
أشرع استيطان آيسلندا في أواخر القرن التاسع البابَ لتخليد تاريخ أمم من الناس والبلاد لم يقتصر على إسكندنافيا وملوكها، بل طال بلادا أخرى جمعتها وآيسلندا صلات ورجال. من بين هذه البلاد التي تدين بالفضل والعرفان لآيسلندا وكتّابها جزُرُ أوركني وشتلاند شمال أسكتلندا وبر كايتنيس في شمالي أسكتلندا، وكلا المنطقتين اليوم جزء من دولة أسكتلندا. أبدع الآيسلنديّون بعد القرن العاشر ما عُرفَ واشتُهر بأدب السيرة Saga، وهو جنس أدبي ضمَّ بين أجنابه أنواعا مثل سير الملوك التاريخية، وسير الأبطال والملوك الخرافيّة، وسير المستوطنين الآيسلنديين، وسير القديسيين، وما سواها من سير تعددت مواضيعها وأساليبها لتغطي مساحة واسعة من تاريخ شمال أوروبا ومعارفها. تنتمي سيرة أوركني Orkneyinga Saga أو تاريخ يارلات أوركني إلى سير الملوك التاريخيّة مثل تاريخ ملوك النرويج Heimskringla وتاريخ ملوك الدنمرك Knytlinga Saga. توثّق السيرة تاريخ جزر أوركني وشتلاند وبر كايتنيس منذ أواخر القرن التاسع للميلاد حتى بواكير القرن الثالث عشر، التي حكمها يارلات من النرويج وكانوا تابعين في غالب تاريخهم إلى ملوك النرويج، الذين كثيرا ما تدخلّوا في صراعات يارلاتها وشوؤنها. وكان لملوك أسكتلندا يدٌ أيضا في بعض أحداث أوركني ورجالاتها.
هذا الكتاب الوحيد هو الذي يوثّق تاريخ هذه المنطقة في العصور الوسطى، ودوّن في مستهل القرن الثالث عشر على يد كاتب مجهول، ويرى مترجما الكتاب، هيرمان بالسن وباول إدواردز، أنَّ الراجح أن يكون للكاتب علاقة بالمركز الثقافي في منطقة أودي جنوبي آيسلندا. لأودي صلات وثيقة بأوركني في أواخر القرن الثاني عشر وبواكير القرن الثالث عشر، لا سيما أن هذه السيرة من المصادر التي اعتمد عليها سنوري ستورلوسن في تأليف كتابه “دائرة العالم Heimskringla” عن تاريخ ملوك النرويج، والذي أتمّه في سنة 1230، ثم استُعمل كتابُ سنوري من محرر إحدى نسخ السيرة الأولى في للزيادة عليها. يرى المترجمان “أنَّ لسيرة أوركني خصائص السيرة الجيّدة وذلك بنقطتي قوّة تتمثل الأولى في توثيق الديمومة المجتمعية لإرضاء الباحثين عن أصولهم وماضيهم، والأخرى في جودة السبك فأعطى السيرة طابعا حكائيا وما كان لها ذلك لولا مهارة كاتبها الإبداعية في الرواية”. وفي هذا لعلَّ سائلا يسأل عن سبب نشأة هذا النوع من التدوين التأريخيّ، وما موضعه من الأدب الآيسلنديّ؟ ما من جوابٍ شافٍ عن سبب نشأة أدب السيرة، والآراء تختلف ما بين رغبتهم في توثيق تاريخهم وأيامهم، وأنَّهم وجدوا بين أيديهم أخبارا ملحمية جديرة أن توثق في حكاية ملحمية، ويرى المؤرخ الدنمركي ساكسو النحوي (ت: بعد 1220) أن بيئتهم القاحلة دفعتهم إلى التدوين لا الانغماس في الذات. ويقتبس مترجما السيرة جوابا أيضا يرد في مقدمة كتاب المستوطنات الآيسلندي في نسخة Thordarbok لبيان الحاجة في توثيق المستوطنات والأنساب في آيسلندا، وهذا ما ظهر في كتب سير الملوك، وكتب تاريخية أخرى مثل كتاب الآيسلنديين وسيرة النصرانيّة: “كثيرا ما يقول الناس إنَّ الكتابة عن المستوطنات علم لا ينفع، غير أننا نحسب الأمر خلاف ذلك إذ يسعنا أن نردَّ على أحسن وجهٍ على الأجنبيّ إذا اتّهمنا بأننا من نسل العبيد وشرار الخلق، ولنا حينئذ برهان حقٌ عن أصلنا وأسلافنا. ومن أجل أولئك الذين يريدون أن يعرفوا أخبار الماضي ويتتبعوا أنسابهم فخيرٌ لنا لو شرعنا في التدوين ابتداءً من أول زمن لا بعد حين. لا بد من العلم أنَّ كلَّ الأمم المتحضِّرة يلزمها أن تعرف أصل جماعتها وبداية قومها”1. وفي تعدد الآراء هذا في آخر المطاف لا يسعنا إلا إجلال اليد الأولى التي دوّنت وحفَّزت الآخرين على الكتابة لأنها ساهمت في حفظ تاريخ أمم من الناس ومعارفهم، ومن دونها لضاعت واندثرت، ولعلَّ تلك اليد هي لآري ثورغلسن (1068-1148) صاحب أول كتاب معروف باقٍ من الأدب الآيسلنديّ هو كتاب الآيسلنديين Íslendingabók.
كان اليارل منصبا في إسكندنافيا وهو بمنزلة حاكم مقاطعة أو الوزير إذ تكون في سلطة اليارل أراضٍ ورجالٍ، وله في بعض الأزمان سلطة تجعله ينوب عن الملك في الحكم أو أن يخضع الملك نفسه لحكمه. بعد توحيد النرويج على يد الملك هارالد الأشقر نحو سنة 875م بلغت مراكب النرويج جزر أوركني، ونصّب الملك هارالد مساعده اليارل روغنفالد حاكما على الجزر فأهداها هذا لأخيه سيغورد القويّ، وهو الآخر من رجالات الملك هارالد. وبعد موت سيغورد في أوركني عاد منصب اليارل إلى اليارل روغنفالد، وإليه يرجع نسب يارلات أوركني جميعا المؤرخة في السيرة عهودهم. تبدأ السيرة منذ التاريخ الأسطوري في النرويج انتهاء بتاريخ اليارل هارالد مادادارسن (ت: 1206) في أوركني. تجري أغلب وقائع السيرة ما بين جزر أوركني، والبلاد المحيطة بها، ومملكة النرويج، وتضم لفيفا من الأخبار الرئيسة والثانوية وأحداثا متعلقة بصراعات اليارلات والملوك والقادة المحاربين، وينطبق عليها ما ينطبق على كثير من كتب التاريخ في أنّ تاريخ أمة هو تاريخ ملوكها، وتاريخ ملوكها هو تاريخ معاركهم وصنائعهم. لا تغفل السيرة عن إضفاء العنصر الديني النصرانيّ على أحداثها لا سيما إنَّ لأوركني يارلا صار قدّيسا هو اليارل/ القديس ماغنوس، وتذكر طائفة من حكايات كراماته في شفاء الناس بعد وفاته، وعُدَّ روغنفالد كالي، واحدا من أواخر اليارلات في السيرة، قديسا أيضًا في زمن لاحق.
رحلة اليارل كالي إلى بيت المقدس
من بين الوقائع البارزة التي توثّق لها السيرة، والتي تعني القارئ العربي والمسلم أكثر من غيرها في الكتاب، هي رحلة اليارل روغنفالد كالي إلى بيت المقدس في عام 1151، مقتفيا أثر ملك النرويج سيغورد الصليبي، صاحب أول حملة نرويجية رسمية إلى الأرض المقدّسة (1107-1110)2. رجع في أحد الأصياف، قبل عام الرحلة، إلى أوركني رجل يُدعى إيندريدي الفتيّ، قادما من بيزنطة. وأخذ يحدث الناس عن العمل مرتزقة في جيش بيزنطة وثراء تلك البلاد البعيدة، وهو ما شاع في ذلك الزمن إذ كان الفارانغيّون الإسكندنافيون حراس إمبراطور بيزنطة (الحماية الفارانغيّة)، وخاطب اليارل روغنفالد كالي “مما يزيد حيرتي وعجبي أنك لم تذهب إلى الأرض المقدّسة، وراضٍ عن حالك وأنتَ تسمع من أخبارها ما تسمع. يجب على رجال من شرواك أن يذهبوا إلى هناك. وليزيدن من حظوتك ورفعتك أن تكون رفقة علية القوم ونبلاء الناس”. ثم حثّ اليارلَ رجالُه على الانطلاق في الرحلة، فنزل على مطلبهم وأمرَ بالاستعداد للرحلة. دامت الاستعدادات أكثر من سنتين. وفي صيف عام 1151 انطلق اليارل من أوركني على رأس أسطول من خمس عشرة سفينة قاصدا الجنوب إلى أسكتلندا ثم إنجلترا، ومن سواحل نورثمبريا أبحر إلى فرنسا ورسوا في ميناء اسمه ناربون Narbonne، ونزلوا في ضيافة ملكة تلك المدينة. أبحروا بعدئذ إلى جليقية، فاتّفقوا وأهلها أن يزوّدوهم بالطعام بأن يقيموا لهم سوقا يشترون منه ما يحتاجون إليه، غير أن تلك البلاد مجدبة بلا ثمر وطعام وفير، وفيها مالك قلعة مستبد أجنبيّ قاسى الناس الأمرّين في زمنه. هجم اليارل وجيشه على القلعة وغنموا منها غنيمة كبيرة. ثم انطلقوا بعدئذ قاصدين إسبانيا، أي الأندلس، وهجموا على مدن الوثنيّين، أي المسلمين، وغنموا منها غنائم كثيرة. عبروا بعدها إلى مضيق جبل طارق، ومنه إلى سواحل شمالي إفريقيا. يبصر الأسطول النرويجي بعد ذلك في البحر المتوسط ماخرة، سفينة عملاقة، فيشكون في أنها للسراسنة الوثنيين (المسلمين)، فيقول روغنفالد إنْ كانت لتجار نصارى فسنسالمهم وإنْ كانوا من الوثنيين فسنهجم عليهم. تبيّن لهم أن الماخرة للسراسنة فهجموا عليها ثم صعدوا إليها وقتلوا أهلها، وفي أثناء المقتلة أبصر النرويجُ رجلا مائز الهيئة السراسنة إذ هو طويل وسيم، فأمر روغنفالد بألا يؤذوه، وأبادوا البقية ثم غنموا الماخرة وحرقوها. أخذ النرويج في سفنهم هذا الوثنيّ الناجي من مقتلة قومه، وحاولوا مخاطبته بالوعد والوعيد فما أحار جوابا ولا فاه بشيء. ولما اتجّهوا جنوبا إلى بلاد السراسنة ورسوا فيها، ولعلّهم نزلوا في بلاد شَمالي إفريقيا، تاجروا أهلها بما معهم من أموال ومتاع، فباعوا وابتاعوا، غير أنهم ما استطاعوا بيع العبد الطويل، فخلّى روغنفالد سبيله. في صباح النهار التالي رجع الرجل إليهم ترافقه جماعة كبيرة وأعلمهم أنّه نبيل من نبلاء السراسنة، وشريف من أشرافهم، وأنّهم استولوا على سفينته التي أُهديت إليه وغنموها وأحرقوها بما فيها من بضاعة ومتاع ولهي خسارة فادحة ليس بمقدوره تعويضها، ثم أردف قائلا “إنَّكم اليوم بين يديّ وليس ينقذكم من الهلاك إلا صنيعكم بي حين لم تقتلوني وعاملتموني بما رأيتموه جديرا بي. غير أني لا أريد لقاءكم بعد اليوم أبدا، وداعًا”. ثم افترقوا. تبيّن لنا هذه الواقعة فرق المعاملة بين الوثنيّ العاميّ والوثنيّ النبيل، وأول ما ميّز النبيل عن العاميّ هيئته، فالوثنيون في السفينة وصفوا بالسود كما جاء في قصيدة تصف المعركة “والمحاربون السود/ أولئك الشجعان/ ما بين مقتول ومأسور”. وكما عند سنوري ستورلوسن في تاريخه، فإنَّ السود قد تكون صفة جامعة لكل السراسنة الوثنيين أو إنها صفة تحقيريّة في كونهم من عرق آخر، لذا فإن الوثنيّ المختلف عنهم عرقيا يفرض اختلافا إما دينيا وإما عرقيا، وبهذا الاختلاف المفترض عن باقي جماعة السراسنة فله الحق في معاملة خاصة. كان الرجل طويلا ووسيما، أي إنه ليس بأسود، وشبيه برجال النرويج، واختلافه عن قومه يشي أيضا بفارق طبقيّ يميّزه عنهم، تبيّن أنه شريف من الأشراف، فنجى بفضل كل ذلك من الهلاك، وإنْ برز عائق اللغة حاجزا في التخاطب بينهم. أثبت الوثنيّ أحقيته مما ناله من النرويج، إذ كشف لهم عن حقيقته النبيلة في قومه، وأنَّه أحسن إليهم وهم في قبضته فلم يقتلهم كما أحسنوا إليه وهو قبضتهم فلم يقتلوه، لكنه لم يواددهم وما رغب في لقاهم مرة ثانية، وفي ذلك تأكيد الفارق ما بين الأنا والآخر، ومن كلا الجانبيّن، على الرغم من تقارب سماتهم وأفعالهم، أي النبل والإحسان. مما يلفت النظر في هذه المعركة البحرية بعدما تيقّن النرويج دينَ أهل الماخرة أنْ علّق الراوي معرّفا السراسنة الوثنيّين بالقول “أولئك الذين ندعوهم بكفّار محمد”. فأضاف الكفّار إلى محمد أي إنهم الكفرة الذين يعبدون محمدا. يبيّن قول الراوي أنَّ اسم محمد معروف لدى الآيسلنديّين في عصره، في النصف الثاني من القرن الثاني عشر وبواكير القرن الثالث عشر، وذيوع تصوّر عبادة السراسنة لمحمد، وقد صُنِّفوا سلفا في الكفّار الوثنيين. وكما يقول المؤرخ جون تولان في كتابه Faces of Muhammad “صار اسم محمد في الإنجليزية والفرنسية بمختلف صور إملائه مقرونا بالأوثان المعبودة في اليونان القديمة وروما، وآلهة الفايكنغ والقبائل الشمالية، وآلهة السراسنة المزعومة”. يكمل اليارل رحلته إلى جزيرة كريت، ومنها إلى الأرض المقدسة فينزل في سواحل عكّا ويقصد بعدها بيت المقدس ويستحمّ في نهر الأردن، غير أنه لا يقاتل في أي معركة في الشام مثل الملك سيغورد الصليبي، ثم يغادرها إلى بيزنطة ثم إلى أوركني مرورا بالنرويج.
يثير الشكَّ التشابهُ بين رحلة الملك النرويجي سيغورد إلى بيت المقدس (1107-1110)، كما رواها سنوري ستورلوسن في تاريخه، ورحلة اليارل روغنفالد كالي (1151) إلى بيت المقدس- في أنّ أحد الكاتبين اقتبس من كتاب الآخر وضمّنه رحلة شخصيّته، لا سيما أنّ سنوري اعتمد على سيرة أوركني من بين ما اعتمده من مصادر، وكذا حال أحد الكتّاب المحررين لسيرة أوركني باعتماده على تاريخ سنوري. لا تختلف رحلة سيغورد عن رحلة روغنفالد لا في أسبابها ولا مسارها ولا غزواتها ولا محاطاتها في الذهاب والإياب إلا قليلا، وما يفضل به سيغورد نظيره أنّه قاتلَ في بلاد الشام حين شارك بالدوين، ملك بيت المقدس، في حصار صيدا.
1- The Book of settlements – Translated by Hermann Palsson and Paul Edwards.
2- Heimskringla III – magnússona saga, P. 145-154



