أدب وادي الرافدينالتراث الأدبي

في ظلال أعتق ملحمة في التاريخ

ملحمة غلغامش: ترجمة طه باقر

إن ملحمة غلغامش* ليست أولَ أثرٍ أدبي ملحمي في تاريخ البشري حسب، بل وأول أثر أدبي كامل الأركان فنيًا وموضوعيًا يصل إلينا قاصًا علينا حكاية الملك السومري غلغامش، الذي ينتمي كما تُشير المصادر إلى عصر فجر السلالات 3000-2400 ق.م. ونسبت إليه العديد من البطولات والأساطير. ثم بدأت تتبلور حكايته نحو سنة 2350 عند سيطرة السلالة الأكدية ثم شُرعَ في تدوينها نحو 2000 ق. م. كما يُقدِّم طه باقر للمحلمة بترجمته الصادرة في خمسينات القرن الماضي**. إذًا، ونحن في الألفية الرابعة منذ تدوينها ما زلنا مستمرين على قراءة هذه الملحمة ودراستها فنيًا وموضوعيًا واستخلاص العِبر منها، فكيف يكون الخلود بعد وأنَّى لهذا أن يتكرر في كل زمان لولا عراقة هذه الملحمة ونضجها الأدبي والتكويني والفكري والإنساني وهي تقدم لنا صورًا اجتماعية ودينية وسياسية واحتفالية متعددة، لوحة كاملة تُخلِّد حال أوروك التي حكمها الملك الباطش والمتجبر الظلوم غلغامش والقوي والجميل والحكيم كذلك، حتى نزل أنكيدو من السماء لينقلب الحال وتأخذ الحكاية منحًا آخر حتى نهايتها حيث تبزغ مواضيعُ المغامرة والقتال والشجاعة والصداقة والوفاء

والأهم من كل هذا ما ينشطر إلى قسمين الأول: الجانب العقائدي المتمثل في الطوفان الذي ضرب الأرض بسبب إرادة الآلهة ونجاة أوتونبشتم ومن معه على متن السفينة، ولا يخفى على القارئ أنَّ الأديان الإبراهيمية تتحدث عن هذا الطوفان ونبي الله نوح (عليه السلام)*** إن صحَّ كون الطوفانين المذكورين واحدٌ. والقسم الآخر: في سؤال الموت الذي يداهم غلغامش بعد موت أنكيدو ورؤية الدود على جثمانه ليرهبه المنظر ويكره مصيره هذا، ثم يشرع في البحث عن جواب سؤال الموت وما وراءه وهل من منجى أو وسيلة للهرب منه؟ هذا السؤال الذي طُرحَ قبل أكثر من أربع آلاف سنة يعود ليتكرر في القرن الحادي والعشرين، فيكتب المفكر يوفال نوح هراري في كتابه Homo Deus عن الموت وكيفية النجاة منه بل وقهره، الهدف الذي أضحى ضمن جدول أعمال الإنسان، وفي أقل الاحتمالات البحث عن الشباب الخالد

إنها الدورة الفكرية والنفسية الإنسانية ذاتها تتكرر من عصر إلى آخر مرتديةً أثواب جديدة تتلائم مع التطور المرافق لبني الإنسان. فما فكّر به غلغامش في وقته يفكِّر به الإنسان اليوم، ليداهمنا سؤال مهم ما الذي تغيَّر في الإنسان وهو عندما بلغ أوج نضجه الفكري والأدبي كتب عن سؤال الموت والخلود وفي أوج نضجه التقني والفكري الذي لم يشهد له في تاريخه مثال ما زال يبحث عن جواب للسؤال ذاته! إيه أيها الموت ما أعقد لغزك وأجمدَ حال الباحث عن حلِّك.       

يُقسِّم طه باقر الذي ترجم الملحمة عن اللغة السومرية بألواحها المكتشفة إلى أربع مراحل (وهي ناقصة لكن ما وصل إلينا يُثبت أن الملحمة شبه مكتملة كما يُشير، وتوضحه الملحمة في موضوعها المتكامل وذات الوحدة الفنيّة المتماسكة وغير المضطربة أو المتزعزعة وتشابه أسلوبها وثباته مع أنها تبدو أحيانا مختصرة أو هكذا أراد من دوَّنها)، تُقدِّم كل مرحلة جزء من القصة لتكتمل القصة في المرحلة الرابعة، الأخيرة

المرحلة الأولى:

يُفتتح اللوح الأول من ملحمة غلغامش بـ:

هو الذي رأى كل شيء فغني بذكره يا بلادي

هو الذي خبر جميع الأشياء وأفاد من عبرها.

غلغامش الملك الباطش لأوروك، ثلثاه إله وثلثه بشر، طوله 11 ذراعا وعرضه 7 أشبارتغضبُ لبطشه الآلهةُ وتخلق أنكيدو الذي ينزل فيعيش مع الوحش والحيوان في البرية حتى يراه الراعي الصياد الذي أفسد عليه أنكيدو صيده وبئره وفخاخه. ونقرأ أن أول وسيلة للإطاحة بأنكيدو وإبعاده عن الغابة والرعي مع الحيوانات كانت أن ترسل إليه بغي ليقع في حبها، فإذا ما رأته الحيوانات نفرت منه وعرفت ببشريته. وهنا متن الأبيات من الملحمة والإيقاع بأنكيدو بفضل البغي، فبعد أن يراه الصياد يذهب إلى أبيه ليخبره فيجيبه أبوه:

يا بني: يعيش في أوروك غلغامش  

الذي لا مثيل له في البأس والقوة 

وهو في شدة بأسه مثل عزم آنو 

فاذهب إلى أوروك توجه إليها

وأنبِئ غلغامش عن بأس هذا الرجل 

وليعطِك بغيا تصحبها معك 

ودعها تغلبه وتروِّضه 

وحينما يأتي ليسقي الحيوان من مورد الماء 

دعها تخلع ثيابها وتكشف عن مفاتن جسمها

فإذا ما رآها فإنه سينجذبُ إليها 

وعندئذ ستنكره حيواناته التي شبت معه في البرية 

وبعد أن ذهب الصياد إلى غلغامش وقد أمره أن يذهب مع بغي إلى هذا الوحش (أنكيدو)، رجع مع البغي إلى الوحش وحينما رآياه بعد انتظار.

(فأسر إليها الصياد): هذا هو يا بغي فاكشفي عن نهديك 

اكشفي عن عورتك لكي يتمتع بمفاتن جسمك 

لا تحجمي، بل راوديه وابعثي فيه الهيام 

فإنه متى رآك وقع في حبائلك 

انْضي عنك ثيابك لنيجذبَ إليك 

علمي الوحش الغر فن (وظيفة) المرأة 

ستنكره حيواناته التي ربيت معه في البرية

إذا انعطف إليك وتعلق بك 

وبعدها وقع أنكيدو في حبائل البغي ونجحت خطة غلغامش.  

وعملت الوحش الغر فن المرأة، فانجذبَ إليها وتعلق بها

ولبث أنكيدو يتصل بالبغي ستة أيام وسبع ليال 

وبعد أن قضى وطره منها 

وجه وجهه إلى ألفه من حيوان البر 

فما أن رأت الظباء أنكيدو حتى ولت عنه هاربة 

فما كان من الحيوانات إلا أن تهرب منه بعد أن رأت بشريته وانجذابه إلى البغي البشرية، واستمع إلى البغي وأنصت إليها وذهب معها إلى المدينة (أوروك) ليقابل الملك الظالم ويقاتله عندما منعه من أداء الطقس المقدس في الزواج فيغلبه غلغامش بعد لأي وشد ولشجاعة أنكيدو يتخذه صديقًا. يُمكن الوقوف مطولًا عند خطة إغواء أنكيدو من البغي بل ما يرد في بيتعلمي الوحش الغر فن (وظيفة) المرأةليوضح لنا الرؤية الوظيفية للمرأة في زمانه وهي رؤية مع اشتداد التضييق عليها في العقود الأخيرة فكانت وما زالت في كثير من تجلياتها موجودة ليطرح سؤالا آخر عن النظرة الذكورية للمرأة أنثى وعن أدوارها المجتمعية والحياتية، ودون أدنى شك لهي نظرة دونية وإن تعلَّق الأمر في الحديث بالبغي. وتوجد صور تكريمية للأنثى في الملحمة سواء في وجود إلاهة أو حتى أم غلغامش  الملكة التي جعلت من أنكيدو ابنًا لها وأخًا لغلغامش، لذا فإن الجوانب الاجتماعية الخاصة بالمرأة في الملحمة تسلط الضوء على أفكارٍ وممارسات حاضرة حتى اليوم في المجتمع الإنساني رغم تقدمه

المرحلة الثانية

تتمثل المرحلة في مغامرة غابة الأرز ومواجهة الوحش خمبابا وقتله بمساعدة الآلهة، فبعد أن تتوثق عرى الصداقة بين غلغامش وأنكيدو يذهبان في رحلة ومغامرة تتطلب الكثير من الشجاعة إلى غابة بعيدة عن أوروك، لكن روح غلغامش الجامحة والمحبة للمجد تحثُّه على خوضها وأخذ صديقه معها لتتكلل بقتل الوحش والعودة سالمين إلى أورورك. ثم يشهد القسم الثاني محاولة إغواء عشتار الإلهة لغلغامش الذي لا يسقط في حبائلها بل ويتحول من الدفاع إلى الهجوم حين يذكّرها بمعايبها وهناتها مع عشاقها، فتغضب الأخيرة وتهدد أباها (آنو) إذا لم يخلق لها ثورا سماويا ينتقم من غلغامش الذي أهانها فإنها ستفتح باب العالم السفلي وتجعل الموتى يأكلون الأحياء. لنتحول إلى القسم الأخير من المرحلة الثانية والمواجهة ما بين غلغامش وأنكيدو وبين الثور السماوي الذي يقتله غلغامش طاعنًا إياه في ظهره.  

المرحلة الثالثة:

يرى أنكيدو رؤية تُؤولُ أنها موته بعد أن قررت الآلهة قتله، وبعد موته يندب عليه غلغامش  ويحزن ستة أيام وسبع ليال، وبعد أن يرى أثر الموت فيه حين ينتشر في جسده الدود، يهيم على وجهه ويقرر الشروع في رحلة إلى جده الناجي والخالدأوتونبشتمبحثا عن حل لغز الحياة والموت. ويذهب في رحلة طويلة عبر الجبال حتى يصل إلى صاحبة الحانة التي تدله على أورشنابي ملاح البحر الذي يُوصله إلى أوتونبشتم الذي نجى من الطوفان

المرحلة الرابعة:

يحكي أوتونبشتم لغلغامش قصة الطوفان من بدايتها إلى النهاية، ثم يرشده الطريق التي من خلالها يصل إلى نبتة الشباب في أعماق الماء وبعد أن يجنيها غلغامش تأكلها الأفعى في غفلة من عين غلغامش على الساحل لتنتهي بعدها المحلمة، ويعود غلغامش مقتنعًا بمصيره الفاني. وينتهي اللوح الحادي عشر بـ هو الذي رأى كل شيء.

*

يتميز أسلوب الحكي في الملحمة بأنه أسلوب سارد عليم مع فقرات لحديث الأبطال بضمير الشخص الأول. وأسلوب الاستباق الزمني وإظهار أمارات نهاية الحدث قبل وقوعه كما حدث مع موت أنكيدو، ورؤيا غلغامش لسفره إلى أوتونبشتم وكذلك في التكرارية للأبيات فضلا عن وحدة الحدث والأسلوب، وهو أمر يُستنتج منه النضج الفني في صياغة الملحمة فضلًأ عن سير الأحداث وتنوعها والحبكة فيها من البداية إلى الذروة ثم النهاية، وما تضمنته من أحداث، تصب جميعها في بنيوية العمل واكتمال الرؤية الفنية التكوينية لكاتب/ كتبة الملحمة.

______

يعني اسم غلغامش المحارب الذي في المقدمة أو الرجل الذي سيكون نواة شجرة جديدة كما يذكر طه باقر في تقديمه

** يُكتب في عنوان ثانوي (أوديسة العراق الخالدة) تحت العنوان الرئيس (ملحمة غلغامش)، أرى في هذا العنوان الثانوي إجحافًا بحق الملحمة التي سبقت هوميروس وأبطاله لا سيما وأنها اشتهرت وانتقلت في وقتها إلى المدن الأخرى ولها تأثيرها في آداب الأمم الأخرى، ولا يعني تأخر اكتشافها مقابلةً بملحمة هوميروس أن نصفَ القديم بجديد لاحق فالأصل أصل والفرع فرع ولا يتقدم الفرع على الأصل فضلًا ولا قدرًا في التسميات، فإن كان اللاحق أفضل من السابق فيبقى السابق باسمه ويبقى اللاحق محتفظًا بقدره لا ينازعه عليه شيء. وما يرد في ملحمة غلغامش كما في اللوح الثاني عشر ورحلة أنكيدو إلى العالم السفلي نجد لها مثيلًا في رحلة أوديسيوس إلى عالم الأموات، وكذلك نجد في حزن غلغامش على أنكيدو شبهًا قويًا في غضبة آخيل على موت صديقه باتروكلوس في حرب حصار طروادة، وهذا إن لم يكن فيه دليل قاطع يُرتكن إليه فإن ظاهر الأمر يُثبت أنَّ الإلياذة والأوديسةأشهرملحمتي شعر في التاريخ الإنساني متأثرتان بوجه أو بآخر بمحلمة غلغامش، خلاصة القول إنَّ ملحمة غلغامش هي ملحمة غلغامش وملحمة العراق الخالدة فحسب.  

*** يحاول البعض أن يجرِّد الأديان من صفة السماوية وأنها منحولة من الآثار السومرية وما هي إلا كذبة وأنَّ اليهود الذي سكنوا بابل بعد السبي الأول والثاني تأثروا بما عرفوه في أرضهم الجديدة وتأثرت الأديان الإبراهيمية اللاحقة (النصرانية والإسلام) باليهودية وأخذت منها هذه القصة، وهذا اتهام لا يقوم على حجة قوية ولا حتى منطقية لا سيما فيما يخص الإسلام، فالقرآن خصوصًا والدين الإسلامي عمومًا قد أُثبتَ أنه جاء مخالفًا لكثير مما يرد في التوراة والأدلة على ألوهيته ونبوة النبي (صلى الله عليه وسلم) كثيرة لمن يود الطلاع والبحث الجاد البعيد عن الأحكام السالفة والمبيَّتة التوجيه، وأن القرآن كذلك جاء بأشياء لم ترد في الكتب السماوية الأخرى مما يمنحه سمة التميّز والفرادة، قاطعًا أيَّ صلة مُفترضة لتأثرٍ بالعهدين القديم والجديد، ناهيك عن اعتبارات جغرافية واجتماعية ولغوية في زمن البعثة النبوية وما سبقها كلها تُفنِّد هذا الترابط أو التأثر. فإذا ما أثبتنا عدم وجود أي صلة ما بين القرآن والعهدينوهذا ما تمَّ من قبل الكثير من المتخصصين في هذا المجال قديمًا وحديثًافنحن هنا ننتصر للقرآن والإسلام. والأمر الآخر الذي يرتبط في هذا السياق هو حداثة اكتشاف الملحمة الذي يبدأ مع عصر التنقيب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فإذا كان لا يوجد صلة تأثر وتأثير بين القرآن والتوراة والإنجيل، وحداثة اكتشاف الملحمة يتضح لدينا وثوقية قصة نبي الله نوح، والأهم من هذا بالعودة إلى حادثة الطوفان التي يرويها أوتونبشتم الذي قد لا يعني بالضرورة نوحًا (عليه السلام) وأن الطوفان المذكور في المحلمة يؤكد حصول الطوفان الحقيقي المذكورإن كانا واحدًافي الكتب السماوية وبهذا فإن الملحمة قد أخذت فكرتها من حدث حقيقي أثبتته الكتب السماوية، وهنا نقف على أن الكتب السماوية والملحمة يتحدثان عن واقعة واحدة يتفقان على حصولها باختلاف مصدر الخبرين، فالأول الذي يخص الملحمة هو حكاية الإنسان التي ينقلها من جيل إلى آخر ليشوبها الانزياح الدلالي والدافع العقائدي، والآخر هو الخبر الإلهي الأكيد الذي يقص على الناس حقيقة الحدث وسببه وحيثيات وقوعه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى