مقالات أدبية

من طروية إلى طروادة، في أصل اسم طروادة بالعربية

في أثناء قراءتي كتاب هيلين طروادة من هوميروس إلى هوليوود للوري ماغواير، وهو كتاب مرجعيّ عن مسيرة هيلين في الأدب، لفتت انتباهي كلمة طروادة وكيف صارت مقابلا لـ Troy بالعربية، ولا يُعرف لهذه المدينة اسم بالعربية اليوم سوى طروادة. فلا وجه للشبه بين الاسمين، وليست طروادة اسما قديما أطلقه العرب على هذه المدينة، وبدا حرف الدال في الكلمة على ما يضفيه من نَغَمٍ أنّه غريب لكنه مضاف لسبب ما. فأخذت قبل الوصول إلى ترجمة البستاني للإلياذة -أول من عثرت عليه يستخدمه- أبحث في معاجم البلدان عن لفظ طروادة، أو ما هو قريب منه، إنْ عرف العرب هذه المدينة أو خبرها، لا سيما أن ملحمتي هوميروس لم تُنقلا إلى العربية إلا في العصر الحديث، وإنْ كان بعضهم قديما عرف الشاعر ونُسبت إليه أقوال وحكم تناثرت في بطون الكتب.

طروية

كان أول ما عثرت عليه أن وضع ناقل كتاب أرسيوس في الأندلس لفظ طروية للدلالة على مدينة طروادة، وقد يكون مقابلا لـ Troia اسم المدينة باللاتينية، وهي بذلك نقحرة مباشرة للفظ اللاتيني. يكتب إحسان عباس عن التراث العربي في الأندلس في كتاب “ملامح يونانية في الأدب العربي”: “ترجموا كتاب أوروسيوس (هروسيس)، وهو كتاب في التاريخ، وصل إليهم في عهد عبد الرحمن الناصر [891-961م]… “وأن جميع الروم الغريقيين احتموا لها وتحالفوا وتعاهدوا على خراب مدينة طروية (Troy) فغزوها بنحو من ألف مركب وحاصروها عشر سنين”. ص 99

طرياس

أما ثاني ما عثرت عليه من أسماء فهو ما وجدته في كتاب ابن أبي أصيبعة (1203-1270) “عيون الأنباء في طبقات الأطباء” إذ يضع لفظ طرياس مقابلا لـ Τρωϊάς من اليونانية أو Troas اللاتينية. يكتب: “وكان ابنا اسقليبيوس مع أغاممنون لما سار لفتح طرياس، وكان يكرمهما غاية الكرامة ويشرفهما لعلو محلهما في العلم”. ص 33

*

ووجدت في كتب أخرى لفظين قريبين هما طرويا وطرون. يكتب عند الإدريسي (1100-1166) في كتابه “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” في الإقليم السابع عن بلاد روسيا وشمالي أوروبا وما جاورها، في الجزء السادس:

“1 إن هذا الجزء السادس تضمن بلاد القمانية الداخلة [الجزء الغربي من السهوب الأوراسية] وبعض بلاد بلغارية.

2 وفي بلاد القمانية الداخلة مدينة طرويا ومدينة اقليبه وهما مدينتان عامرتان تتقارب حالاتهما وتتوازى صفاتهما.

3 وبين طرويا ومدينة صلاو في جهة الجنوب مائة ميل مفاوز قليلة العمارة.

4 ومن طرويا إلى مدينة اقليبه ثمانية أيام وهي آخر عمالة القمانيين في وقتنا هذا”. ص 958

ولدى صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق (1260-1338م) في كتابه “مراصد الاطّلاع على أسماء الأمكنة والبقاع”، في أسماء حرف الطاء، يكتب: “طرون: موضع بإرمينية”. ص 886.

غير أنَّه في هذين المصدرين لا إشارة واضحة تربط ما بين طرويا وطرون بمدينة طروادة، مما يجعلهما مُستبعدين لا سيما طرون. أما طرويا فلعله تشابه في التعريب وليس المقصود مدينة طروادة المعروفة. وغاب أي ذكر لمدينة طروادة أو ما هو قريب منها مبدوء بحرف الطاء في معاجم أخرى مثل معجم البلدان لياقوت الحموي (1178-1229)، ومعجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع للجغرافي الأندلسي أبي عبيد البكري (1014-1094)، والروض المعطار في خبر الأقطار محمد بن عبد المنعم الحميري (ت: 1495م).

طروادة

كان أول من وقفت عليه مستخدما طروادة اسما لهذه المدينة هو سليمان البستاني (1856-1925) في ترجمته للإلياذة، وبدأ في التعريب في أواخر سنة 1887 بمصر القاهرة، ص60. يقول في مقدمة ترجمة: “الإلياذة أو الإلياس نسبة يونانية إلى إليون عاصمة بلاد الطرواد” ص 30. ويقول في حديثه عن التعريب “فجازيت من سلك هذا المسلك [أي قلب التاء إلى طاء عند التعريب] وقلت بالطاء طروادة وطرتا وطيطان وأمثالها” ص 72. فنراه يستعمل لفظي طروادة وبلاد الطرواد. والنسبة إليهما بذلك طرودايّ. غير أنّه في الصفحة نفسها، أي 72، يقول “واليونانيّة من خلوٌ حرف الدال فكل دال فيها ذال”. السؤال المطروح هنا من أين جاء بلفظ طروادة، ومن أين جاء بالدال؟ يكتب البستاني في مقدمته ص 60 “فتوكلت على الله وعمدت إلى ترجمة فرنسية منها كانت بين يدي، وألقيتها إلى جانب ترجمة إنكليزية، وأخرى إيطالية”. ثم عمد بعدها إلى زيادة حصيلته من اليونانيّة بدراستها، وراجع بعض ترجمته على الأصل اليوناني.

ما يعنينا هنا اعتماده على ترجمة فرنسيّة، وفي الفرنسية يدل لفظ La Troade في الاستعمال الجغرافي على إقليم/ بلاد الطرواد، واتُّخذ اللفظ عنوانا لمسرحية روبرت غارنييه المنشورة في سنة 1579. يكتب جان-كلود تيرنو من جامعة أفينيون في بحث بعنوان “الجوقة في مسرحية طروادة لروبرت غارنييه” (2019): “باختياره عنوان «الطروادة» (La Troade)، فلعلّ غارنييه أراد أن يحيّي رونسار، غير أنه في الأرجح يشير أيضًا إلى «الغاليادة» (La Galliade) لغِي لوفيفر دو لا بودري، كما يقترح جان دومينيك بودان. ولا ريب أن هذه اللاحقة -ade توحي بنبرة ملحمية، ولا سيما بنبرة الإليادة، وهي منسجمة مع الأسطورة الطروادية التي تجعل طروادة من أصول فرنسا. وكما أن الإليادة، ἡ Ἰλιάς (ποίησις)، هي قصيدة إيليون، فإن الطروادة تكون قصيدة طروية/ طروادة الدرامية، ἡ Τρῳάς (ποίησις). غير أن غارنييه، بخلاف رونسار ولا بودري، لا يشرع في عمل يحتفي بنهضة أمة أو حضارة. وسيضطلع بهذه المهمة جان غودار في مأساته المعنونة «الفرنسيادة» (La Franciade) سنة 1594… ويمكن أيضًا أن يُظن أن «La Troade» ليست إلا نقلًا مباشرًا لعنوانَي يوربيديس وسينيكا، Τρῳάδες، Troades. وكانت فرنسة الأسماء أمرًا مألوفًا في المأساة، إذ كانت أسماء الشخصيات تُكيَّف مع الفرنسية، فيُحذف منها حرف s الأخير، وهو ما يُسمّى الحذفَ الطرفي (apocope): فـ Pyrrhus يصبح Pyrrhe عند غارنييه وعند جان هودون، الذي نشر سنة 1598 مأساة بعنوان «بيرّ» (Pyrrhe)؛ وHelenus يصبح Helen عند غارنييه؛ وThyestes يصبح Thyeste، كما في «أغاممنون» لتشارلز توتان (1566)”1.

يتبيّن لنا أنّ La Troade مستخدمة قديما في الفرنسية وقد تكون مأخوذة من اللاتينية أو اليونانيّة، وتعني إقليم الطرواد، ويقابلها بالإنجليزية The Troad، وباللاتينيّة Trōas واليونانيّة Τρῳάς. وهي تختلف عن طروية Troie اسم المدينة بالفرنسية أو Troy بالإنجليزية، وΤροία (طروية) باليونانية، وTrōia (طروية) باللاتينيّة.

هل كان لفظ La Troade الفرنسي هو مصدر البستاني في وضع لفظ طروادة، يبدو ذلك غالبا.  غير أن طروادة لفظ لا يخص المدينة المعروفة باسم طروية في اللاتينية ثم الفرنسية والإنجليزية، إنما هو اسم الإقليم ويقابله طرياس باللاتينية Trōas واليونانية Τρῳάς. وكما مر بنا فإن لفظي طروية وطرياس قد استعملا عند العرب قديما لكن لا يظهر أنهم فرّقوا بينهما. أخلصُ على ضوء ما أنف ذكره يبدو أن استعمال طروادة قد اتسع ليدل على المدينة والإقليم معا بعد أن استعملت النقولات طروية وطرياس، من دون أن نعرف هل التفريق عن علم أو لاختلاف الأصل الاشتقاقي. وإنْ أردنا الدقة قلنا طروية اسم المدينة، كما عرّبه العرب الأوائل وطروادة اسما للإقليم، أو نبقي استعمال طروادة اسما للمدينة، ونقول إقليم طروادة عندما نشير إلى منطقة المدينة جغرافيًّا.

ختاما، فإنني لا أدعي أن ما توصلت إليه من نتائج في هذا المقال يحسم أصل لفظ طروادة في العربية إنما محاولة تتبع اللفظ وتطوره في ما وقفت عليه من شواهد عربية. والمقال دعوة إلى الباحثين اللغويين والتاريخيين والمترجمين في اللغات اليونانية واللاتينية والأوروبية للمساهمة في إتمامه والتصويب في حال أخطأت فيه والتعديل عليه. ويكون ذلك بالوصول إلى كتب أخرى في تراثنا العربي ورد فيها ما يشير إلى مدينة طروادة، أو ترجمات سبقت ترجمة البستاني اشتقت اللفظ أو استعملته، أو حتى معرفة المصدر الذي اعتمده البستاني في ترجمته حين استعمل لفظ طروادة.

1-https://cornucopia16.com/wp-content/uploads/2019/12/Ternaux1.pdf?utm_source=chatgpt.com

بترجمة الذكاء الصناعي من الفرنسية. واستعنت بالذكاء الصناعي في بعض البحث اللغوي عن اسم المدينة والاشتقاقات في اليونانية واللاتينية بعد الرجوع إلى المصادر المشار إليها والتأكد منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى