هو مصطنع 

وتفتح لنا أجنحة البسمة الحانية

(فراشة لصيقة تزن خطوات طيرانها)

دائما أبدا.. الوردة

آه يا سلفادور دالي، يا ذا الصوت الزيتوني: 

إنما أنا أنطق بما توحيه شخصيتك ولوحاتك 

أنني لا أمتدح ريشتك المراهقة غير الكاملة

ولكني أغني لثبات الاتجاه فيما تطلقه من سهام

** 

أغني لجهودك الجميلة التي تزينها الأنوار الكتلانية

لحبك كل ما يحتمل تفسيرا 

أغني فؤادك الفلكي الحنون

كورق اللعب الفرنسي، دونما أي جراح

مرَّ شعر لوركا بعدة مراحل، فبعد انتقال أسرته إلى المدينة في غرناطة وتركهم الريف، كان شعر لوركا حنينا إلى تلك الأيام في الريف حيث الهدوء، وجمال الريف والطبيعة والأفق الواسع، وحنينا إلى أيام الطفولة، وحكايات العجائز، التي حول كثيرا منها إلى قصائد، وتغيّرت مواضيع لوركا إلى أخرى تجديدية تمثلت في قصائد تحكي قصصا عن الحشرات والدواب، وحولت إحداها إلى مسرحية “سحر الفراشة اللعين” إلا أنها لم تنجح. في حين كانت مرحلة السوريالية في شعره من المراحل المهمة التي تأثر فيها بصديقه الفنان السوريالي سلفادور دالي. وسافر في منتصف عام 1929 إلى نيويورك إثر أزمة نفسية كما ذكرت آنفا، وكان لهذه التجربة الجديدة الأثر أيضا في ذات لوركا وشعره، وكان من نتاج هذه التجربة ديوان “شاعر في نيويورك” صدر أول مرة في المكسيك عام 1940. كتب لوركا المسرحية، وأجاد فيها ولا سيما مسرحيته الثانية “ماريانا بينيدا” التي لاقت نجاحا عكس مسرحيته الأولى، وبعد العام 1930 شهدت هذه المرحلة سنوات نضج لوركا المسرحي، وكتب عديد المسرحية الجيّدة منها: مرجريتا شريجو، والثلاثية المسرحية (عرس الدم، ويرما، وبيت برنارد ألبا). 

اعتقاله وإعدامه

كانت الأوضاع السياسية في إسبانيا عام 1936، تشهد صراعا بين التقدميين اليساريين واليمينين المحافظين، بعد خمس سنوات من قيام الجمهورية الإسبانية، وارتفعت حدة الصراعات بين الطرفين بسبب الانتخابات، وانتهت بحرب أهلية كان للجيش دور بارز فيها بقمعه اليساريين. فقد أعلن الجنرال فرانكو قيام “الحركة الوطنية” مطالبا الإسبان الوطنيين بالانضمام إليه. وبالرغم من أن لوركا لم يكن مع أي من القوى الصراع فله أعداء يتربصون به بسبب بعض ما صرح به في أوقات سابقة في دعم الفلاحين والعمال الذين أيدوا الحركة اليسارية الاشتراكية التقدمية، وكان من بين هؤلاء الذين تربصوا بلوركا بعد عودته إلى غرناطة -التي شهدت في شهري تموز وأب من عام 1936 اعتقالات لليساريين- النائب المدعو رامون رويث ألونسو، وتلقى لوركا بعد عودته إلى منزله تهديدا، فاضطر للذهاب إلى منزل أصدقاء من اليمين المحافظ الذي سيطر على غرناطة، وبقي في منزل أسرة “روساليس” حتى جاء أمر القبض على لوركا، فاقتيد إلى مبنى المحافظة وبقي به أياما حتى التاسع عشر من آب/ أغسطس الذي شهد اختفاء لوركا إلى الأبد. سيقَ لوركا إلى مكان مجهول وأعدم مع آخرين ولم يعرف له قبر حتى اليوم. لقي خبر إعدامه صدى واسعا، فقد نعاه الكثيرون منهم اتحاد القلم الدولي، وصديقه الشاعر التشيلي بابلو نيرودا. وتناقلت الصحف خبر موته الذي بقي مجهول التفاصيل حتى تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1937 إذ أجاب الجنرال فرانكو في مقابلة صحفية عن مصرع لوركا قائلا: 

“لقد ثار حديث طويل في الخارج عن كاتب غرناطي، الذي لا أعرف أنا مقدار شهرته خارج الحدود.. والحقيقة أنه في اللحظات الأولى من الثورة في غرناطة مات ذلك الكاتب بعد الخلط بينه وبين المنشقين. إنها من الحوادث الطبيعية في الحروب.. ولقد كان فقده -بوصفه شاعرا- مما يؤسى له. وقد استغلت الدعاية الشيوعية تلك الحادثة لإثارة عالم الفكر والثقافة، غير أنه لا أحد يحب أن يذكر في مقابل ذلك كيف اغتيلت شخصيات أخرى كثيرة في الجانب الآخر”. بقي اسم لوركا محرما بعد انتصار قوات فرانكو حتى عام 1949، الحقبة التي لحقت هزيمة النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا، وصعود نجم الليبرالية وبما أن المحاولات في قلب الحكم في إسبانيا فرانكو باءت بالفشل، فكان على أوربا احتضان إسبانيا فرانكو قبل أن تنضم إلى الجنب الشيوعي السوفيتي، إلا أن تتويج اسم لوركا كما يذكر البطوطي لم يأتِ إلا بدءا من عام 1976 بعد وفاة فرانكو، وانتهاج خليفته الملك خوان كارلوس النهج الديمقراطي في حكم البلاد. 

*

في رثاء لوركا 

نمْ يا فردريكو في دمعِ غرناطة الذي لم يجفْ

ملّح أيامكَ بعد الموت ببكائها

قصَّ على الفلاحين حكايةَ الشجرة

كيّف ضمت جسدك المخروق برصاصة غاضبة

حكايةَ “اللصَّان والعاشقة”

وقبرك التائهُ في بساتين الأندلس

يرسمُ طريق الضياع لأرضِ الأرانب

لوركا أيها المسافر بين القرى

والمنشدُ:

“عبر أشجار الغار

تطير حمامتان دكناوان

كانت أولاهما الشمسُ

والأخرى كانت القمر

قلتُ لهما: أيا جارتيا،

أين قبري؟

قالت الشمس: في ذيلي.

قال القمر: في حلقي”.

وما زلتَ تُناجي قبرك بين أشجار التفاح

وظل الليمون الوارف على تاريخ القصور الحمراء

أين أنتَ دُلَّني عليكَ أيها الغرناطيّ

حتى أغسلكَ قبل دفنك بماء قصائدك التي لم تكتبها

وأكفِّنكَ بثوب اللوحات التي لم ترسمها

وأرثيك بقراءة المسرحيات التي لم تكتبها

أيها الغرناطيّ الذي لم يرَ أجداده

من علّمك عشق الأرضِ هكذا

وأرشدك إلى أبوابها السفليّة

إذ تصطاد الأرواحَ النابتة

في الحدائق المروية بدم الشهداء

***

ينساب شِعْرُكَ إلى الشرق الحزين

مهد أجدادك

كشعلةٍ أنتما في ليلتي المظلمة هذه

أستنير بك لأكتب لحبيبتي

غزلًا أقول فيه: عيناكِ كعينيه الطائرتين

وشفتاك كشفتيه المختلطتين بالموت

وشعركِ كشعره المُحنّأ بالدم

قومي فارقصي كما رقص قبل الرحيل

كما مشى من البيت الى الزنزانة

خطواتكَ الأخيرة قوافٍ لكل القصائد

ما بين خطوة وأخرى ينبتُ حرفٌ جديد

ينبتُ لوركا يُحاصر قتلته

يشنق كل الجنرالات والملوك

من عصر القوط

إلى يومنا الذي لا نعرف من يحكمنا

وأنت ما زلت تسير إلى مثواك الأخير

تُشيّعك بهديلها حمامتيكَ

ويخعلان ريشمها حُزنا عليكَ

وتنتحران سقوطا في حفرة قصيدة كبيرة تحمل اسمك

نم يا لوركا بين النوتات التي عزفتها

بين الأغاني التي غنيتها

ولا تستيقظ أبدا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى