الأخوات برونتيروايات

وذرينغ هايتس

إميلي برونتي

وصفتْ شارلوت برونتي رواية وذرينغ هايتس أنها “المبتورة في ورشة عمل بريّة بأدوات يسيرة مصدرها مواد منزلية”، وكانت هذه الرواية الواحدة كفيلة بأن تجعل من إميلي إحدى الأديبات الخالدات، بعملها الجامح ولغتها التي تتأرجح تتابعيا ما بين الرقة الغارقة بالعاطفة البدئية (نابعة من أراضي هاورث البرية، لم تَشُبْها أو تغيّر رونقها حياة المدينة ولا الزيف الإنساني الحضريّ) وبين القسوة والكراهية البدئية (استمدتها من حياة قاسية بدأت بوفاة أمها بعد ولادة أختها الصغرى آن، ووفاة أختيها فيما بعد ماريا وإليزابيث، وظروف عيش غير مرفَّهة سواء في المدرسة الداخلية حيث درست أو منزل سُكناها، ثم في عملها مربيةً في وظيفة أشبه بالعبودية استمرَّت سبع عشرة ساعة لم تطقها إميلي المرهفة الشعور والجسد)، لنقف على لغة تمتاز بمفردات الحب والبغض، وإحساس وشاعرية، تنتمي إلى الأرض والبراري والطبيعة الحيّة والتلال والسهول حيث ترعرعت إميلي. تكتب عن الحب بقلب عاشقة ملتاعة وتكتب عن الكره بسوط جلّاد لا يعرف الرحمة، إلا أن روايتها لم تُكتب لأجل الرحمة بل كتبت للعذاب والألم فنشم في مفرداتها رائحة البغض والنكد والألم والحقد والتعب والإعياء والهزل والكآبة والظلام والسوداوية والجحيم والوحوش والشياطين والعذاب. تستند إميلي إلى ملكة مفردات غنية فنراها تستثمر المرادفات الكثيرة في تقوية نسيج عالمها المشبع بالاختناق والضيق والضياع في أروقة وذرينغ تحت سطوة شر شيطاني انتقامي لا يعرف الرحمة متمثلًا في شخصية هيثكليف. 

لسوء الحظ فقد قرأت الرواية في بادئ الأمر بترجمتها العربية (عن المركز الثقافي العربي) لأكتشف أني قرأت نصًا مشوَّهًا بعد أن وجدت خطأين في السرد، يتحول فيه السارد بضمير المتكلم -الذي كان الأسلوب السردي الوحيد في الرواية- إلى سارد عليم، وبعد التأكد من النص الأصلي هالتني الكارثة وأنني قرأت ما لم يجب أن أقرأه*، فلم أجد بدًّا من العودة مباشرة وقراءة النص الأصلي بلغته الإنجليزية.

تدور أحداث الرواية في ثلاثة أجيال (الجيل الأول: ثانوي، والآخران: رئيسان) لعائلتي إيرنشو ولنتون، في أكثر من ربع قرن من الزمن. تتوزع الشخصيات في العمل على نحو متتابع، مجموعة شخصيات تلو الأخرى مع ثبات شخصيتين هما الشخصية المحور “هيثكليف” والشخصية الساردة (بؤرة السرد) للقصة وعرّابة الرواية الخادم إلين دين “نيلي”. 

  

(زواجات أسرتي إيرنشو ولنتون)

وما بين قصري وذرينغ هايتس وثروشكروس غرانغ تدور رحى صراع عنيف بين الحب والكره، والخير والشر، تتمازج هذه الأقطاب الأربعة وتتحد في تكوين شخصيات العمل، فلا تتفرد شخصية بقطب حتى ينازعها قطب آخر باسثناء هيثكليف الذي مثّل قطب الشر وإلين دين التي مثَّلت قطب الخير. تبدأ عجلة الرواية بالتحرك قدما بظهور اللقيط هيثكليف مع الأب إيرنشو جالبًا إياه من زيارته إلى ليفربول، لا يعرف له أصل ولا أثر يُقتفى، تتداخل عوامل القدر والإنسان في تكوين علاقات حب وكره ما بين الشخصيات الرئيسة في كلا الجيلين الثاني والثالث لتشكل مجموعة من المراحل والفصول التي تستوجب الوقوف والدراسة على حدة، ومن أبرزها حب هيثكليف وكاثرن إيرنشو، ثم كره هيثكليف لعائلتي إيرنشو ولنتون، وسعيه الدؤوب لمحو أثر هاتين العائلتين على مدى سنوات طويلة. 

هيثكليف

حب متطرف وشر مستطير

يحوز هيثكليف على البطولة في العمل، ولو اقتصر الحديث عليه لما ظلمنا الرواية ولا انتقص من قدرها شيء، فكل الأحداث تقريبا مرتبطة به وتدور حوله من قريب أو بعيد. وهي شخصية ذات تركيب عجيب من الشر الشيطاني الانتقامي الذي لا يعرف الرحمة والحب البربري الهمجي الذي لا يعرف الكلل، ضاربًا عرض الحائط الحدود الفاصلة ما بين الحياة والموت، ويجعلهما وسيلة يحب من خلالها وينتقم عبرها. لا يمكن تعريف الحب لديه بمعاني الحب المألوفة عمومًا فحبه موَّجه لشخص كاثرن فحسب، يسعى من أجله لينتقم من كل سبب فرَّقه عنها، ومِن كل ما له صلة بها. وهنا المفارقة الغريبة في هذا الحب المتطرف غير المعتاد أو لأسمِّه “الحب الشرانيّ” الذي يصبح دافعًا قويًا للانتقام والكراهية والبغض والسادية، تتسلل روح الشيطان في جسده الضخم والقوي، فبهجته في تعاسة من يكرههم ولهم قرابة نسب بحبيبته، وراحته في عذابات من ينتمي للعائلتين كانتا سببًا في تمرّده على ذاته الإنسانية التي قُتل فيها كل الخير تقريبا وحوّطت بالأسوار العالية بقاياه، فمسخته عفريتًا بشعًا وغولًا مفترسًا ووحشًا فظيعًا- سواء من كانوا سببًا مباشرًا أو من هم برآء من خطيئته. تلتمس شخصيات ضحاياه هذه السمات المتوحشة والشرّانية فتقول إيزابيلا لنتون (زوجته) لنيلي:   

– وحش! أيمكن أن يُفنى خلقه أو يُمحى ذكره! 

– صه صه! إنه كائن بشري. كوني أكثر تلطَّفًا، ثمة رجال أسوأ منه. 

– إنه ليس ببشري. 

ويقول إدغار لنتون لابنته كاثرن:

– لا لم يكن ذلك لأني أكره السيد هيثكليف بل لأن السيد هيثكليف يكرهني، إنه أكثر رجل شيطانية، بهجته في ظلم وتدمير من يكرههم إذا منحوه أيسر فرصة لفعلها.

عرفت هذه الشخصيات المحيطة به طبعه الشرَّاني، ويعرفها القارئ بتقدمه في القراءة حتى يصل إلى مرحلة يقف بها على شخصية عجيبة، ومتعددة الهُويات، فلا هي بالشريرة المطلقة ولا يبدو عليها أنها تحمل سمات خير، بل إن الخير فيها يخشوشن ويتصلب فيبدو صورة من صور الشر. إنَّ الحديث عن هذه الشخصية لا يكتمل ولا يُؤتي أُكله دون البحث في الأسباب التي أدت إلى جعله هكذا، ولا بد كذلك من فهم علاقته بكاثرن إيرنشو التي تمثل هي الأخرى هيثكليف آخر، لكنها هيثكليف إنثوي لم تُتحْ لها الفرصة في أن تفترَّ عن نابها وتفترس ضحاياها بالشكل الذي أتاحه القدر لهيثكليف، لذا فإن فهم هيثكليف وعلاقته بكاثرن قد يُوصلنا إلى نقطة محورية في تشابه هاتين الشخصيتين أو الانقسام الثنائي لفكرة ما أو شخص تعتّق كثيرا في مخيلة إميلي. 

تبدأ قصة هيثكليف حين يعود به إيرنشو الأب من ليفربول بعد أن يجده مشردا في الشارع وبلا مأوى، ويسميه هيثكليف باسم ولد له مات صغيرا. تفتح هذه التسمية باب احتمالية علاقة سِفاح جمعت ما بين أخوين (هيثكليف وكاثرن) وليس بالضرورة أن تكون إخوتهما إخوة دم، بل هي إخوة من نوع خاص لا يحقُّ لأي علاقة أن تجمعها وتفكَّ أزرار ثياب جسديهما دون أن تصيبهما اللعنة، التي تجسدت في هثيكليف. (خطر ببالي أن هذه العلاقة بين هيثكليف وكاثرن قد ترمز لحب بين إميلي وأختها آن، أو إميلي وأخيها برانويل. وليس بالضرورة أن تكون علاقة فعلية، لكن محاولة إميلي أن تجسِّد طبيعة ومآلات هكذا علاقة، وجعلت من سبب التسمية وإشارات أخرى سأذكرها قد تكون تلميحًا للعلاقة الحقيقية المقصودة التي حاولت سبر غورها وعرضها في عملها. لكني لا أريد أن أختلق فكرة ثم أحاول إثباتها من النص بليِّ عنقه بل سآخذ النص بما يحويه من دلالات قد تُثبت ما ذهبتُ إليه). ينال هيثكليف الطفل حب وإيثار الأب إيرنشو، وتفضيله على ابنه هندلي وابنته كاثرن، هذا التفضيل الذي يطرح أسئلة مهمة: ما مزية هذا الطفل الذي جلبه من الشارع ليفضَّله على ابنيه؟ ما احتمالية أن يكون هذا الابن هو ابنه؟ ما دوافع إيرنشو الأب من فعلته هذه وحظوة هيثكليف الطفل لديه؟ والأهم من كل هذا، هل اعترف إيرنشو الأب لهيثكليف عن سبب ما قام به لأجله؟ هذه الأسئلة التي تبقى أجوبتها ظنية لا قطعية، ستعطينا أول الإشارات عن وحشية العلاقة بين كاثرن وهيثكليف، وكيف كبر الحب وتضخَّم، ثم انقلب وبالا عليهما، وخلق من هيثكليف واحدة من أشنع الشخصيات الشريرة في عالم الرواية. تنقلب حال هيثكليف بعد وفاة الأب، ويبدأ هندلي برحلة انتقام بأثر رجعي من هيثكليف، عازلا إياه عن الأسرة، ومُنزلًا قدره إلى درجة الخدم في قصر ويذرنغ هايتس. ونتيجة لهذه الفعلة، تنمو بذرة الشر شيئًا فشيئًا وتمسخ هيثكليف إلى كائن خيالي الشر، فنقرأ قوله وهو ما يزال فتًى لنيلي:    

 – سأكون قذرا كما أحب، ويُعجبني أن أكون قذرا، وسأبقى قذرا. 

ويقول:

– أحاول أن أستقرَّ على الطريقة التي أسدد بها الدين لهندلي. لا يهم طول المدة التي أنتظرها إذا استطعتُ فعلها في الختام. آمل ألا يموت قبل أن أفعلها! كل ما أرغب به أن أعلم أفضل وسيلة! اتركيني وحدي، وسأجد خلاصي: فحينما أفكر في ذلك لا أشعر بالألم. 

من هذين الاعترافين لهيثكليف نقف على أهم سمتين خلقهما لنفسه: ’القذارة ولذة التفكير بالانتقام المُنسية للألم‘. ترافق كاثرنُ هيثكليفَ في سني حياته الأولى وبعد انقلاب حاله بوفاة إيرنشو في حب طفولي ومشاعر نقية تكبر معهما، إلا إن ضِعة قدر هيثكليف الاجتماعي يجعل من كاثرن مترددة من الارتباط به، أو هذا في الأقل ما تعلن عنه صراحة، لتزداد الفجوة بينهما بدخول إدغار لنتون على خط الأحداث وغرامه بكاثرن، التي لا تجد عائقا من حبه وقبول زواجه. مع هذا التغيّر الرئيس الثاني في حال هيثكليف تزداد حدة هذا التضخم الشراني والتشوّه النفسي الذي سيتوَّج بانتقام مرير لا تخبو ناره سنواتٍ طويلة. يعترضنا عارض هنا متمثل في مشاعر كاثرن تُجاه هيثكليف وإدغار، فتصف مشاعرها لإدغار مثل أوراق الشجر المتغيّرة مع الفصول، في حين هيثكليف صخرة راسخة لا تتغير (في هذا التوصيف استطراد يسير على طبيعة لغة إميلي الممتدة الجذور في الطبيعة، فتوصيفاتها نابعة من الطبيعة، التي رآت أنها -كما تشير وينفريد جيرن إحدى كاتبات سيرتها- منتهية في ذاتها. وفَهمُ العلاقة بين إميلي والطبيعة حيث عاشت في هاورث يجلي عن أبصارنا الغبش أولا عن مادة لغتها ومن أين استمدتها، وثانيا في فهم علاقة شخصيات روايتها بالطبيعة والأراضي المحيطة بهم، فتذكر على سبيل المثال كيف كان يتسلل هيثكليف وكاثرن في صباهما إلى الأراضي المحيطة بوذرينغ وقضاء ساعات يتجولان فيها، وهنا تعيد إميلي استثمار خبرتها الحياتية في هاورث وكيف قضت طفولتها في تلك الأراضي البور ذات التلال، ومرافقتها أختها الصغرى آن إلى هناك، التي كانت هي الأخرى ذات علاقة مميزة مع الطبيعة ظهرت في قصائدها وروايتيْها).    

ثم تعترف كاثرن لنيلي عن ماهيّتها النفسية وتشابهها مع هيثكليف فتقول:  

– نيلي إنه يشبهني أكثر مما أشبه نفسي. وبغض النظر ممَّا قُدَّت روحانا، فروحي وروحه متشابهتان.

وتقول:

– نيلي أنا هيثلكيف! إنه دائما، دائما في عقلي: ليس بسلوًى لنفسي أكثر مما أنا دائما سلوى لها لكن بكونه ماهيتي. 

هذان الاعترافان وبالوقوف عندهما، أميل إلى إنَّ شخصيتا كاثرن وهيثكليف هما انقسام لذات واحدة، ولا يمكن أخذ أحدهما بانعزال عن الآخر، فهما كتلة واحدة، متداخلان ومتجذِّران بعضهما ببعض، لذا فإن الانتقام أحدهما من الآخر هو انتقام من الذات، وحب أحدهما للآخر هو حب الذات، والنتيجة ستكون أن الخير والشر الناتج عنهما يفوق الوصف والخيال، فهما نقيان ولا تشوبهما شائبة، ويُقدَّم بروح بربرية همجية مترعرعة في أرض بور، ومنتمية إلى الطبيعة التي لا تخرج عنها. وبالعودة إلى طبيعة العلاقة التي جمعت الاثنين أو الواحد (لو افترضنا أن إميلي خلقت شخصيتين هما في الأساس تعبير عن عشق المرء لذاته) يقول هيثكليف معترفًا لكاثرن قُبيل وفاتها:     

– لقد علَّمتِني الآن ما أقساك، لقد كنتِ قاسية ومخادعة. لماذا احتقرتني؟ وخنتِ قلبي يا كاثي؟ لا أجد كلمة مواساة واحدة. أنتِ تستحقين هذا. لقد قتلتِ نفسكِ. نعم، قد تقبِّليني، وتبكين، وتغصبين قُبلاتي ودموعي اللاتي ستُخرِّبُكِ وتلعنُكِ. لقد أحببتني وقتها فبأي وجه حق تركتني؟ بأي حقٍ أجيبيني لأجل نزوة حقيرة ألَّمت بكِ تُجاه لنتون؟ لم يكن بإمكان التعاسة أو الطبقية، أو الموت، أو الله، أو إبليس، أن يفرِّقوا بيننا. أنتِ، وبإرادتِكِ، فعلتِها. لم أكسر قلبك لقد كسرته بنفسكِ، وفي غمرة انكساره كسرتِ قلبي معه. وأسوأ ما في الأمر أنني قوي. هل أرغب بأن أحيا؟ أي نوع من الحياة ستكون حينَ تكونين أوه، رباهَ، أسترغبين بالحياة مع روحكِ في القبر؟  

 لكن هذا لم يكن يكفي ليمحو الحب ولا يزيل تأثيره من قلب هيثكليف، بل سيتحول هذا الحب بعد موت كاثرن إلى حب متطرِّف ومُغالٍ (كما في مشهد حفر قبرها والرغبة برؤيتها وعناقها) ودافعٍ إلى الشر والانتقام من عائلتي إيرنشو ولنتون ومحو ذكراهما من الوجود. تبدأ سنوات الشر المستطير على هاتين العائلتين وأفرادهما لتصل إلى درجة الانتقام من أبناء لا ذنب لهم فيما جرى له، لكنه الشر الذي يُعمي صاحبه. يبدأ الانتقام بزواجه إيزابيلا راسمًا من الزواج حقلا أمثلَ من السوء في التعامل والازدراء، ويصل الانتقام من هندلي وإدغار (العدوان الرئيسان) بعد وفاة كاثرن إيرنشو إلى ذروته في طوره الأول، وبموتهما يدخل الانتقام في في طوره الآخر من سليلهما (هرتون هندلي الذي يصبح ملكًا لهيثكليف بعد وفاة والده، وخادما له في وذرينغ هايتس الذي استحوذ عليه هيثكليف بسبب سوء تدبير هندلي وتدهوره الصحي والعقلي بعد وفاة زوجته فرنسيس، وكاثرن إيرنشو)، كل هذا من أجل محو ذكر العائلتين، وفي سبيل هذا الهدف تموت زوجته إيزابيلا، ثم يموت ابنهما (لنتون) الذي يستغله هيثكليف ليكون مطية للحصول على إرث كاثرن إدغار البنت الذي ينالها في الأخير. لا يفرق الانتقام الذي يناله هرتون وكاثرن شيئا عن الذي ناله سابقيهما، لكن من هذين الاثنين تبرز الذكرى الشبحية التي ستعجّل من نهاية هيثكليف. فالجسارة التي امتلكتها كاثرن البنت هي جزء من جسارة كاثرن الأم (حبيبته) وبوفاة زوجها (لنتون هيثكليف) تزداد كاثرن قسوة وقوة وتشي هذه الكلمات بطبيعتها: 

– لقد تركتني مدة طويلة أصارع الموت وحدي، وما أشعر به وأراه الموت فحسب! أشعر كالموت! 

أما هرتون فإنه رغم حبه لهيثكليف وكره الأخير له فقد امتلك ما لا يستطيع هيثكليف مقاومته: 

– لكن حين أبحث عن والده في وجهه، أراها في كل يوم أوضح! ما أكثر شبهه بها بحق الشيطان؟ بالكاد يمكنني تحمل رؤيته.    

هرتون هو الضربة القاضية التي اشتدت شراستها بتقدم الزمن على هيثكليف حتى وصلت به إلى حتفه.  

ما أستدرك به ما سبق هل هيثكلف شرير بالمطلق؟ الجواب لا. إنَّ شر هيثلكيف مقتصرٌ على من آذوه، لكنَّ الآخرين ليسوا أهلًا لنيل خيره أو إنه فقد القدرة على منح الخير أو حتى نسى ما هو الخير. وفي تقرب هيثكليف وصداقته للخادم دين دلالة على بقايا الخير فيه فهو لم يحاول إيذاءها، ويرى فيها شخصًا قريبا له يفضي إليه بأسراره ويحكي له عن حاله في أكثر من مرة، وإن دل هذا على شيء فهو إنَّ نزعة الشر عنده موجَّهة لا عبثية. وكيف تُفسَّر إساءته إلى كاثرن إدغار وهي قطعة من كاثرن إيرنشو، التي من المفترض أن تكون قريبة إلى قلبه، واستمرار ازدرائه لهرتون وهو الذي يذكره وجهه كل يوم بكاثرن إيرنشو؟ تبدو أكثر الإجابة مقبولية في رأيي متمثلة في فقدان السيطرة على الانتقام، وأن حبَّه لكاثرن حب خاص لا يمكن الوصول إلى ماهيته الفعلية، لأنه تشوَّه وبلغ مراحل امتزج فيها بالشر والأذية، وصار تذكيرا بخيانة الذات الكاثرنيّة-الهيثكليفيّة للذات الهيثكليفيّة-الكاثرنيّة، فهذا النقض للاتحاد بين الذاتين (أو الذات المنشطرة إلى نصفين) أعمى بصيرته بما لا يمكنه التمييز بين العدو والصديق في هاتين العائلتين، وفقدان بوصلة الخير والشر فيما يخصهما، ليصبح الجميع أعداءً له، ولكل منهما أجله ونصيب من الانتقام.

السرد في الرواية        

إن السرد في الرواية قد نُسج بدراية ومعرفة، توالى عليه السيد لوكوود والخادمة إلين دين “نيلي” بسرد بضمير المتكلم، فقد أمسك بزمام عرض القصة وإنهائها لوكوود، وأما إلين دين فقد كانت هي الشخصية الحاضرة في ثلاثة أجيال من الأسرتين وعاصرت موت جميع الشخصيات خلا كاثرن لنتون البنت وهرتون إيرنشو، والتي قصَّت على مسامع السيد لوكوود قصة هيثكليف والبقية بأسلوب حكّاءة لم تغفل أي جانب من جوانب قصتها الأمر الذي أثار اهتمام واعجاب مستمعها الذي قال مشيدًا بها:

لقد أتممتِ على نحو صائب سرد القصة بمتعة. هذه هي الطريقة التي أحب، ويجب أن تنهيها بذات الأسلوب. أنا مهتم بكل شخصية ذكرتِها قليلًا أو كثيرًا.

لذا فنحن نقف على مستويين من السرد والزمن، السرد الآني الذي يتكفل به لوكوود والسرد عن الماضي الذي تتكفل به نيلي، وهي هنا تلعب في قصتها دورين في آن واحد- دور الشخصية ودور القاصة، إلا أن هذه القاصة لم تكن لتسرد القصة بمفردها، فهي في الأخيرة شخص يعيش في مكان واحد ويلتقي بأشخاص محددين في كل حين ولا يمكنها أن تعلم ما يحدث مع الجميع في مكان تغيب عنه أو حدث بعيد عنها، وهنا بالذات نقف على معرفة إيميلي بالفن السرد الذي انتهجته في جعل ساردتها متمكنة من مادة قصتها، فترفدها بالمعلومات والأخبار والأحداث من قبل ساردين ثانويين (امتازوا أيضا بدوريْ المعايشة للأحداث وقصها) يمدونها بما تحتاج إليه لتكتمل معرفتها، فكانوا الروافد الصغيرة التي تُزوِّد النهر السردي بماء الأحداث. يتنوع هذا التزويد بوسائل مختلفة وشخصيات متعددة، سواء عبر سرد شفاهي كما حدث في حكي هيثكليف لنيلي ما وقع له وكاثرن لدى آل لنتون، أو ما تقصه زيلا لها بشأن كاثرن البنت بعد دخولها إلى مرتفعات وذرينغ، أو في رسالة إيزابيلا التي تقص فيها ما حصل لها وعايشته في أول يوم تصل فيه إلى مرتفعات وذرينغ بعد هربها مع هيثكليف وما تلاه ، وفي حكي كاثرن البنت لها عن ذهابها وقت مرض الأخيرة إلى مرتفعات وذرينغ للقاء لنتون هيثكليف، وفي حكي المرأة الخادم، وفي حكي لنتون هيثكليف العليل. بتجمع كل هؤلاء الذي يتناوبون بالتتابع وفي مدد مختلفة متقاربة أو متباعدة، تكتمل فصول القصة التي امتدت لأكثر من ربع قرن لعرّابة الرواية إلين دين، التي تلقي ما في جَعبتها في أحضان السيد لوكوود ود.   

* إن ترجمة المركز العربي الثقافي خلقت نصًا مشوها ومحرَّفا وناقصا يستحق فاعله كما يصف الجاحظ المترجم الذي لا يتقن عمله “أن يُقام على المصطبة” أي يُشهَّر به كي لا يعود لتكرار جريرته أو يترك هذا العمل لمن هو أمين وصادق ومخلص متقن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى