نشيد الأمير إيغور وحكاية معركة ما وراء الدون

ليس للأدب الروسي تراث مرموق، بل لم يشهد ولادة حقيقة فضلا عن تطور ملحوظ في القرون الوسطى، وبقيت الكتابة والأدب والتدوين مرتبطة بالكتابات الدينية والأناجيل والحكم الأخلاقية. شهد بعض التطور نتيجة لتأثير الإمبراطورية البلغارية في القرن الحادي عشر ميلادي، ولحقه انتكاس إثر الغزو التتاري والاحتلال دام نحو ثلاثة قرون من الزمن (حتى أواخر القرن الخامس عشر)، وبقي الوضع بعدها بلا تغيير إلا على مستوى الكتابات الدينية والانقسامات بين الأرثوذكسية والكاثوليكية، والقصائد الدينية والتعليمية. وفي القرن السابع عشر شهدت روسيا إقامة أول مسرح بأمر من القيصر أليكسيس بمناسبة ميلاد ابنه بطرس. وبقيت روسيا في معزل عن التأثر بعصر النهضة الأوروبية لأسباب منها الاحتلال والبعد المسافة عن أوربا الغرب، فتأخّر المسرح والشعر في موسكو عن أوروبا قرنين من الزمن. تمثّل القليل الذي وصل إلى روسيا من آداب في أدب الفروسية، وتأثر الروس بما نقله الألمان إليهم. كان القرن الثامن عشر في روسيا، الذي شهد حكم أباطرة هم بطرس الأكبر وإليزابيث وكاثرين الأولى، نقلة كبيرة في الأدب الروسي والحياة الروسية تمثلت بظهور المطابع والمسارح ووضع قواعد للشعر وكتابة أول كتاب في النحو، والتأثر بالآداب الأوروبية والفلسفة، وكذلك نشر أول رواية هي “رسائل أرنست ودورافرا” سنة 1766 لفيودور ألكسندروفيتش إيمين (محمد علي أمين قبل تعميده)1. شهد القرن التاسع عشر تطور الأدب الروسيّ لا سيما في الرواية، وتلا ذلك ولادة حقيقية لأدب روسيّ أصيل. لكن في هذه الصحراء القاحلة للأدب الروسي القديم، كما يقول بوشكين، نما برعم زهرة بقيت وحدها تحفظ للتراث الأدبي الروسي شيئا يسع الإشارة إليه بعد قرون. كانت هذه الزهرة القصيدة الملحميّة “نشيد الأمير إيغور”، العمل الذي لا يُضاهى كما وصفه فلاديمير نابوكوف في سيرته، وترجمها إلى الإنجليزية.
تنتمي هذه القصيدة إلى الحقبة الكييفيّة، عثر على مخطوطتها في سنة 1792 الكونت ألكسي موشين-بوشكين، ويرجح أن تاريخ المخطوطة يرجع إلى القرن الخامس عشر أو السادس عشر. طبع موشين-بوشكين القصيدة في سنة 1800، ولما غزا نابليون موسكو بعد اثنتي عشرة سنة أُحرق قصر موشين-بوشكين واحترقت معه عشرات المخطوطات الثمينة التي جمعها، وخبأها في قبو قصره، من بينها مخطوطة النشيد. ضاعت بهذا الحريق مخطوطة القصيدة الأصلية، وما بقي إلا نسخ الطبعة الأولى منها، وهي المعتمدة في طبعات القصيدة اللاحقة.
تروي القصيدة خبر غزو إيغور سفياتوسلافيتش، أمير نوفغورود-سفيرسك (مدينة في أوكرانيا اليوم)، في سنة 1185 لقبائل البولوفتسيين، وهي قبائل بدوية تركية قطنت السهوب الأوراسيّة في القرنين الحادي عشر والثاني عشر وعرفت باسم القُومَان أيضا. يُرجح أن القصيدة دوّنت بعد الغزوة الفاشلة ما بين سني 1215-1220. يذكر روبرت مان، مترجم القصيدة إلى الإنجليزية، أن خبر إيغور ظهر في عشرات الأغاني الشفوية والحكايات وفي أولى النصوص الروسية القليلة المتجذّرة في التراث الشفوي.
تتألف القصيدة من 675 سطرا، موزّعة على أحداث متتابعة تبدأ بشروع جيش إيغور لقتال البولوفتسيين مرورا بالمعركة وهزيمة جيشه النكراء وأسر الأمير انتهاء بهروبه من الأسر وعودته إلى قومه. فالقصيدة على قصرها وأسلوبها ليست بذاك العمل الجليل، لكن تاريخها وفرادتها وموضوعها يضفي عليها الأهمية والإجلال حتى عدّها بعض الروس قصيدة وطنيّة، لا سيما في موضوع قتال الروس أعداءهم البولوفتسييّن. وتبرز قيمة القصيدة الفنية في تصويرها المعركة ما بين الروس والبولوفتسيين تصويرا يوازي تقاليد الزواج الروسي حينئذ، فجمعت ما بين حدثين يمثل أحدهما بداية الحياة والآخر الموت، وما بين الفرح والحزن، والوطن وواجب الدفاع عنه. فمثلا بدلا من أن تغنّي الجواري فرحا بالعرس بعد أخذ عطايا العروس فإن جواري البولوفوتسيين يغنين فرحا بغنائم الروس. ويأخذ نهر الدون دورا في القصيدة، إذ على ضفافه تجري المعركة ويشهد هزيمة الروس، لكنه أيضا المخاطَب لشكوى ياروسلافنا، زوجة إيغور، ويتكلم مع إيغور عند فراره من الأسر. أما بنية القصيدة وطبيعتها الشفويّة فيقول روبرت مان: “تجلّى لي أنَّ البنيةَ الشفوية لنشيد إيغور قد بُخس حقها على يد كثير من الباحثين، الذين ذهبوا إلى أن النشيد إنما أُنشئ تأليفا على يد شاعر بارع في القرن الثاني عشر. وخلصتُ بعد البحث المتتابع أنَّ نشيد إيغور كان في أول أمره ملحمة شفويّة تداولتها الألسن في صيغ كثيرة قبل أن تُسطّر في الصحف في بواكير 1200… وأقرُّ بأنّ قولي إنَّ هذا النشيد ملحمة شفويّة، في حقيقته، غير شائع أبدا”. ويشير أيضا في أقل تقدير أن ثلث القصيدة مؤلف من صيغ لغويّة مهيأة سلفا.
ذاع ذكر نشيد إيغور بعد أن حوّله الموسيقار ألكسندر بورودن إلى أوبرا صارت واحدة من أعظم أعمال المسرح الروسي الكلاسيكية، وأودّيت أول مرة سنة 1890.
حكاية معركة ما وراء الدون (Zandoshchina)
ارتبط نشيد الأمير إيغور بحكاية معركة ما وراء الدون، بل ذهب بعض الدارسين إلى أن النشيد محاكاة للحكاية أو العكس بالعكس. حُفظتِ الحكايةُ في خمس مخطوطات، يرجع تاريخ أقدمها إلى أواخر القرن الخامس عشر، وتاريخ الأربع البقية ما بين القرنين السادس عشر والسابع عشر. وهذه الحكاية في وجه ما ردٌ على هزيمة الأمير إيغور في النشيد.
تروي الحكاية انتصار الروس بقيادة أميرهم دميتري إيفانوفيتش على جيش التتار المسلمين، المنغول، بقيادة ماماي في معركة كوليكوفو سنة 1380، وبالقرب من ضفاف الدون أيضا. لا تمجد الحكاية انتصار الروس فقط بل وانتصار النصارى ودينهم على الوثنيين (المسلمين) ودينهم، إذ يقتل الجيش الغازي ويشرّد بهم. ويحتفل الروس هاهنا بالذهب التتاري كما احتفل البولوفوتسيون بالذهب الروسي قبل قرنين من الزمن. لم ينكسر سلطان التتار بعد الهزيمة بل بقي سلطانهم قائما نحو قرن من الزمن بعد الهزيمة في هذه المعركة، واستمرت مطالبهم من الروس بدفع الجزية.
1- الرواية في الأدب الروسي – سامي الدروبي.



